مجلة الواحة

العدد 9

 

تفاصيل أخرى عن الحملة العسكرية التركية على نجد

 

الأخبار والتفاصيل التي كانت تصلنا من فترة لأخرى حول إنجازات الحملة التركية، وحول الأحداث الجارية في وسط الجزيرة العربية، هي أخبار متناقضة متضاربة وغير موثقة إلى حد يجعل من المستحيل إعطاء صورة واضحة ومترابطة متسقة لما حدث هناك. في رسالة مؤرخة في الثاني والعشرين من شهر نوفمبر كتب الكولونيل بكي طالباً ألا تقبل المعلومات التي قدمها حول الأحداث التي وقعت منذ ثلاثة أشهر قبل الرسالة وحتى لحظة كتابتها إلا بحذر شديد.

تتضمن رسالة الكولونيل هربرت المؤرخة في 21 يونيو عرضاً لتفاصيل عمليات الحملة العسكرية بعد إنزالها إلى ابر في شبه الجزيرة العربية. يقول الكولونيل هربرت:

"  تقول المصادر التركية واصفة تحركات قوة الحملة إنها وصلت رأس تنورة يوم 13 مايس الموافق لـ 25 مايو، وتم إنزالها إلى اليابسة صبيحة اليوم التالي حيث زحفت باتجاه القطيف.

"  وتضيف هذه المصادر أن السكان قاطني المناطق التي مرت القوة عبرها أظهروا في بادىء الأمر استعداداً للقتال ضدها، ولكن ما أن تم إيضاح أهداف الحملة لهم حتى ارتاحوا وأطمأنوا وأعربوا عن رضاهم وامتنانهم لاحتمال إنقاذهم وخلاصهم نتيجة وجود القوات التركية، من الاضطهاد الذي يتعرضون له ويقاسون منه الأمرين. " وتقول المصادر أيضاً إنه ما أن اقتربت القوات من القطيف حتى أرسل محمد سعيد أفندي ابن نقيب البصرة الذي كان يرافق القوات التركية إلى عبدالعزيز للتفاوض معه استجابة للطلب المتكرر الذي بعث به عبدالعزيز الذي كان قائداً عسكرياً للقلعة معيناً من قبل سعود.

"  وأن عبدالعزيز أعرب له (لابن نقيب البصره) عن أسفه لاضطراره لمقاومة القوات الامبراطورية (السلطانية)، ولكنه برر ذلك بالأفضال والمواقف المؤيدة التي كان سعود قد أسبغها عليه وبالثقة التي وضعها به، قائلاً إن هذا هو مبرر مقاومته (للأتراك ت ك) ثم أعلن عن عزمه وتصميمه على عدم تسليم القلعة إلاّ إذا أجبر على ذلك من قبل قوة غالبة. " وقالت المصادر التركية إنه (عبد العزيز ؟ ت ك) هدم المساجد والأبنية الأخرى حول القلعة لكي يستطيع الدفاع عنا، وأنه فتح النار على القوات التي احاطت بالقلعة من ثلاث جهات، في حين السفينة الحربية التركية آشور (ASSUR) استسلم بعد مقاومة ضعيفة، وقد وجد الجنود فيه ثلاثة مدافع وكذلك أسلحة أخرى وذخائر ومؤناً، وضعت جميعها تحت حراسة ضابط وحرس.

"  وأن عبدالعزيز، ابن سعود، الذي كان في الدمام، فرّ هارباً لدى اقتراب القوات منها، فقام بتسليمه (للأتراك) ابن الطحنونه (IBN - EL - TEHNOONE?) أما محمد بن فيصل الذي كان معتقلاً هناك فقد أطلق سراحه.

"  وأن الأتراك وجدوا الدمام قوية التحصين حيث بنيت فيها ثلاثة خطوط دفاعية، وكانت تحتوي على احد عشر مدفعاً، تسعة منها من الحديد وإثنان من النحاس، إضافة إلى كمية كبيرة من الذخائر والمؤن والعتاد، وقد استولت القوات التركية عليها كلها، واتخذت الإجراءات المناسبة للحفاظ عليها سليمة. وضعت سريتان من المشاة في القلعة لحارستها، ثم عادت القوات إلى القطيف يرافقها محمد بن فيصل، واصطحبت معها ابن الطحنونة والآخرين الذين أسروا عند سقوط القلعة.

