|
العدد 9 |
|
وثائق خلاف حول ملكية جزيرة (زخنونية) بين الإمبراطوريتين العثمانية والبريطانية |
(الزّخْنُونيّة) جزيرة تقع على بعد بضعة أميال الى الجنوب الشرقي من ميناء الأحساء التاريخي المعروف باسم (العقير). وهي جزيرة صغيرة غير مأهولة ولكنها كانت تتمتع ببعض المزايا الجغرافية، فجرى الخلاف حولها بين السلطات العثمانية في الأحساء والقطيف، وبين السلطات البريطانية التي تحتل البحرين. قال لوريمر عنها في معجمه (دليل الخليج، القسم الجغرافي ص 3727) أنها جزيرة تقع على بعد نحو عشرة أميال في الجنوب الشرقي لميناء العقير، وعلى بعد عشرين ميلاً في الجنوب الغربي للطرف الجنوبي لجزيرة البحرين، وعلى بعد 32 ميلاً في الشمال الغربي من نهاية دوحة سلوى. وأضاف بأنها موازية للساحل الذي يفصلها عنه قناة يبلغ عرضها قدمان، ويقدر طول الجزيرة بنحو أربعة أميال، وأكبر عرض لها يبلغ ميلاً ونصف الميل، وهي قاحلة وبدون ماء عذب، ولا يوجد عليها سكان دائمون، وقد أقام بها الدواسر لعدة سنين عند هجرتهم من نجد الى البحرين، ثم هجروها ـ حسب قوله ـ منذ ستة عقود، وأضاف بأن شيخهم، أي شيخ الدواسر مع بعض عتوب البحرين يزورون الزخنونية في بعض المناسبات كالصيد مثلاً في الشتاء، وقد بنى بها الشيخ علي بن خليفة من البحرين قلعة منذ حوالي أربعين عاماً او يزيد، وهي الآن عبارة عن أطلال.
هذا ما كتبه لوريمر عنها قبل نحو قرن من الزمان، وقد كانت معلوماته مستلة من اضبارات وزارة الهند وسجلاتها، خاصة وان خلافاً حول السيادة عليها قد نشب بين الإمبراطوريتين العثمانية والإنجليزية، ولم ينته ذلك الخلاف إلا بعد سيطرة الملك عبد العزيز على المنطقة الشرقية، فصارت السيادة له عليها، خاصة وان الجزيرة هي اقرب ما تكون الى البر الغربي للجزيرة العربية منها الى البحرين كما هو واضح.
انفجر الخلاف حول الجزيرة بين المتصرف العثماني على الأحساء، ومن خلفه رؤساؤه في اسطنبول مع الشيخ عيسى بن علي آل خليفة المدعوم من الإنجليز الذين يحكمون البحرين، حول أحقية ملكية الجزيرة (زخنونية). وقد كان الخلاف بطبيعة الحال، حلقة من صراع القوى والنفوذ في الخليج العربي، حيث كان البريطانيون يحاولون جهدهم تقليص مدى النفوذ العثماني على الساحل العربي، وهم قد حاولوا مراراً تقليص حدود القطيف والأحساء، وحصره في شريط ساحلي ضيق، ليستولوا هم على باقي الشريط بتوسيع حدود الكويت الجنوبية وحدود البحرين وقطر من جهة جنوب الأحساء.
وفي فترة من الفترات كان العثمانيون يحاولون تعزيز أسطولهم البحري في الخليج، إما بذريعة تزايد القرصنة البحرية، التي تطالب بريطانيا العثمانيين بالتصدي لها، وإما بحجة إخماد الفتن والقلاقل في الأحساء والقطيف إضافة الى مواقع عثمانية في اليمن. ولا بد أن جزيرة (زخنونية) كانت تحمل أهمية استراتيجية الى حد ما، خاصة وأن السفن الحربية العثمانية لم تكن قادرة على الوصول الى مراسيها في القطيف والأحساء مباشرة، بسبب سوء الموانىء وضحالة مياهها، لذا عمدت في الغالب الى التوقف في ميناء البحرين، ومن هناك كانت تنقل المؤن والعتاد والقوات عبر قوارب شراعية صغيرة الى العقير او القطيف.
