مجلة الواحة

العدد 9

 

ادارة الوقف والحاجة للتطوير

 

محمد باقر النمر

 

الوقف لغة: الحبس ويقال وقف يقف وقفاً.

وفي الاصطلاح: تحبيس الأصل وإطلاق المنفعة. أي منع تملك العين لاحد من الناس وبقاء ملكيتها لله، وهكذا فللناس او لبعضهم الانتفاع بعوائد العين او الأصل.

أنواعه:

1- خيري: وهو ما تصرف منافعه في جهة اعمال الخير العامة او المحددة كالعبادات او للفقراء والمحتاجين والمسافرين والضعفاء والعجز والعبيد والعزاب والأيتام والمكفوفين وغيرهم.

2- ذري: وهو ما يقتصر على الأحفاد غالباً او الأقارب احيانا وهو لايخرج عن ذات البواعث السامية للوقف الخيري من بر واحسان وهو بالتالي لايخلو من حصول الثواب لسبب صلة الرحم والقرابة اضافة لكونه صدقة ويرى بعض العلماء ان فضله لاينقص عن الصنف الاول.

 مشروعيته وشروطه: 

وهو عمل مشروع وجائز وفيه الثواب الدائم والمتجدد ما قصد واقفه التقرب لذا يتوجب عند الفقهاء ان ينتفع الواقف من وقفه في دينه لا في دنياه ويصح بوجود الفائدة والنفع للموقوف لهم.

وهناك اجماع على بطلان الوقف الذي يضر بالورثة او يحرمهم من الميراث.

كما لايصلح وقف الشخص السفيه وسئ التدبير الذي لا يحسن التصرف في ماله.

ويشترط العقل والبلوغ والقصد والارادة والاختيار قبل الشروع في الوقف.

والوقف عقد لازم لا يجوز الرجوع فيه من الواقف او من غيره بعد انعقاده حتى لو لم يرفع الواقف يده عنه. وذلك احتراماً من الاسلام لارادة ورغبة الواقف في حال اكتمال شروط الوقف وهو حق قانوني وشرعي.

وفي حال وجوب الوقف وانعقاده بوجهه الشرعي لا يجوز بيعه او هبته او التصرف فيه كملك واذا مات الواقف لا يرث الورثة الوقف.

وحث الاسلام اتباعه ورغبهم في الوقف وجعله من اسمى وافضل العبادات والمندوبات والقربات وابعثها للثواب.

وكان رسول الله (ص) اول من عرف الوقف وسنه وتبعه من بعده الصحابة.

قال جابر بن عبدالله الانصاري: (ما أعلم احداً من الصحابة ذا مقدرة الا حبس مالاً من ماله، صدقة موقوفة، لا تشتري ولا تورث ولا توهب).

وفي التاريخ والاثر أوقف بعد الرسول الاكرم (ص)، ابوبكر، وعمر، وعلي، ومعاذ بن جبل، وعائشة، وصفية، وخالد بن الوليد، وبنو النجار، وطلحة، وابيه، والزبير، كل ذلك تقرباً وزلفى للباري تعالى.

وهكذا اقبل المسلمون وعلى مدى التاريخ الاسلامي القديم والحديث على الوقف والعطاء الانساني.

وتوجد اليوم في كل الدول الاسلامية وزارة خاصة تعنى بشئون الاوقاف وادارتها وتنظيم شؤنها ومتطلباتها.

ونتيجة لاتصالها بالحضارة الاسلامية تأثرت الامم الاخرى بفكرة الوقف السامية فلاتوجد امة إلا ولها ما يشبه نظام الوقف ومدلولاته فكثرت المستشفيات والمدارس الخيرية والملاجئ وغيرها... وسنت القوانين المدنية في تلك الدول والامم.

فالقانون المدني الفرنسي يحوي على الهبة المتنقلة التي تشبه إلى حد كبير الوقف الذري لدى المسلمين فيجوز للوالد ان يهب او يوصي بالعقار للولد من بعده ثم باقي الاولاد والاخوان... وهكذا.