"  يقال الآن إن القوات التركية ستزحف على الحسا، ويسرني أن أبلغكم أن سعادة مدحت باشا أخبرني أنه ليس في نية (تركيا) الآن القيام بأية محاولة للتقدم إلى ماوراء تلك البلدة. "

هذا الوصف للوقائع المثبت أعلاه يتوافق إلى حد كبير مع ما نشرته صحيفة (الجندي العسكرجي) والذي بعث السير هـ. إليوت بترجمة يقول إن القطيف سقطت واستلسلمت يوم الثالث من يونيو وأنه تم الاستيلاء علىالدمام في الخامس منه. في برقيات مؤرخة في 25 و 26 و27 يونيو أبلغ الكولونيل بيلي إلينا أن الأتراك كانوا ما يزالون في القطيف، يستعدون للزحف علىالحسا أو لحْسا، وهي منطقة خصبة بعيدة نسبياً عن البحر، والهفوف هي قلعتها الرئيسية والبلدة الكبرى فيها. القوة العربية البحرية المساندة للحملة، وقوامها حوالي 300 مركب (قدمها شيخ الكويت) عادت إلى مواطنها. يقدر الكولونيل بيلي عدد القوات التركية بـ 3000 رجل والقوة العربية المساندة بـ 1500 عربي وتسعة مدافع. في هذه الأثناء وقع اشتباك، كما يبدو، بين عبدالله وسعود، حيث ارسل هذا الأخير (سعود) قوة إلى الداخل انطلقت من الأحساء التي احتلها واستولى عليها من أخيه. وقد هُزم عبدالله (وقيل) إن سعود يستعد لمطاردته شخصياً.

في رسالته المؤرخة في 15 يونيو أفاد الكولونيل بيلي عن استلامه رسالتين مؤرختين في 15 مايو و 8 يونيو، من سعود، يطلب فيهما السماح له بالقيام بعمليات عسكرية من البحر:

"  يقول الكولونيل بيلي إن الطلب قد صيغ صياغة غامضة، ولكن تأكد لدي أن الهدف الحقيقي كان الحصول مني على إذن عام، أو على وعد على الأقل، بأننا لن نتدخل، حيث يتم على إثر ذلك تعميم رسالتي على شيوخ أبو ظبي وزعماء (شيوخ) القبائل المتصالحة الآخرين باعتبارها موافقة (من بريطانيا) على السماح لهم بالانطلاق إلى البحر دعماً للوهابيين، تماماً كما فعلت قبائل الكويت دعماً للأتراك. "

وقد رفض الكولونيل بيلي الرد على هذه الاستفسارات في حينها.

لدى وصوله إلى القطيف أصدر القائد العسكري التركي بياناً جاء فيه مايلي:

"  إلى جميع سكان الحسا والقطيف ومقاطعة نجد " ويبلغهم فيه أن نجد وملحقاتها تشكل جزءاً من الممتلكات التركية، كما هي حال العراق واليمن ومصر وغيرها. ثم يقول البيان إن سعود أطاح بسلطة عبدالله، القائمقام الذي عينه السلطان تابعاً لحكومة بغداد، مما استدعى إرسال قوة (تركية ت ك) لمساعدة عبدالله وإخضاع القوم لحكمه. وعد سعود بالعفو عنه إذا هو حضر شخصياً واعتذر عن تصرفاته: وإلاّ فإنه وجميع القبائل التي ساندته سيدمرون عن بكرة أبيهم. أما القبائل التي بقيت في الأحساء والقطيف فقد وعدت بالتأييد والحماية. كان مدحت باشا يتوقع انضمام عبدالله إلى قوات الحملة في القطيف إلاّ أن هذا الأخير إما لم تكن لديه الرغبة أو لم يكن قادراً على ذلك 0 هامش: وقد تبين فيما بعد أن انعدام الأمن على الطرقات هو الذي منع عبدالله من الالتحاق بالاتراك). أخبر الباشا الكولونيل هربرت أنه يأمل في تحقيق الهدف المنشود عن طريق التفاوض ودون استخدام القوة، ولهذا أرسل مع الحملة منصور بيه، شيخ قبيلة المنتفق سابقاً، إضافة إلى عدد من العرب من ذوي النفوذ للقيام بدور المحاورين (لسعود).