والبحرين كجزيرة، واقعة تحت السيطرة البريطانية، وقد كانت بنظر العثمانيين في عهدهم الأخير (1871 ـ 1913) ومن قبلهم المصريين، الميناء الطبيعي لمنطقة الأحساء والقطيف، ويمكن للإنجليز بحكم واقع السيطرة ان يحرموا العثمانيين من الوصول الى مناطق نفوذهم بحراً.
شعر العثمانيون بأهمية البحرين، فرفضوا الاعتراف بسيادة الإنجليز عليها، ولكنهم لم يحاربوا من اجل السيطرة عليها، والإنجليز من جانبهم لم يثيروا العثمانيين أو يحاولوا عرقلة وصولهم الى مناطق نفوذهم، كي لا يدخلوا في مواجهة مباشرة. وفي نفس الوقت امتنع البريطانيون من الاستجابة لنداءات المعارضين والمتمردين على الحكم العثماني داخل الجزيرة العربية، بمنع السفن العثمانية من الرسو في البحرين، لأن أولئك المعارضين كانوا يعتقدون بأنهم قادرين على مواجهة القوات العثمانية براً، أما في البحر فلا قبل لهم به، وهم قد يستطيعون إنزال الهزيمة بالقوات العثمانية واستدراجها الى الصحراء، آما في البحر فليس هناك من أحد قادر على ايقافهم سوى البريطانيين، ولكن الأخيريين لم يفعلوا شيئاً يدفع باتجاه المواجهة مع العثمانيين. لكنهم ـ أي الإنجليز ـ كانوا حريصين على ابقاء السفن الحربية العثمانية تحت رحمتهم، وأن لا تحصل على بدائل، فكان الخلاف حول السيادة على جزيرة (زخنونية) عنواناً لهذا الصراع الإستراتيجي.
هناك رسالة باللغة العربية، كتبها حاكم البحرين الى المعتمد السياسي البريطاني فيها، الكابتن بريدو، يؤكد فيها أحقيته في السيادة على زخنونية، كي يقوم المعتمد بالدفاع عن ذلك الحق، يقول الشيخ عيسى في تلك الرسالة المؤرخة في 8 ربيع الأول عام 1327هـ، الموافق للثلاثين من مارس 1909 التالي:
|
بسم الله الرحمن الرحيم من عيسى بن علي آل خليفة، الى جناب عالي الجاه الأجل الأمجد الأفخم الأحشم، عمدة الأصحاب، سعادة الميجر أيف بي ابريدكس، باليوز بالبحرين المفخم، دام شريف وجوده. بعد مزيد التحية وتقديم الإحترام لذاتكم الحميدة، ثم نخبر سعادتكم أن بحر المسمى بالبينة غرباً خور فشت، فهو شاملاً لأملاكنا وبلدنا البحرين، وعندنا عليه اثبات، وكذلك الجزيرة المسماة الزخنونية التي تلي بر الغربي من جهة العقير، فهي في تبعية بلدنا البحرين، وان اناس من تبعيتنا ورعايانا يقطنون بها لاجل الصيد في البحر، والدليل على ذلك أن والدي تقريباً من مدة خمسين سنة بنى فيها قلعة وجعل فيها مركزاً، فالذي نتمله من سعادتكم أن لا أحداً من الغير يتعدى عليها بغير المناسب، وحررنا هذا لأجل البيان، هذا ما لزم بيانه ولازلتم سالمين. حرر في 8 ربيع الأول سنة 1327. |
أرسل بريدو ترجمة لرسالة الشيخ عيسى، الى رئيسه المقيم في بوشهر، وأبلغه في رسالة مؤرخة في 4 ابريل 1909، بأنه سمع بأن مدير ميناء العجير العثماني أجرى في الأسبوع الأخير من فبراير 1909، مراسلات مع رجال من قبيلة الدواسر الذين يزورون زخنونية من البحرين بين فترة وأخرى، من أجل ان يعلنوا تبعيتهم للسلطة العثمانية.
