|
العدد 9 |
|
هكذا كان قدر هذا الخليج العربي |
|
باقر الشماسي |
أعتقد بأن من قرأ عن تاريخ هذا الخليج العربي بإمعان، أو زاره سواء كان باحثاً أو دارساً أو مؤرخاً قبل نصف قرن مثلاً، لوجد نفسه مذهولاً حين يرى أو يعرف بأن هذه المنطقة تزخر بمعطيات ثقافية وتراثية، وبزخم هائل من الكنوز والخيرات لا حدود لها، من ثروات بحرية ضخمة وثمينة جداً جداّ من العصور الغابرة، وفوق أرضها غابات ومروج خضراء، من نخيل سامقة وأشجار باسقة وأخرى من مختلف الثمار، وواحات خضراء ساحرة، وجبال رائعة وعيون نبّاعة آسرة لا حصر لها، ولها خصوصية صحية مميزة شهد لها حتى الطب الحديث كعين أم نجم بالاحساء وغيرها، قد صنعتها عقول بارعة، وحفرتها سواعد قوية جبارة، ألا وهم العمالقة، أحفاد الفينيقيين، وصناعات يدوية بخامات محلية، كصناعة السفن وفنون معمارية بديعة ومبدعة، الى جانب موقع هذا الخليج الجغرافي والاستراتيجي، إذ يوصل الغرب بالهند والشرق الأقصى، ويتميز خليجنا كذلك بثراء ثقافي راقي السمات والتحضر وفحول من الشعراء وعلماء دين، كما اشتهر أهل الخليج بصيد اللؤلؤ وبفنون تجارته وتسويقه في الهند والسند والصين، وصياغة الذهب، وغير ذلك من الحرف والصناعات المتعددة والكثيرة، والثروات السمكية والحيوانية الطائلة، ولكونه مركزاً تجارياً مهماً وسوقاً دولية. لذا كان محور جذب لكثير من الأقوام وملتقى لحضارات أمم قد سادت، فتأثر بها وأثر فيها. ولهذه الاسباب مجتمعة مما سال ألعاب ونهم الأوروبيين وفي مقدمتهم البرتغاليون. فقبل خمسة قرون استولى هؤلاء الغزاة سنة 1515م على معظم موانىء الخليج، واحتلوا جزيرة البحرين، وبعدها احتلوا القطيف، ثم أنشـأوا مراكز دفاعية، حيث بنوا قلاعاً في جزيرة تاروت ودارين وعنك والدمام والبحرين، وذلك سنة 927هـ.
وفي سنة 1602م احتلوا جزيرة هرمز، والذين كتبوا، والذين ألّفوا كتباً عن تلك الحقب من الأزمنة ومفرداتها بتوسع وشمولية وأمانة عن تاريخ هذا الخليج العربي، المتوهج اشعاعاً حضارياً مميزاً وسمة استراتيجية شديدة الأهمية، وكتبوا عن ارهاصاته ومعاناته جراء الغزو الأجنبي، ربما قد انتابت أولئك الكتاب ازدواجية من المشاعر، وخصوصاً الكتاب والباحثين والمؤرخين الخليجيين بالذات، كشعورهم حيناً بالاستمتاع والاعتزاز بحضارة بلادهم وعراقة تاريخها المشرف، وكذا شعورهم حيناً آخر بالاستياء والغضب من أولئك الغزاة الذين جاءوا من القارة الاوروبية ليعيثوا فساداً ولينهبوا ثرواته واغتصابها باسم التجارة ثم الهيمنة والاحتلال بالقوة، حين جوبهوابالتصدي والمقاومة، من قبل أبناء الخليج العربي، فالكتابة بتلك الشمولية والعمق والبحث والشرح المبسط، لا شك أنه قد أثرى القارىء بمعرفة متعددة الجوانب والفوائد القيمة، أما حين تكتب مقالة ما كهذه عن جزء بسيط وشديد الاختصار من تاريخ هذا الخليج عند وقوعه بين فكي الاستعمار البرتغالي والهولندي، ما هي الا مساهمة محدودة ومتواضعة لاعطاء القارىء نبذة عن فصل أو أجزاء من فصول تلك الحقب من حكم الغزاة والأجانب، والعبثي والمدمر لكرامة مجتمع الخليج وثرواته، إن ذلك الاستعمار القديم، وهو الغزاة البرتغاليون والهولنديون والبريطانيون هو أشبه ما يكون بالغزو الصليبي للشرق الاوسط، وإن اختلف