في أوائل شهر يوليو زحفت القوات التركية من القطيف ووصلت الأحساء. يقول تقرير كتبه أحد منشئي (كتبة) الكولونيل بيلي، إن فاروق باشا، القائد العسكري التركي، اسغرقت مسيرته إلى الأحساء خمسة عشر يوماً، وذلك بسبب الحرارة الشديدة ووقوع رجاله فريسة المرض. لم يلق زحف الأتراك مقاومة، وقد استسلمت القلاع جميعها دون مقاومة من أي نوع. أما سعود، الذي قالت التقارير إنه في الرياض على رأس قوة كبيرة، فقد بدا راغباً أشد الرغبة في تجنب الاصطدام مع القوات العثمانية، وكانت جل رغبته أن يبعدهم (يجرهم بعيداً) عن قاعدة العمليات هذه الواقعة على الساحل. (أنظر: سري / ديسمبر 1871، الأرقام 1 - 153: رقم 24). وقد كتب الكولونيل هربر يوم 19 يوليو يقول: " ما أن يثبت الأتراك مواقعهم في الحسا حتى يقعوا جميعاً تحت رحمة سعود إن هو كان قوياً بالقدر الذي يتحدثون عنه، لأنه سيكون قادراً على تطويقهم وقطع خطوط مواصلاتهم مع الساحل.

"  يقول تقرير وصلني ويبدو موثوقاً إن الحملة خسرت حوالي أربعمائة رجل في القطيف بسبب انتشار الكوليرا وقلة الطعام.

"  فالمؤن تكاد تكون معدومة، وما وصل منها تلفت أثناء النقل. ويقال إن الجند يعيشون على الأرز والماء، ويبدو أنهم كانوا في وضع يثير الشفقة حين بدأوا مسيرتهم من القطيف.

"  كما سرت شائعة مفادها أن سعود هزم عبدالله هزيمة ساحقة، وأنه عرض أن يدفع الجزية لتركيا، معرباً عن تصميمه، في نفس الوقت على مقاومة غزو (الأتراك) واحتلالهم لبلاده.

"  يبدو أن هذه الأخبار صادقة عموماً. "

في الأول من أغسطس كتب الكولونيل هربرت يقول:

"  يقال إن القوة (التركية الزاحفة) تلاشى عدد أفرادها إلى حد كبير نتيجة الوفيات والأمراض التي انتشرت فيها، ونتيجة قلة الأطعمة، وروحها المعنوية منخفضة جداً.

"  والشيخ فالح، ابن ناصر باشا شيخ المنتفق، وصل برفقة مجموعة الفرسان العرب التي كانت رافقت الحملة إلى الحسا، وصل إلى الكويت في طريق عودته يوم السادس والعشرين من الشهر الحالي.

"  كما بلغنا أنه، ومنذ التحاقه بالحملة، لم يتلق سوى مؤونة سبعة أيام فقط لرجاله ودوا به، وحين طلب المساعدة من القائد العسكري نافذ باشا، رد عليه هذا الأخير بأنه غير قادر على سماعدته ونصح إليه العودة مع رجاله، فعاد من حيث أتى ولكن بدون أي مؤونة، وأنه فقد العديد من الخيول في طريق عودته إلى لكويت بسبب قلة الطعام والماء.

"  أما منصور بيه، شيخ المنتفق السابق، وسليمان زهير شيخ زبير السابق، والسيد محمد سعيد، شقيق السيد عبد الرحمن نقيب البصرة، فيقال إنهم في طرق العودة إلى موطنهم، وبالتالي فإن نافذ باشا ورجاله المتناقضين عدداً، يبقى في الحسا دون دعم أو مساندة.

"  بلغنا أن سعود ما يزال مسيطراً على الرياض ونجد أما الحقيقة مكان وجود عبدالله فغير معروف تماماً، ولكن يقال إنه ليس بعيداً عن العاصمة، وربما كان في خرج إلى الجنوب. ويقال أيضاً إن سكان البلاد يحاولون جاهدين تحقيق مصالحة بين الأخوين بهدف توحيد جهودهما لطرد القوات العثمانية والتخلص منها.

"  يخشى أن يكون موقف هذه القوات (العثمانية) حرجاً للغاية. "

وكتب كاتب الكونيل بيلي في شهر يوليو يقول إن عبدالله على مسافة مسيرة يومين من الرياض، ثم يضيف:

"  سعود لا يملك أي أموال، وهناك نفقات وتكاليف يتوجب عليه دفعها. عبدالله بن فيصل موجود الآن في مكان يدعى عكرمة الذي يبعد مسيرة يومين عن الرياض، ومعه أتباع من بلاد نجد، وهو أيضاً بحاجة إلى نقود. كان يسعى جاهداً لمصالحة أخيه سعود ومصادقته، ولكن حين وصلته رسائل من (بعض مناطق) البحرين تبلغه بأن الجيش التركي عازم على تنصيبه إماماً، وتراجع عن مسعاه، وهو ينتظر الآن ليرى على من ستدور الدوائر، ولم يشيع الوصول إلى الأتراك بسبب انعدام الأمن على الطرقات. ويضيف منشىء الكولونيل بيلي قائلاً: فاروق باشا موجود الآن في الحسا، ولا يستطيع التقدم أو التحرك بسبب المرض والحرارة الشديدة والرياح اللاهبة التي عصفت بقواته).