وقال بريدو أنه زار زخنونية في قارب المعتمدية البخاري في السابع عشر من مارس 1909، والتي قال أنها تبعد نحو عشرة أميال فقط من البر جنوب العقير، وقال ان مدير ميناء العقير سبقه الى هناك، برفقة ضابطين او ثلاثة وبرفقة العلم التركي، وكان المدير قد سأل الدواسر ان يقابلوه هناك، وسألهم إن كان بإمكانهم الإستقرار في جزيرة زخنونية مع رؤسائهم ليكونوا تحت السيادة العثمانية، فرفضوا خشية خسارتهم لمواقعهم في البحرين، وبعد ذلك توجه مدير ميناء العقير الى القلعة المدمرة غرب الجزيرة ورفع عليها العلم العثماني، ولم يسأل المدير الدواسر المتواجدين سوى ان يرفعوا العلم عند مشرق ومغرب الشمس كل يوم طالما هم في الجزيرة، وفي حال مغادرتهم لها عليهم إعادة العلم التركي اليه في العجير. وقد تظاهر الدواسر بالقبول، وغادروا الجزيرة (زخنونية) الى البحرين فور مغادرة المدير لها الى العقير.
أما عن زيارته لزخنونية، فقد كتب بريدو لرؤسائه قائلاً، انه وصلها يوم الثامن عشر من مارس، وانه لم يجد فيها سوى قارب صيد واحد للأسماك على الشاطىء، كما وجد هناك بحرينيين يقطنون بشكل مؤقت جنوبي الجزيرة في غرفتين او ثلاث مصنوعة من سعف وجريد النخل (برستي)، وقد كان الرجال مشغولين في صيد سمك القرش وسمك أبوسيف ( SWORDFISH )
أما القلعة المدمرة غرب الجزيرة، فقد وجدها بريدو غير مأهولة، كما وجد العلم التركي يرفرف في الموقع، اما الجزيرة فخالية من الشجر، والماء يجلب اليها بكميات محدودة. وحين عاد بريدو الى البحرين وأبلغ الشيخ عيسى بتفاصيل زيارته، رغب الشيخ عيسى بأن يوجه الى العثمانيين احتجاج مكتوب على احتلالهم لزخنونية، لأنها من وجهة نظره قلعة بحرينية بناها ابوه.
الكابتن ماكنزي، المعتمد السياسي الجديد في البحرين، كتب الى المقيم في بوشهر الميجور تريفور في 20 نوفمبر 1909م، انه بعد زيارة بريدو الى زخنونية ببضعة ايام، ارسل العثمانيون من العجير أربعة من الشرطة ليقيموا فيها، ويحافظوا عليها، وبعد ايام ابتنى منزلاً صغيراً لهم، وعادوا الى العجير مع صارية العلم.
وقال ماكنزي، انه في بداية نوفمبر أفاد خمسة عشر شخصاً من الدواسر وصلوا الى الجزيرة بأنهم وجدوها خالية من الجنود. ولكن في اشهر الصيف الحارة يقوم الاتراك بزيارة الجزيرة بين الفينة والأخرى، وكان الدواسر يفيدون بأن هناك بعض الجنود ما يلبث ان يرحلوا. وقد افاد الدواسر بان الأتراك عازمون على ارسال المزيد من الجنود من حامية العقير عما قريب لاصلاح القلعة المدمرة في زخنونية. ويعتقد ماكنزي ان النشاطات التركية ربما يكون سببها تغير متصرف الأحساء ووالي البصرة.
ومع ان ماكنزي حذر الدواسر من التجاوب مع المطالب التركية، فإنه في نفس الوقت راح يبحث عن بعض الحلول، فالشيخ عيسى بن علي آل خليفة، رأى ان يرفع علم البحرين على زخنونية حينما يكون الدواسر متواجدين فيها في فصل الشتاء، ولكنهم ينسحبون في فصل الصيف. ولكن المعتمد لم يشجع الأمير على ذلك ريثما يتوفر الوقت المناسب.