المكان والزمان أو اختلفت الدوافع والمسميات، الا أنه في مجمله ومراميه الرئيسية، هو التسلط ونهب الثروات وكان أول تصدي للغزو الصليبي وانتصر عليه، هم المماليك ـ وتسمى بالحملة الشعبية ـ سنة 1096م حتى 1099م. بيد أن الحملات الصليبية لم تنته بعد، إذ تصدى لهم صلاح الدين الايوبي سنة 1187م، فهزمهم وأسر ملك القدس ويدعى ـ غي دي لوز ينيان ـ وعندئذ عقد مع الصليبيين صلحاً وسالمهم. ولكن الغربيين ذوي الاطماع والاهداف الاستعمارية لا يؤمن لهم جانباً، فقد تجذرت في أذهانهم ودمهم موروثات ثقافية تندرج تحت مضامينها، عشق المغامرة والقرصنة والسطو على الآخرين، والهيمنة على الشعوب لنهب ثرواتها، حيث تواصلت الحملات الصليبية في فواصل زمنية بين الحين والآخر لمدة قرنين من 1096م حتى 1291م مقسمة الى ثمان حملات. وأما في الخليج فقد تصدى لمحاربة البرتغاليين اليعاربة في عمان، فانتصروا عليهم وتم تحرير آخر معقل للبرتغاليين في سنة 1650م. غير أن الهولنديين تحركوا على الفور وبسرعة فنسجوا خيوط مؤامراتهم على عمان ليحلوا محل البرتغاليين المطرودين، فوسعوا تجارتهم بقدر كبير من الاستغلال. ففي سنة 1651م قدم الإمام سيف بن سلطان، إمام عمان مشروعاً للهولنديين يقضي بموجبه تأمين طريق بري، لنقل بضائعهم الى البصرة بواسطة قوافل الجمال، تنطلق من أبو ظبي ثم القطيف فالبصرة، بدلاً من بندر عباس في بلاد فارس، فرفض الهولنديون ذلك المشروع بعد مماطلة طويلة. نظراً لقوة العلاقة التجارية والسياسية بين الهولنديين والفارسيين، وخشية من ميل الفارسيين الى توثيق علاقتهم بالانكليز كرد فعل على استجابتهم لمشروع الامام سيف بن سلطان، ومن ثم قد يخسر الهولنديون أكبر مصدر لهم في شراء الحرير الفارسي لتسويقه، وكذا السجاد والمخمل والأواني والعطور وغير ذلك من البضائع والسلع الفارسية.
وقد تطورت هذه العلاقة بين الهولنديين والصفويين في زمن الشاه عباس الأول الصفوي، إذ منح هذا الشاه للهولنديين امتيازات تجارية لم يعطها لأي دولة أوروبية أو حتى للتجار الفارسيين من بني قومه، وقد ذهب الشاه بعيداً ايضاً مع الهولنديين في اعطائهم تلك الامتيازات التجارية الى حد اعطائهم امتيازاً اجتماعياً وقضائياً ـ إن صح التعبير ـ بل غريباً من نوعه حيث ينتقص من استقلالية بلاده وكرامتها. إذ تقول فقرة 14 من المرسوم الشاهاني "إذا اقترف أي هولندي ذنباً ما أو جريمة قتل، أو خالف القانون، فسوف لن تحقق معه أية سلطة في بلاد فارس بل يحاسب من قبل رئيسه طبقاً للظروف المحيطة بالحالة ومن الجهة التي يراها". والأنكى من ذلك وهو ما يعنينا في سياق هذا الموضوع، هو عندما قام الهولنديون باحتلال جزيرة الخرج، كان بتشجيع بل وتعاون عسكري مع حكام فارس الصفويين، فانتفض أهل هذه الجزيرة وكافحوا هذا الاحتلال بقيادة زعيمها مير مهنا ـ وبين مد وجزر وكر فر، استطاع هذا الزعيم اخراجهم من الجزيرة، ولم يسمح لهم عند انسحابهم بأخذ أي شيء مهم، وهكذا كانت مدن الخليج وموانؤه تتعرض بين الفينة والفينة للاحتلال والهيمنة، بالمناوبة والتنافس بين البرتغاليين والهولنديين والانكليز، للحصول على حصة الأسد من ثرواته، والاستفادة القصوى من موقعه الاستراتيجي، بأحيابيل مختفة تارة، وبقوة المدافع تارة أخرى.