"  ويقال أيضاً إنه إذا اتحد أهل نجد وتضامنوا فلن يستطيع أحد إخضاعهم. لكهنهم الآن منقسمون، بعضهم يتبع سعود وبعضهم أنضم إلى عبدالله، وهذا ماسيساعد أعداءهم حتماً على إخضاعهم.

"  أهل نجد لا يحبون أولاد فيصل في أعماقهم، وما ذلك إلا بسبب الاضطهاد والاستبداد والضرائب الباهظة (التي كان أولاد فيصل يفرضونها عليهم) والهذا فإن الخراب والدمار قد حل الآن بهم ؟.

"  يقدر عدد رجال ابراهيم بيه الموجودين في القطيف بـ 800 تركي، وقد أمر بتنظيف الشوارع ورشها بالماء. كما أمر بإقامة أسواق البازار خارج أسوار القلعة. كما أحضرت حوالي سبعين عاهرة (بغيّ) من بغداد الى القطيف على ظهر السفينة سنايب وثمانون بائع خمور، حيث ازدهرت تجارتهم ونمت. " يقول الناس هناك إن النجديين إذا تأكدت لهم هذه الأخبار سيتحدون ويضمون الصفوف ليحاربوا الأتراك، لأن الوهابيين لا يرضون عن مثل هذه الأعمال.

"  بعض تجار القطيف نقلوا أخبار هذه التصرفات والتحركات إلى أهل نجد، ولهذا فسيعرف هؤلاء أن الأتراك أتباع دين مختلف وعقيدة أخرى. هم الآن على يقين من أن نية الأتراك هي تنصيب عبدالله بن فيصل إماماً عليهم، وأن دينهم هو الذي سيسود، كما في الماضي.

نجد هذا الوصف للأوضاع في مطلع شهر أغسطس في رسالة مؤرخة في 14 أغسطس، يقول الكولونيل بيلي فيها:

أولاً: " القوات التركية تحتل المنطقة الخصبة وموانىء الحسا، والسؤال الذي يجري الجدل حوله بين قالئد القوات والسلطات التركية هو ما إذا كان من الأفضل أن تبقى قوات الحملة في الحسا الآن، أم أن عليها، بعد أن حولت الحسا إلى قاعدة متوسطة (وسط بين القطيف ونجد) ، تزحف إلى داخل نجد.

ثانياً: " يبدو أن قائد القوات يميل إلى التوقف حيث هو في جميع الأحوال إلى أن يتحسن الطقس ويميل إلى البرودة وتهطل الأمطار. أما السلطات التركية فيبدو أنها تحثه على الزحف قدماً، وتخطط لغزو نجد بتحريك مشترك للقوات التي تحتل الآن أجزاء من الساحل العربي للخليج الفارسي والبحر الأحمر. إذا كتب لهذه العملية المشتركة المزعومة التنفيذ والنجاح، فقد يكون لها نتائج هامة، ويبدو أنه توحي بنية أكيدة لدى الأترك على تحقيق احتلال دائم لشبة جزيرة العرب باعتبارها مقاطعة تركية.

ثالثاً " يظهر أن الحملة التركية تنوي تعزيز قاعدتها البحرية عن طريق بناء قلاع وحصون في عجير وقرب القطيف، وفي حين تتم حماية وتأمين خط الملواصلات بين هذه الموانىء وبين الحسا بواسطة مواقع محصنة تقام في كل محطة من محطات القوافل.

رابعاً: " يظهر أن ترتيبات قد أعدت لاحتلال قطر. ولكن هذه المنطقة ماتزال في حالة حيرة، فالأترك يضغطون عليها، والبدو يسببون لها المضايقة والإزعاج، وإذا يبدو أن هؤلاء البدو، وبإيحاء وتحريض من سعود بن فيصل، يغيرون أن يعتدون على الجناح الجنوبي لخط المواصلات التركي بأكمله.

خامساً: " موقف كل من الأخوين المتصارعين عبدالله وسعود بن فيصل، وقوة كل منهما غير معروفة تماماً. فلا يبدو أن أياً منهما ذو قوة عظيمة ، في حين يظهر أن قبائل وسكان العاصمة، الرياض ينتظرون سجن أو موت أحد الطامحين إلى الإمارة. "

في الثامن والعشرين من شهر أغسطس أبلغ الكولونيل بيلي عن معركتين وقعتا بين عبدالله وسعود. قيل إن عبدالله قتل بينما جرح سعود.