بناء على المعلومات المتوفرة لدى الخارجية البريطانية فإنها أبرقت لسفيرها في اسطنبول في الثلاثين من مايو 1909، تطلب منه توضيح حقيقة الوضع في زخنونية الى الباب العالي، والطلب منه بناء على ضرورة الإبتعاد عما يؤدي الى الاضطراب في الوضع الراهن، ان يسحب الحامية من زخنونية والتي وصلت اليها في الآونة الأخيرة. وقالت البرقية للسفير أنه لم يكن مرغوباً فيه منذ البداية رفع علامة استفهام حول محميتنا (البحرين)، وانه لم يقرر بعد رفع شيخ البحرين علم البحرين على الجزيرة في الوقت الحاضر.
تلقت الخارجية البريطانية عبر سفيرها في القسطنطينية جواباً من والي البصرة يقول أنه في بداية يونيو 1909، تم ارسال عدد من افراد الجندرمة الى زخنونية وقد تم سحبهم في مارس الى العجير. كان ذلك الجواب في اكتوبر، ولكن يبدو ان الانجليز لم يكونوا مقتنعين بموضوع سحب القوات، فطلبت الخارجية ملاحظة الوضع وان يرفع شيخ البحرين علمه عليها.
كانت وزارة الهند قد نصحت وزارة الخارجية بأن لا تقبل السيادة العثمانية على جزيرة زخنونية، في رسالة بعثها وزير الهند الى وزير الخارجية بتاريخ 26 مايو 1909، وأهم الاعتراضات التي قدمتها هي أن سيطرة العثمانيين على زخنونية سوف يقودهم الى التشكيك في السيادة البريطانية على البحرين وشاطىء قطر، وربما المطالبة بهما، ولذا اقترح الطريق الأسهل، وهي الحجة التي تقول بأن تحرك العثمانيين واحتلال زخنونية كما حدث، سوف يسبب الاضطراب في الخليج ويعكر السلام البحري. بالإضافة الى دفع امير البحرين ليرفع علمه قبال العلم التركي على نفس الجزيرة (زخنونية) حينما يتوفر الظرف المناسب.
ارسل الميجور تريفور المساعد الأول للمقيم السياسي في بوشهر الى حكومة الهند في 28 نوفمبر 1909، رسالة يقول فيها ان تأكيدات الأتراك فيما يتعلق بإخلاء جزيرة زخنونية صحيح، وليس هناك الآن أي قوات عثمانية، وقال ان الوقت حان ليرفع الشيخ عيسى علم البحرين على زخنونية في شهور الشتاء في حين لن يكون العلم مرفوعاً في الصيف لان الجزيرة ستكون غير مأهولة، ومن وجهة نظر ماكنزي، المعتمد في البحرين، فإن خللاً ما سيحدث حول وضع الجزيرة القانوني في فصل الصيف، وسيزيد من الشكوك العثمانية من خلال الأفعال وردها. ولذا رأى تريفور ان يرفرف العلم البحريني على الجزيرة طيلة ايام السنة، وطلب راي حكومة الهند حول الموضوع.
كان من رأي حكومة الهند، حسبما أرسلت الى مساعد المقيم في بوشهر في 25 يناير 1910، بأنها لا تسمح للشيخ عيسى بن علي بأن يرفع علم بلاده على جزيرة زخنونية، لأن رفع العلم البحريني يغير من وضعها القانوني، خاصة وان العلم لم يرفع منذ عهد والده الشيخ علي.
وفي 18 ديسمبر 1909، أبلغ الكابتن ماكنزي المعتمد السياسي في البحرين الميجور تريفور المساعد الأول للمقيم في بوشهر، بأن متصرف الأحساء وصل الى ميناء العقير، وأرسل الى الدواسر المقيمين في زخنونية للمساعدة في بناء القلعة، وقد اجاب الدواسر بأنهم سيعيدون بناءها، وأنهم اصحاب الحق في الجزيرة، وقد عاد الدواسر الى البحرين، واتفقوا مع عشرين عاملاً لاعادة بناء القلعة. ولم يشأ ماكنزي أن يتدخل في الأمر، لأن الدواسر حسب قوله هم بناة القلعة في عهد الشيخ علي آل خليفة والد الشيخ عيسى وعليه فليس هناك تغيير في الوضع القانوني للجزيرة، بمعنى أنها ستبقى تابعة للبحرين. وتوقع ماكنزي، المعتمد في البحرين، بأن العمال لن يقوموا الا بالقليل من العمل ويصرفوا القليل من المال على القلعة. ولأن محاولات المتصرف التدخل في زخنونية لا بد أن تكون جاءت بأوامر من والي البصرة، فقد اقترح ماكنزي من الممثل البريطاني هناك بأن يتصل بالوالي ويطلب منه ان لا يصدر اية اوامر بشأن الجزيرة موضع النزاع.