وفي امريكا صندوق الائتمان الذي تستفيد منه طبقة معينة ومحدودة كالايتام وغيرهم...

وكان بعضاً من الحكام المسلمين المتقاتلين سابقاً على الحكم يكثرون من الاوقاف لمنع مصادرة اموالهم وعقارهم اذا غلبوا.

ويصح وقف الاثاث والعقار والمساجد والبساتين والابار والمصاحف والكتب والاسلحة والفنادق والمستشفيات ودور العلم والمباني والمصانع والطرق والخيول وغيرها مما يصح بيعه والانتفاع به مع بقاء عينه فلايصح وقف الشموع مثلاً او الماكولات والمشروبات التي تفسد في الزمن القصير.

كما لايصح وقف الاشياء المرهونة او المغصوبة او المبهمة او ماهو خارج المقبوض كالطير في السماء والسمك في الماء.

ولايصح وقف الشئ الذي فيه معصية او ما يعصى الله فيه او به ولاوقف مايضر بمصالح الناس ويفسد شؤنهم.

 فوائده: 

امر الاسلام بكل ماهو نافع للفرد والمجتمع في مختلف الامور والشؤون العامة والخاصة ولاشك ان الاسلام لم يحث ويرسي القوانين للوقف لولا وجود الفائدة العامة والخاصة.

ومن تلك على سبيل المثال لاالحصر الوقف والذي نذكر هنا:

1- الفائدة الشخصية: للفرد الواقف من عظيم الثواب المتجدد والمستمر فعن ابي هريرة ان الرسول الاكرم (ص) قال: اذا مات ابن آدم انقطع عمله الا عن ثلاث: صدقة جارية او علم ينتفع به او ولد صالح يدعو له.

وقد اجمع جمهور علماء المسلمين ان الصدقة الجارية هنا هي الوقف.

وفي حديث آخر: (من احتبس فرساً في سبيل الله ايماناً واحتساباً فان شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة حسنات).

2- الفائدة الاجتماعية: فالوقوفات المداره تنمي وتوازن الاقتصاد وتخرجه من دائرة النفع الفردي الى دائرة النفع الجمعي او من ذوي القوة للضعفاء والعاجزين والمحتاجين على مدى سنين طويلة واجيال متتابعة كل ذلك يؤدي لإيجاد مواقع ومشاريع ذات منفعة عامة او لفئة من العموم بعد ان كانت مقتصرة على فرد واحد او افراد محددين مما يساهم ويساعد في اشاعة الاعمال الخيرية الجماعية ووجود قواسم مادية مشتركة للعموم من اجل التكافل الاجتماعي.

ويرى الدكتور عبد الهادي الفضلي -كما في مجلة الكلمة ع13-: ان للوقف الاسلامي دورا واثرا في تغطية جوانب من المتطلبات الاجتماعية في النواقص الاقتصادية ودفع التنمية الاقتصادية والمتطلبات الدينية في العمل على استمرارية الفكرة الاسلامية واستمرارية مسيرة الامة الاسلامية.

3- تحقيق معاني الخير والاحسان والغيرة على المصالح الاجتماعية العامة من حساب المصالح ذات النزعة الفردية.

من المفيد الاستعانة بتجارب الآخرين خارج المنطقة فيما يتعلق بالاستثمار والتنمية او في مسائل الضبط والنظام والإدارة

وهذا يعكس نظرة ثاقبة وعمقا إيمانيا وحسا وطنيا يتمتع به الآباء.

4- تأمين مستقبل لجيل او اجيال من الاقارب (بالنسبة للوقف الذري) بموارد ثابتة ورأس مال لايصرف قد يمنع الذرية من الحاجة للآخرين. كما من شأن الوقف الذري ان يجمع العائلة ويلم الشمل ويخلق الشعور بوجود الحق والهدف المشترك بين افراد العائلة الواحدة.