وقد ظهرت علائم القلق والفزع على القائد العسكري التركي الذي طلب التعزيزات خوفاً على خطوط مواصلاته مع الساحل، فاندفع ما بين مائتين وثلاثمائة رجل إلى الحسا قادمين من القطيف وعجير. ويقدر الكولونيل بيلي حجم القوة التركية بما يلي:

في قلعة القطيف  500  رجل ربما 150 منهم مرضى

في العجير  150  رجل

تعزيزات في طريقها إلى الحسا  225 رجل

مقرات قيادة في اقلاع الحسا وما حولها  2500 رجل منهم 1000 مرضى

مجموع القوات  3400

القوة الفعلية  2500

يعتقد (الكولونيل بيلي) أن هذا ربما كان مبالغاً فيه. كانت المجموعة العربية تقدر بحوالي 2000 رجل. وقطر يعيث البدو فيه الخراب، ويسطون على كل ما يجدونه بين العجير والحسا. كان شيخ البحرين أمر البدو الموجودين على الجزيرة بمغادرتها، وقد عبر معظمهم البحر إلى قطر. اما فاروق باشا فقد كان منهمكاً بتجنيد مجندين جدد في الحسا، وقد استطاع تجنيد حوالي 900 رجل يدفع 9 دولارات شهرياً للواحد منهم. قيل إن فاروق باشا استدعى سعود للحضور إلى الحسا ولكن هذا الأخير رفض أن يأمن على نفسه هناك.

في شهر سبتمبر  أبلغ الكولونيل بيلي عن خبر مفاده أن عبدالله لم يقتل، بل وصل إلى معسكرات الأتراك في الحسا.من المؤكد أنه وصل المعسكر التركي أخيراً، ولكن من غير المعروف يقيناً كيف ومتى وصل إلى هناك كان خبر موته المفاجىء، ليس أثناء  القتال هذه المرة، شائعاً في قطر في نهاية شهر سبتمبر. أما سعود فكان مصمماً على الاستمرار في القتال وكان يستعد للزحف على الحسا من الرياض. وقد تلقى الأتراك تعزيزات جديدة في القطيف.

يبدو أنه لم تحدث أية تحركات خلال شهر أكتوبر، ولكن الكولونيل بيلي كتب يوم 22 نوفمبر يقول:

بقدر ما أعلم(راجياً دائماً تقبل المعلومات المبنية على تقارير أفاد بها أهل البلاد بعين الحرص والتحفظ البالغين)، فإن الأوضاع هي، إلى حد ما، كما يلي:

"  أولاً: يظهر أن سعود، بعد أن اقترب من الحسا، قام بشن هجوم مباغت، وبعد تحقيق نجاح جزئي هزمته القوات التركية الموجودة في الحسا.

"  ثانياً: ثم تراجع سعود متقهقراً نحو قطر، يتبعه عدد كبير من البدو الذين أوحوا إلى محمد بن ثاني وشيوخ قطر الآخرين بأن عليهم الأختيار بين تزويد البدو بما يحتاجونه وبين دمار ونهب بلدانهم وبلادهم. ما أن علمت بهذه الأخبار حتى أرسلت التحذير المعتاد إلى رعايانا الهنود الموجودين في قطر.

"  ويبدو أيضاً أن سعود ارسل وفودا إلى شيخ البحرين بهدف السماح له بأن يلجأ إلى هناك إذا دعت الضرورة. تباحث شيخ البحرين معي بخصوص هذه الموضوع، وكانت نصيحتي له أن على سعود أن يمتنع عن الاقتراب من الجزيرة للحيلولة دون وقوع خرق فاضح لحياد البحرين. أرفق طيه نسخاً من رسالة الشيخ ومن ردي عليها.

"  رابعاً: يظهر أن باشا بغداد غادر النهر (؟) يوم التاسع أو العاشر من الشهر الحالي،وتوجه إلى الكويت حيث أمضى يوماً واحداً هناك واصل بعده الابحار ترافقه ثلاثة سفن وعدد كبير من الجنود، متوجهاً إلى القطيف، فوصلها يوم 13 أو 14 من هذا الشهر. وهو الآن في القطيف مع جنده المعسكرين في السهل الذي، وكما هي الحال في البحرين، يضربه وباء قضت على أعداد كبيرة من الجنود الأتراك بعد أن توقفت معاناتهم من مرض الكوليرا.