في فبراير 1910، علم المعتمد السياسي في البحرين، بأن بعض الدواسر المقيمين في زخنونية، يرفعون العلم العثماني في ايام الجمع، فأسرع كما يقول في رسالة مؤرخة في 24 مارس 1910، لزيارة الجزيرة التي وصلها مساء العاشر من مارس، فقابل عند الشاطىء ناصر بن جبر الدوسري، اما خميس بن جبر وعبد اللطيف بن يوسف فكانا غائبين عن الجزيرة في العجير. توجه ماكنزي الى نحو القلعة وبيوت السعف المقامة غرب الجزيرة، وقال ان القلعة مربعة الشكل طول ضلعها نحو 40 ياردة، وفي كل زاوية من زوايا القلعة الأربع يوجد برج صغير، الرئيسي من هذه الأبراج ذلك الذي يقع في الزاوية الشمالية الغربية، وفي هذه الجهة يرفع العلم التركي، والمقيمون يقطن اكثرهم داخل القلعة في بيوت الجريد، بينما يتواجد قليل منها في الخارج عند الأسوار الجنوبية.
وجد ماكنزي صارية العلم في الزاوية الشمالية الغربية من القلعة لم تنزع، وان علم الشيخ عيسى امير البحرين يرفرف على الصارية، اخبر ناصر بن جبر الدوسري، المعتمد ماكنزي، بأنه كرئيس في الجزيرة لم يعتد رفع أي علم لأي جهة، ولكن قبل وصول المعتمد بثمانية ايام حط نحو اربعين جندياً تركياً جاؤوا من العجير، على شواطىء الجزيرة، وفي صباح اليوم التالي قام أخوه برفع العلم العثماني، ثم رفع علم الشيخ عيسى ايضاً بعد رحيل الجنود، ولكن المعتمد لم يصدق الكثير من الكلام الذي قاله الدوسري، وكان يرى ان الدوسري رفع العلم التركي بمجرد نزول الجنود الى الشاطىء، وفعل نفس الشيء في مناسبات عديدة.
بعد ان غادر ماكنزي الجزيرة الى البحرين، توجه متصرف الأحساء الى ميناء العقير لمقابلة الكوماندور العثماني على القارب العسكري، واستدعى الدوسري اليه ليناقشه حول رفع علم الشيخ عيسى.
رسالتان أرسلهما التاجر والموظف في المعتمدية يوسف كانو الى المعتمد ماكنزي تشرحان الموقف.
الرسالة الأولى، تقول:
|
من البحرين في 9 ربيع الأول عام 1328 (21 مارس 1910) الى جناب قبطان مكنزي باليوز صاحب في البحرين أطال الله تعالى في عمره وثم بعد تقديم فايق سلامي، أعرض بخدمتكم بأن بالأمس الماضي أخبرني خميس بن شاهين الدوسري، بأن متصرف الأحساء قد بلغه خبر وصول جنابكم (أي مكنزي) الى الزخنونية، وكيفية وضع ناصر بن جبر الدوسري علم مال الشيخ عيسى بن علي آل خليفة على لقلعة لأجل السلام، عندما وصل ناصر بن جبر الدوسري الى عند المتصرف، تذاكر المتصرف مع ناصر المذكور كيف وضعه علم حكومة البحرين، وانني عنك متكدر، ثم ان ناصر اعتذر وقبل عذره المتصرف، وقال انا اروح الى الزخنونية معك، ثم ان المتصرف توجه بمعيته ناصر الى الزخنونية فتوافا مع خميس بن جبر وقال له انني اترك عندكم بالزخنونية نفرين من العسكر خارج عن القلعة ومتى وصلكم احد الرؤساء فلا تنشرون إلا علم الدولة العلية وثم ان المتصرف اعطى الى خميس وجماعته الساكنين في الزخنونية لا جل سفنهم اعلام عثمانية ثم رجع المتصرف من الزخنونية وبمعيته خميس حيثما رجعوا الى الأحساء ام العجير، فتكرم الباشا على خميس بالإعطاء له عدد (عدا؟) 5 كسوة وكم ريال، هذا ما بلغنا واقبلوا فايق سلامنا والله يحفظكم سيدي بالسلام. التوقيع يوسف كانو |