وفي القطيف سنة 1535م بعث أهالي القطيف بوفد الى بغداد ليطلب من السلطان العثماني (سليمان القانوني) معاونتهم لطرد البرتغاليين من بلادهم وقد استجاب لطلبهم فجهّز اسطولاً ضخما واحتل عدن واليمن وعمان، ثم واصل زحفه الى القطيف براً. ويقول ـ ولسن ـ وعلى التو من وصول العثمانيين قام أهل القطيف بمهاجمة البرتغالين واستولوا على الحصون والقلاع وسلموها الى الاتراك، فانسحب البرتغاليون صاغرين وتوجهوا الى البحرين، ولكن ما أن تنفس أهالي القطيف الصعداء بتخلصهم من ذلك الغول البرتغالي، واذا به ينقض مرة أخرى بقوة أكبر مما كان عند انسحابه من القطيف، فاحتلها من جديد، غير أن ذلك لم يهن من عزائم أهل القطيف والاتراك وإنما زادهم تصميماً على طرد البرتغاليين بأي ثمن. عندئذ أرسل الأتراك قوة بحرية كبيرة لاجتثاث البرتغاليين من الخليج كلياً. وقد تم طردهم من سواحل القطيف، كما جهز الاتراك أيضاً قوة أخرى بقيادة محمد فروخ باشا لاسترجاع القطيف والاحساء من قبضة البرتغاليين، وهذا قد تم في سنة 958هـ وبعدها اعاد الاتراك بناء القلاع والحصون التي دمرها البرتغاليون، الا أن بصمات ما خربه البرتغاليون الغزاة من رموز ومعالم تراثية وحضارية في القطيف لا زال بعضها باقياً ليومنا هذا، ويتمثل في منارة مسجد القلعة، إذ كان ارتفاعها آنذاك ضعف ما هي عليه الآن. كما ترويه وتتناقله الأجيال خلفاً عن سلف، ذلك لأنها قصفت بمدافع البرتغاليين، وهكذا كان قدر هذا الخليج محط أنظار ومطامع الغزاة الغربيين والأجانب، وقدر أهالي هذا الخليج والمعاناة والاستعباد وإفقارهم وسلب ثرواتهم وقدرهم المقاومة وبذل التضحيات بالغالي والنفيس، ومثله مثل بعض الشعوب التي ابتليت بالغزاة الغربيين، الا أن الاجانب أي السلاطين العثمانيين ومعاونيهم لم يكونوا أقل شراهة واطماعا من الغزاة الاوروبيين في بلدان الخليج العربي، من تسلط وابتزاز ناهيك عن تغيب الوضع الامني والاستقرار وتدني معيشة المواطن في الخليج، لا سيما في الحقبة الاخيرة من حكمهم في الخليج، أي قبل احتضار الامبراطورية العثمانية بعقدين ونيف، حتى أصبح الهاجس الكبير والهدف الأهم لدى كل فرد من أبناء الخليج، هو الخلاص من حكم ذلك الأسد المريض، أي حكم السلاطين العثمانيين، وقد تحقق لهم هاجسهم وأمانيهم إذ ترجموا هذه الاحاسيس الى تفعيل جانب العوامل الأخرى.