"  خامساً: يقال إن نية الباشا المبيتة هي الزحف فوراً على الداخل باتجاه الحسا، ولكن ما هو غير معروف هو ما إذا كان هدفه تعزيز مواقع الحكومة في هذه المرحلة أو دفع الحملة باتجاه الرياض. إلاّ أن الشائعات تزعم أن السلطات التركية أصدرت وثيقة (بياناً) يقول إن نية الحكومة التركية هي استعادة (تسلم) السلطة المباشرة في القطيف والحسا واستبعاد السلالة الوهابية (العائلة الحاكمة). أرى أنهلا يجوز أن يغيب عن البال أن الحملة العسكرية التركية لم تدخل بعد مناطق نجد المعروفة تحديداً بهذا الاسم. "

في اليوم ذاته كتب الكولونيل بيلي يقول إن رسولاً أرسل إلى القطيف لمراقبة الأوضاع هناك أكد، حسب رسالة الكولونيل بيلي، مايلي:

أولاً " أن باشا بغداد غادر الليلة الماضية القطيف متوجهاً إلى العجير عغن طريق البحر، مصطحباً معه حامية تعدادها حوالي 300 رجل، وأن في نية الباشا التوجه إلى الحسا من عجير. وقد أكد هذا الخبر ظهور سفينة الباشا متجهة إلى العجير صباح هذا اليوم.

ثانياً " وأن القائد التركي البحري تلقى أمراً من الباشا بأن يبغي على أحد مراكبه جاهزاً في مياه القطيف، وأن يرسل مركباً آخر ليعود إلى البصرة لإحضار المؤن والعتاد، وأن يتوجه هو شخصياً في مركب ثالث إلى البحرين لمقابلتي ولأمور أخرى.

ثالثاً " وأن أخبار هروب سمو (الأمير) عبدالله مع ابنه تركي من الحسا باتجاه الرياض غير موثوقة. ويظهر أيضاً أن شقيق سموه، محمد، قد غادر الحسا قبل بضعة أيام، وأن عبدالله ترك رسالة لتسلم إلى قائد العسكري التركي يقول فيها إن القوّة التركية التي ادعت تركيا كذباً أنها جهزتها وأرسلتها لإعادته (أي عبدالله) إلى السلطة، إنما تستخدم لاستئصاله هو وعائلته، وأنه لم يعد، بناءً على ذلك، يثق بالدعم التركي او الوعود التركية.

" وفي الثالث والعشرين من نوفمبر كتب الكولونيل بيلي يقول:

"  أمس مساء رست سفينة قائد القوة البحرية التركية وبرفقتها ناقلة ومركب مجهز بمدفع في ميناء البحرين. وقد رفع العلم التركي فوق رجاله وأطلق إحدى وعشرين طلقة مدفعية تحية. وحين سأله، رد قائلاً إنه يحيي القلاع على الشاطىء، وأنه، بما أنه لم يكن يحمل أي اعلام عربية فوق سفينة فقد رفع العلم التركي. وأضاف قائلاً إنه فعل الشيء ذاته في مسقط.

"  وفي هذا اليوم تبادلت الزيارات مع قائد البحرية التركي، ولم يكن متكتما أبداً بخصوص الحملة على نجد. قال إن باشا بغداد قد توجه إلى الحسا بهدف الاستفسار والتحقيق في بعض الشكاوى حول فساد مزعوم، وتثبيت مواقع الحكومة في الحسا، ووضع الترتيبات لزحف الحملة العسكرية علىعاصمة الوهابيين. قال إن من غير المحتمل أن يرافق الباشا نفسه الحملة إلى الرياض، ولكن من المؤكد تقريباً أن يقود فاروق باشا، القائد الأعلىللحملة، القوات إلى الرياض خلال فصل الشتاء الحالي، يقدر قائد البحرية جنود قوات الحسا بـ 9 آلاف إلى - 10 آلاف رجل، جنود غير النظاميين. وقال إن الهزيمة التي ألحقت مؤخراً حاسمة، وأن عبدالله وشقيقه قد هربا، وأن الحكومة الى الآن شخصية من مرتبة رفيعة من القسطنطينية ليكون ما على بلاد الوهابيين. وقد اعترف بأن الحملة كانت باهظة التكاليف، وأل السيطرة الدائمة على البلاد ربما لن تكون ممكنة أو مجدية، لكنه رأى أن الهدف الرئيسي للباب العالي هو التخلص من الازعاجات الوهابية ومضايقاتهم للحجاج العابرين لشبه جزيرة العرب من مكة وإليها، وأضاف أن تحقيق ذلك هو أمر يهم السلطان شخصاً بصفته رأس الدين الإسلامي (أمير المؤمنين).