الرسالة الثانية موقعة ايضاً من يوسف بن احمد كانو، وهذا نصها:
|
من البحرين في 16 ربيع الأول سنة 1328 (28 مارس 1910) جناب الأجل الأمجد الأفخم المستر دي اكس لوبوهيد كلارك، بولتكل ايجنت في البحرين الأفخم. حرسه الله تعالى، بعد تقديم السلام، اعرف جنابكم بنسبة المذاكرة التي وقفت مع سعادة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة حاكم البحرين بعد البيان اليه في خصوص مقدمة خميس ابن جبر الدوسري الذي قبض من المتصرف بنديره في الزخنونية لسفنه وجماعته، جواب الشيخ المشار اليه بأنه لقد بلغه كما بلع سعادة الصاحب وان الشيخ عيسى مراده التحقيق اذا خميس ام احد من جماعته نشروا في البحرين ام بغير مكان على سفنهم تلك بنديرة (علم) الترك، فسوف يقبض على سفنهم ويجازيهم بسوء عملهم، أما في البحرين فأسف الشيخ عيسى اذ لم يكون لهم بها املاك وقال ان الترك ما لهم حق بان يعطونهم بنادير ومحسوبية وهم رعيتي اذا كل رعايا الترك وغيرهم الساكنين في البحرين يصيرون رعيتي، فهذي غير مستحسن من المتصرف أبدا، وحيث كان هؤلاء الدواسر رعيتي وفي اقتداري مجازاتهم، وانني اعلم بان رئيسهم عبد الله بن حسن غير راض من عملهم لكنه قد بلغني بان الترك سيبنون قلعة في الزخنونية، ويضعون فيها مدير وعسكر يكون ترفع الأمر لسعادة الباليوز صاحب بأنني غير راض من عمل الترك ولست بمجوّز لهم البناء في الزخنونية لانها من حقوق حكومتي وانني أطلب من سعادة الباليوز صاحب ان يخلص الأمر من الترك ويرفعون عسكرهم من الزخنونية هذا ما انتهى عليه الكلام، دمتم محروسين وسالمين بالسلام. محبكم يوسف بن احمد كانو |
أفادت المعتمدية في 23 ابريل 1910م، ان الدواسر عادوا الى البحرين وابلغوا المسؤولين بأن جنديين تركيين وصلا الى الجزيرة وان ستة آخرين سيلتحقون بهم ليمضوا اشهر الصيف في الجزيرة. وفي 17 يونيو 1910، ارسل ماكنزي الى المقيم في بوشهر الليفتنانت بيرسي كوكس يبلغه بان الجنود الأتراك عادوا الى العجير وان أربعة آخرين سيحلون محلهم خلال اسبوع او نحو ذلك، وان العلم التركي لازال يرفع في ايام الجمع.
في 29 يونيو 1910، ارسل المقيم كوكس الى خارجية حكومة الهند، قائلاً انه ينتظر رداً اقترحه في 25 يناير 1910، كما افاد بان الحراس الترك لازالوا في الجزيرة.
في هذه الفترة ارسل القنصل البريطاني في البصرة كراو الى السفير في القسطنطينية وذلك في 1 يوليو 1910، يبلغه بفحوى مراسلة استلمها من كوكس (المقيم) حول جزيرة زخنونية يقول كوكس فيها للقنصل، بانه لم تتح له فرصة مناقشة الموضوع مع والي البصرة نظيف بيه، واضاف بانه يستطيع التفاهم مع سعد بيه، متصرف الحسا الذي عمل لفترتين بالنيابة عن والي البصرة في حال غياب الأخير، وأشار الى أن الوالي يرغب في احتلال الجزيرة وانه اتخذ خطوات لاستبدال الحرس، وهذا (يلخبط) الترتيبات السابقة التي تمت مع الوالي السابق للبصرة الذي اتفق مع على سحب الجندرمة.