 الناظر والولي: 

امر الاسلام بالولاية والنظارة على الوقف وان لم تكن هناك شروط محددة إلا انه لاشك ان الحد الادنى من النزاهة والكمال الانساني والاخلاقي والادارة والعدالة والامانة ينبغي ان تتوفر في الولي والناظر، وحفظ الاسلام للعامل على الوقف والعامل في الشأن العام حقوقهم في الدنيا قبل الآخرة (انا لانضيع اجر من أحسن عملا) الكهف ـ30

فللولي المخلص القائم على الوقف اجراً عادلاً ونصيباً كاملاً على اداء الوظيفة، وجرت العادة في منطقتنا في التصرف في حدود العشر كما للولي ان يطعم صديقاً او زميلاً ان شاء.

ويجوز بل لابد من تنمية الوقف من ريعه.

 البدل والبيع: 

يرى بعض الفقهاء حرمة بيع الوقف إلا إذا تحقق خرابه وتلفه بالكامل رغم صعوبة بيع ماهو تالف.

والسؤال لفقهائنا الكرام هو كيف يمكن بيع ماهو تالف ومتحقق الخراب ؟ فمن الاولى ان يتحقق عدم الشراء ايضاً !

وهناك من يرى حرمة البيع حتى حين خشية التلف الأكيد او القريب !! كل ذلك رغبة وتشجيعا على استمرار وادامة الخير واسبابه.

ولكن هناك من العلماء من اجاز البيع شريطة تحقق التعطيل ونفاذ الريع كما هو الحال الآن لكثير او اكثر بساتين واحة القطيف والاحساء التي لم تعد ذات ريع ومنفعة كما كانت سابقاً والحقيقة انه لايرجى منها ذلك في العقود القريبة.

وصل الحال ببعض المخلصين من النظار والولاة على الاوقاف المولين عليها الانفاق من اموالهم الخاصة بغية المحافظة على عين الوقف من التلف.

ويرى الفقهاء في حال جواز البيع ان لايكون البدل اقل ثمناً وقيمة من الاصل باي حال من الاحوال إلا لخشية تلفها التلف الكلي فيستبدل لما هو انفع للوقف، يحدد ذلك الحاكم او القاضي الشرعي.

وفي حال الجواز فإن بعضاً من الفقهاء يرون ان يكون البدل من جنس المبدل منه فالبستان ببستان والدار بالدار وهكذا.

 تجلي الكرم والايمان: 

تعكس كثرة الاوقاف في واحة القطيف والاحساء حالة التدين وحب الخير في هاتين المنطقتين في بلادنا فنرى مساحات شاسعة تقدر بملايين الامتار تحت عنوان الوقف على وجوه خير مختلفة لاتقتصر على المساجد والمآتم واعمال الخير العامة بل تصل جهة الوقفية لامور جزئية كان الناس في حاجة ماسة يومها لها كوقف لازالة الحجارة عن طريق المسنين والمكفوفين وآخر لوضع الاعلام الارشادية في الطريق البحري القديم بين القطيف وتاروت ووقف للسجناء وآخر للمسافرين كل ذلك يعكس حالة التضحية والكرم النبيل للواقفيـن من اهل الخير ونرى الإباء والكرم يتجلى في من يوقف ارضاً مساحتها اكثر من 8 مليون متر مربع هي ارض الرامس بسيحة العوامية التي اوقفها الوجيه الشيخ سلمان بن محمد الفرج رحمه الله لعموم منافع قريته سنة 1299 هـ.

وقدر السيد حسن العوامي وهو احد ذوي الخبرة والاستشارة في هذا الشأن حجم اوقاف سيحة القطيف بـ (60 % من مجموع النخيل على اقل تقدير فلا توجد سيحة الا واكثر بساتينها وقف).

 مشاكل وبعض الآراء: 

واضح أن هناك مشاكل كثيرة ومعقدة تحول دون الاستفادة الصحيحة والكاملة من اكثر الاوقاف في واحتي القطيف والاحساء لعل اهمها:

1- تعطيل غالبية الاوقاف وذلك لعدم وجود الجهة المتخصصة في الاستثمار والتخطيط السليم. فعجلة الحياة سريعة ولم تعد الامور اليوم كالامس والتعقيدات الاقتصادية والادارية تتطلب وجود جهاز مخلص ومتخصص وشجاع للاخذ بهذه الاوقاف والتي اغلبها اراضي زراعية آلت للتلف والخراب فبالامس كان البستان له ريع وافر ومستقبل زاهر ولايملك بستاناً الا الثري من الناس.