"  أدعى قائد البحرية التركية (زعم) أن الطريق بين الخط الساحلي والحسا آمن الآن، وان سعادة البريد يجتازونه فرادى. وأضاف أنه في نيةالباشا بناء بلدة جديدة قرب القطيف. وقال إنه رافق الباشا شخصياً في رحلة استكشافية لاختيار الموقع المناسب، وأن الباشا اختار موقعاً يبعد حوالي أربعة أميال إلى الجنوب من قلعة القطيف الحالية، حيث المياه العذبة وفيره، والمنطقة المحيطة به واسعة ذات فضاء مفتوح. "

في إشارة إلى الكويت أبلغ قائد البحرية إلى الكولونيل بيلي أن شيخها قد تم تنصيبه أصولاً خلال زيارة الباشا الأخيرة، وأن الكويت أصبحت تحت الحماية التركية رسمياً.

في رسالة مؤرخة في الرابع من ديسمبر كتب الكولونيل بيلي يقول: " وصل مدحت باشا إلى الحسا قبل ثمانية أيام، ويقال إنه اعرب عن استيائه وعدم رضاه عن القائد العسكري للقوات التركية بسبب فرار عبدالله بن فيصل.

"  في هذه الأثناء تتفق جميع التقارير الإخبارية علىالزعم بأن عبدالله قد وصل إلى عاصمته الرياض، ومن هناك يقال إنه أرسل خطاباً إلى السلطات التركية يشكو فيه من أنهم، وفي حين دخلوا بلاده بموافقته ومن أجل الهدف المشترك - هدف إعادته إلى السلطة، فإنهم وضعوه تحت الإقامة الجبرية عملياً، وكانوا يعتزمون استئصال سلالته (عائلته الحاكمة) واستبدالها بحكم تركي مباشر، وأنه قد هرب الآن، ولكنه ما يزال علىاستعداد لدفع الجزيرة وترتيب الأمور شريطة يعترف الباب العالي به إماماً على بلاد الوهابيين، ولكن إن لم يحصل الاستيلاء عليها، وليس من السهل الاحتفاظ بها والسيطرة عليها. "

أصدر مدحت باشا بلاغاً قال فيه إن سعود لم يعد بيده أية سلطة، وأن نافذ باشا قد عين متصرفاً على نجد.

في رسالة مؤرخة في 3 يناير 1872 أبلغ الكولونيل هربرت عن عودة مدحت باشا إلى بغداد يوم 28 ديسمبر. وقد أعاد الباشا معه عدداً كبيراً من الجنود المقعدين من الحسا والقطيف وقال الكولونيل هربرت في رسالته:

"  تفيد التقارير بأن حالة الحاميات المتمركزة في الحسا والقطيف ويقال إن اعدادهم قد نقصت كثيراً إلى حد أن نافذ باشا أصبح مضطراً للتصرف حسب خطط دفاعية محضة، وأنه قد لا يستطيع صد الغزوات المتكررة التي يقوم بها العرب الذين يبدو أنهم يواصلون مضايقة الأتراك حتى في غياب كبار شيوخهم وزعمائهم.

"  يقال إن عبدالله موجود في الرياض وأن سعود ما يزال موجوداً في المناطق المتاخمة لقطر، في حين يقال إن المراسلات متواصلة بينهما، على الرغم من أنه من غير المعروف ما إذا كانا قد توصلا إلى اتفاق بينهما. " في هذه الأثناء لا يظهر مدحت باشا أية نية للانسحاب والتراجع عن سياسته العدوانية والمكلفة وعديمة الجدوى في نجد أثناء وجوده في البصرة في طريق عودته إلى بغداد اشترى (مدحت باشا) من حاكم المحمرة الفارسي سفينة نجارية لتقوم برحلات بين البصرة والقطيف وقد غادرت معززة من 300 جندي البصرة في اول رحلة لهذه السفينة ليحلوا محل الجنود المرضى الذين احضرهم معه.

"  وهكذا يجري تفريغ هذه البلاد من الجنود إلى حد كبير، ومن عظيم الاحتمال أن الحاجة إلى هؤلاء ستكون كبيرة  في فصل الربيع.

"  يقال إن العرب بالغو الاستياء خصوصاً قبائل شمر التي أثارتها طريقة إعدام شيخها الراحل الشيخ عبدالكريم في الموصل. بدأت الأمطار تهطل غزيرة الآن في جميع أنحاء البلاد، وستملأ الآبار في الصحراء، وليس من المستبعد أبداً قيام انتفاضة شعبية.