اما المعتمد ماكنزي، فقد كان شديد المراقبة لتفاصيل الوضع في زخنونية مهما بلغت ضآلة التطورات فيها، وقد أرسل لرئيسه المقيم كوكس في 23 يوليو 1910، يقول بان جنديين تركيين في زخنونية قد تركا موقعيهما وهربا في 18 يوليو 1910، وان اثنين آخرين هما آخر من تبقى قد استدعيا من قبل مدير ميناء العقير. وحسب ماكنزي، فان سحب الجنود هو مجرد عملية مؤقتة بسبب الجو الحار والشعور بالوحدة والماء السيء، وليس تغييراً في نية سعد بيه (المتصرف) في سياسته تجاه الجزيرة، فقد اعطى اوامر بانه يجب ان لا تكون الجزيرة خالية من الجنود، او انه استلم اوامر جديدة.
وكانت حكومة الهند تنتظر من وزارة الخارجية رداً يحدد المنحى السياسي في الإجراءات البريطانية تجاه الباب العالي، وحين تأخرت كتب نائب الملك في الهند الى وزير الخارجية في 25 يوليو 1910، بأنه علم من كوكس المقيم بان الأتراك اعادوا احتلالهم لجزيرة زخنونية وان العلم التركي يرفرف عليها كل جمعة. وأضاف (نحن واثقون بان حكومة صاحب الجلالة ستتخذ خطوات اكثر حزماً لدى الباب العالي).
رد وزير الخارجية في برقية على برقية نائب الملك على الهند، في 10 اغسطس 1910، بأنه طلب من سفير جلالة الملك البريطاني في القسطنطينية في الثامن من الشهر الحالي (اغسطس) ليطلب من الحكومة التركية أن تقوم بسحب الحراس، وبعث وزير الخارجية بمرفق لنائب الملك على الهند، يحوي توجيهاته للسفير في القسطنطينية.
كتب وزير الخارجية السير ي غري الى السفير السير ج لوثر رسالة مؤرخة في 8 اغسطس 1910، انه بناء على اقتراح حكومة الهند، عليك ان تذكر الحكومة التركية بالموضوع الذي طرق في العام الماضي موضحاً بان احتلال جزيرة زخنونية فيه تغيير للوضع القائم، وان تطلب من المسؤولين ان يأمروا بسحب فوري للحراس. وعليك ان توضح للسلطات التركية بان حكومة صاحب الجلالة لن تسمح لشيخ البحرين بان يرفع علمه على الجزيرة.
ابلغ السفير البريطاني في القسطنطينية المسؤولين العثمانيين بما طلب منه، فكانت النتائج حسبما توضحها برقيته المؤرخة في 18 اكتوبر 1910، الى القنصل في البصرة كراو، الذي ارسل نسخة من رسالة السفير الى المقيم في بوشهر (كوكس). يقول السفير: ابلغني وزير الداخلية بانه امر والي البصرة في تلغراف بان الجندرمة الذين توجهوا الى الجزيرة لموسم صيد السمك يجب ان لا يعودوا الى هناك إلا بامر خاص يرسل من القسطنطينية لهذا الغرض. وطلب السفير من القنصل التأكد من ان الوالي استلم الأوامر هذه، وان يتعرف الى أي حد هو (الوالي) ينوي وضعها موضع التنفيذ.
رد القنصل كراو في رسالة مؤرخة في 27 اكتوبر 1910، أرسلها الى السير ج لوثر السفير في القسطنطينية (ونسخة اخرى الى كوكس) قال فيها، بانه بناء على الأوامر التي وصلت اليه، بعث القنصل احد رجاله للقاء الوالي وسؤاله بشكل خاص وبصورة غير رسمية عما اذا كان قد استلم من وزير الداخلية التركي امراً يفيد بان الجندرمة الذين ارسلوا الى جزيرة زخنونية يجب الا يعودوا إلا بامر خاص من القسطنطينية، واذا كان كذلك فهل اوصل اوامره الى المتصرف في الأحساء؟.