وينبغي التفكير الجاد والمبادرة الشجاعة لاستبدال كل ماهو تالف او في طريقه للتلف لما هو انفع واصلح ليتحول الوقف لعقار نافع او منشأة عامرة وان لم يكن فلابد من استخدام سياسة التأجير لفترات طويلة عشر او عشرين سنة مثلاً مع اشتراط التعمير والتشييد ثم يعود الوقف لاصله كل ذلك حسبما تمليه الحاجة المشروعة.

والحمد لله فان قضاة المنطقة لديهم المرونة والسماحة والقبول في هذا الشأن لحد مايدفع القائمين والولاة ويشجعهم على مبادرات كهذه.

وعلى سبيل المثال لاالحصر كم هو جميل مجمع اسواق الاوقاف الخيرية بمنطقة قصر

الحكم بالرياض الذي يضم 44 محلاً تجارياً ومكاتب استثمارية.

2- عدم وجود الاحصاء الدقيق والصحيح للاوقاف وجهة وقفيتها حتى لدى محكمتي الاوقاف مما يسبب التعب والاحراج للقضاة والمتاعب بسبب تلاعب بعض ضعاف النفوس المريضة واختلاسهم منافع الوقف او الوقف بعينه.

ادى ذلك الى تشدد وحزم فضيلة قاضي المحكمة فيما يتعلق بالتصرف او الولاية او الاستبدال.

حبذا لو تنشأ مجالس خيرية او نفعية اهلية مرتبطة بالمحكمة وبتوجيه من فضيلة القاضي في كل قرية ومدينة وناحية وعلى غرار صندوق الاوقاف الخيرية بمدينة الرياض لرصد الاوقاف اولاً ثم تحديدها ومعرفة حجمها وجهة وقفيتها والواقفين لها والمتولين عليها وتولية الاصلح للاوقاف التي لاولي لها.

بعد ذلك عمل الاحصاءات العلمية والبرمجة والاستفادة من الوسائل التقنية كالكمبيوتر وغيره.

ثم تطوير تلك الحالة لتقديم المشاريع والخطط الاستثمارية المجدية والمنظمة لمنفعة الوقف وتنميته كما ينبغي.

وينبغي الاستفادة من تجارب الآخرين خارج المنطقة فيما يتعلق بالاستثمار والتنمية او في مسائل الضبط والنظام والادارة والولايات يتبع ذلك كله تسجيل وتوثيق و اثبات الاوقاف شرعياً وادارياً واستخراج حجج الاستحكام ولابد من وجود جهة شرعية تحاسب وتسائل وبالوسائل العلمية والادارية الولاة والناظرين على الاوقاف وتولية الاكفاء والبصيرين بالادارة لاتوريث الولاية كما هو حاصل غالباً.

وتتطور هذه المجالس لوضع الفقهاء في صورة مايجري لهذه الاوقاف الشرعية من مخاطر التلف النهائي بسبب الطبيعة او التلاعب وعرض المقترحات والحلول عليهم واستأذانهم بالتصرف والتبديل لما يعود بالمنفعة الحقيقية للاوقاف ومطالبتهم حفظهم الله باعادة النظر في هذه المسألة التي كثر الحديث فيها. وذلك لحماية هذا النشاط الخيري والانساني من بواعث الانانية والنكران والانحراف عن المقاصد السامية والنبيلة.

وختاماً لابد من الاشارة الى ان هناك ايضاً اوقاف في منطقتنا في حالة جيدة وهي من حسن إلى أحسن بفضل ادارة الولاة واخلاصهم ورعاية اصحاب الفضيلة القضاة ولكن نسبة ذلك الكم من الاصل لاتذكر.