أخبار الكونيل بيلي، والتي تحمل تاريخ الثالث عشر من يناير، تفيد والبحرية التركية توجه إلى البدع (BIDAA) مصطحباً معه السفينة (ASSUR) وكتيبة من القوات النظامية. وقد أنزل هذه القوة في البدع (EL  BIDAA) على الرغم من معارضة شيوخها. ويضيف الكولونيل بيلي قائلاً:

"  هذه التجربة العملية لما تعنيه الصداقة التركية ربما تفسر سبب كتابة شيخ قطر لرسالته بالغة التهذيب إلي. "

في ملخصاته الإخبارية يقدم المثيم السياسي المساعد تقريره التالي حول عملية الإنزال في البدع (EL BIDAA) بأداء التحية ودعت السفينتان الشيخ محمد بن ثاني إلى الصعود إليهما، ولكنه اعتذر إلاّ أنه عاد بعد ذلك، وبناء على طلب عبدالله بن الصباح شيخ الكويت، وصعد إلى ظهر السفينة يرافقه ابنه.

"  قدم القائد العسكري التركي ملابس شرف للشيخ وابنه، وقال للشيخ: أنت طلبت المساعدة، وقد أمُرنا أن نحضر إلى هنا ونساعدك، وسننزل القوات.

"  ردّ الشيخ قائلاً: نعم أنا طلبت المساعدة، ولكن ذلك حدث عندما كنت أتصارع مع سعود. أما الآن فنحن صديقان، والأفضل أن تعودوا من حيث أتيتم، وليس لدينا طعام يكفي يكفي رجالكم الألف ويكفيكم. قال الضابط: الأوامر الصادرة إلي تقضي بإنزال القوات، وسأنزلها،والأفضل لك أن تكتب إلى حكومتي وتقول بها إنك لا تريدنا هنا، وعندها سأرحل حين أؤمر بذلك. وهكذا أنزلت القوة إلى البر واحتلت قلعة  تدعى المسيلم (EL MASELIM) ، كما أحتلت عدة منازل قريبة منها. أهل البدع (EL BIDAA) غاضبون جداً من احتلال الأتراك لذلك الموقع. السفينة التركية الأكبر غادرت المكان، ولكن السفينة الصغيرة ما تزال في البدع (EL BIDAA).

وبخصوص الأخوين عبدالله وسعود كتب الكولونيل بيلي يقول: " يواصل عبدالله إقامته في الرياض، في حين يتجول اخوة سعود في المناطق الصحراوية المحيطة بقطر. أعتقد أن الأخوين يتراسلان، لكن لا بد من الانتظار لنعرف ما إذا كانت خلافاتهما وادعاءات كل منهما ضد الآخر ستسمح عملياً بأن يتحالفا مع بعضهما.

"  القوات التركية موزعة حسبما أبلغت سابقاً. لكن ربما تناقص عددها مجدداً بسبب المرض وعودة الذين انتهت مدة خدمتهم منهم. تبدو القطيف مكاناً غير صحي أبداً إلى حد أن أحد القادة العسكريين الأتراك ابلغ إلي أنهم يفكرون بالتخلي عن موقع البلدة الحالي كمحطة عسكرية. "

في السادس والعشرين من يناير أبرق الكولونيل هربرت يقول إن 120 جندياً من رجال المدفعية غادروا بغداد في اليوم السابق متوجهين إلى القطيف، وأن عدة مئات من الجنود المعوقين قد عادوا من هناك.

في رسالة مؤرخة في 27 يناير، كتب الكولونيل بيلي يقول (أنظر: حكوممة بومباي، رقم 1007 تاريخ 19 فبراير 1872):

"  التقارير الإخبارية التي تلقيتها من عدة مواقع تمتد من البصرة إلى ساحل القراصنة، تتشابه عموماً، ولكنها جميعاً تقريباً غير موثقة.

أولاً: إلا أنني علمت بشكل عام أن القوة التركية الموجودة في الحسا تناقص عدد أفرادها إلى مادون قوامها الأصلي، ولكن يجري إرسال تعزيزات جديدة إلى القطيف على ظهر الباخرة سنابب (SANIPE?) وهي السفينة التي اشتراها الأتراك مؤخراً.

ثانياً: " وأن عبدالله بن فيصل ما يزال في الرياض وعلى اتصال بأخيه سعود الذي يتنقل مع عدد من البدو في المناطق البرية المحيطة بقطر.

ثالثاً: " وأن سعود بدوره على اتصال بالقائد العسكري التركي في الحسا، سعيا إلى لقاء يتم في منطقة تدعى تشيرانا ب (CHERANAB?) ويبدو أن زعماء الأطراف المتصارعة لا يثقون ببعضهم البعض.

رابعاً: وأن القوات التركية انسحبت من البدع (EL BIDAA) في قطر، بعد أن تركت هناك مفرزة من الجنود لحماية المؤن وغيرها. ويسود الاعتقاد عموماً بأن عرب قطر غير راضين عن التحركات التركية. "