قال الوالي بانه حتى الوقت الحاضر لم يستلم أي برقية حول الموضوع، ثم ان الجزيرة تركية وان القنصلية البريطانية لا حق لها التحقيق في هذا الشأن سواء كان بصورة رسمية او خاصة.
وقال لمبعوث القنصل بانه مندهش من تدخلات القنصل السياسية مع ما يفترض ان وظيفته مراقبة الوضع التجاري. وحين طلب موظف القنصل التوضيح، غيّر الموضوع وقال ان معظم صيادي الأسماك في الجزيرة هم اجانب على الجزيرة وبالتالي فإن سؤال القنصل عنهم مبرر!.
من خلال متابعة الردود العثمانية، لا شك ان السلطات البريطانية شعرت بان المسؤولين العثمانيين اعتادوا الإيجابية الظاهرية في التعاطي مع الشكاوى البريطانية، فيقولون كلاماً ويعطون مواقف، ولكنهم لا يأمرون بشيء الى الموظفين مما يعني ان معظم ما يقولونه لا ينفذونه، بل هو مجرد امتصاص للتشنج لا اكثر. وقد بقي الخلاف على زخنونية حتى رحيل السلطات العثمانية من الأحساء بعد سيطرة المغفور له الملك عبد العزيز عليها عام 1913.
في 29 اكتوبر 1910، ارسل المعتمد ماكنزي الى كوكس، رسالة اخبارية قال فيها، ان زخنونية الآن خالية من الجنود الأتراك، وان الخمسة جنود الذين كانوا متواجدين في زخنونية في اغسطس الماضي، قد تركوا مواقعهم بعد فترة قصيرة، وان اثنين منهم زارا البحرين وقالا انهما تركا الجزيرة خوفاً من البدو اضافة الى مسائل اخرى. وحتى الآن لم يعوض الخمسة بجنود آخرين بانتظار وصول الدواسر من البحرين الى الجزيرة ليقضوا الشتاء هناك خلال عشرة ايام تقريباً.
واضاف ماكنزي: اذا ما سألني الدواسر او الشيخ عيسى السماح لهم بزيارة الجزيرة فسأحذرهم من التورط في النشاطات التركية.
لم تحدث تطورات ذات قيمة في عام 1911، هذا ما يوحي به تقرير يوسف كانو الى المعتمدية، فقد ارسل التالي:
|
من البحرين في 16 ربيع الأول سنة 1329 (21 مارس 1911) حضرة الماجد الأفخم الجليل الميجر اس جي ناكس صاحب الافخم بعد تقديم فائق سلامي، قد بلغني بان في هذه السنة منذ ذهب عرب الدواسر الى زخنونية ما وصل عندهم قطعاً من عسكر الأتراك احد، وان العلم الذي ينشرونه العرب على القلعة علم الشيخ عيسى بن على آل خليفة حاكم البحرين. الشيخ عبد الله بن حسن الدوسري قد وصل الى الزخنونية واستقام قليل ثم سافر منها الى قرب العجير لأجل يحملون لهم من هناك ماء فأرسلوا للمدير يطلبون الأجازة منه فأجاز لهم وحملوا الماء، ثم ان المدير وصل الى جالبوت الشيخ عبد الله بن حسن الدوسري وشرب القهوة عنده وتناول طعام العشاء، ونزل من الجالبوت ولم يجر بينهم مباحثة في السياسة، هذا ما لزم ودمتم محروسين بالسلام. محبكم يوسف بن احمد كانو. |
ومرة اخرى أكد كوكس ضآلة النشاط التركي في الجزيرة، وذلك لأن الأمبراطورية في آخر ايامها، وقد سحبت معظم جنودها من الأحساء اثناء وبعد هزيمتها امام الطليان في ليبيا وتمردات البلقان. كتب كوكس الى حكومة الهند في 30 ابريل 1911، انه بناء على معلومات البحرين وتاكيد الشيخ عيسى وشيخ الدواسر عبد الله بن حسن، خلال زيارتي الأخيرة للبحرين، لم يزر زخنونية أي جنود اتراك خلال الشتاء الماضي.
* كل الوثائق المنشورة، عربية الأصل او انجليزية، تجدها في ملف وزارة شؤون الهند، رقم I.O.R/15/2/25