مجلة الواحة

العدد 7

 

مخطوطات الواحة

السراج الوهاج لدفع

عجاج قاطعة اللجاج

  

الشيخ ابراهيم القطيفي

 

 

الصراع بين القطيفي والكركي

 

موضوع الصراع بين القطيفي والكركي يتعلق في الأصل بمشروعية عمل السلطان وشرعية التعامل معه، ومن ضمن الحوائل التي تقف دون التعامل معه هو عدم مشروعية تصرفاته في جملة من الأمور ومنها الخراج.

والخراج لغة هو ما يخرج من غلة الأرض، واصطلاحا هو الضريبة التي تؤخذ على الأراضي الخراجية.

ولمزيد من الإيضاح دعنا ننقل هنا ما أورده الشيخ محمد جواد مغنية (ره) في فقه الإمام الصادق:

للأرض أربعة أقسام عند الفقهاء:

1- الأرض التي فتحها المسلمون عنوة نتيجة الجهاد، لانتشار الإسلام، كأرض العراق وسوريا وإيران؛ والعامر من هذه الأرض حين الفتح ملك للمسلمين جميعا من وجد منهم ومن يوجد، والنظر فيها للإمام، أي الدولة، تقبلها لمن تشاء من أهلها أو من غيرهم بالنصف أو الأقل أو الأكثر، ويصرف الناتج في المصالح العامة.

فتوى نظرية

 

وقال الفقهاء إن هذا النوع من الأرض -العامر حين الفتح- لا يجوز بيعه، ولا هبته، ولا وقفه، ولا توريثه، لأنه ملك للكل، ومما استدلوا به قول الإمام الصادق (ع): "ومن يبيع أرض الخراج، وهي ملك لجميع المسلمين؟".

ولكن هذه الفتوى نظرية وكفى، لا أعرف أحدا عمل بها، فان الناس، كل الناس، حتى الفقهاء يعاملون صاحب اليد على الأرض الخراجية معاملة المالك من البيع والشراء والوقف والتوريث، وما إلى ذلك.

ويوجهون أو يؤولون أعمالهم بتأويلات لا تركن إليها النفس، منها أن لصاحب اليد نحواً من الحق والاختصاص، فينتقل هذا الحق منه إلى غيره دون رقبة الأرض وعينها، ومنها أن الأصل في الأرض أن تكون الموات؛ حتى يثبت العكس.

أما الأرض التي كانت مواتا حيت الفتح فهي للإمام، أي الدولة، ومن أحياها فهو أولى بالتصرف فيها من غيره، لعموم: "من أحيا أرضا ميتة فهي له؛ وهو أحق بها.. والأرض لله، ولم عمرها".

وتجدر الإشارة إلى أن الأرض بطبيعتها هي ملك للدولة، لقول الإمام علي (ع): "كل أرض لا رب لها فهي للإمام".

2- أرض من أسلم أهلها طوعا، كالمدينة المنورة والبحرين وأطراف اليمن وإندونيسيا. العامر من هذه الأرض لأهلها، ولا شيء عليهم سوى الزكاة، ويجوز بيعها، والتصرف فيها بشتى أنحاء التصرف. أما الموات منها فللدولة، ومن سبق إلى إحيائه فهو أحق به من غيره، تماما كالموات مما فتح عنوة.

3- أرض الصلح، وهي التي فتحها المسلمون بغير قتال، بل بالصلح بينهم وبين أهلها على أن تكون الأرض لأربابها لقاء ما يبذلونه من ناتجها، أو من غيره، ويجب الوفاء بما تم عليه الصلح، والعامر منها ملك لأهله، يتصرفون فيه كما يشاءون، أما الموات فللدولة، ومن سبق إلى إحيائه فهو أحق به من غيره.

4- الأنفال، وتشمل الأرض التي ملكها المسلمون من غير قتال، سواء أكانت عامرة فانجلى عنها أهلها، أو مكنوهم منها طوعا مع بقائهم فيها، وأيضا تشمل كل أرض ميتة، سواء أكانت في البلاد المفتوحة عنوة، أو بالصلح، أو بقبول الإسلام، وسواء أكانت مملوكة ثم باد أهلها، أو لم تملك من راس، كالمفاوز وسواحل البحار، وأيضا تشمل رؤوس الجبال وبطون الأودية والاحراج.

وهذه كلها للإمام، وما كان له فهو لشيعته بدليل قوله (ع): "ما كان لنا فهو لشيعتنا.. كل ما كان في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محللون"(1).

آراء العلماء في الخراج

 

قبل أن نأتي على ما ورد في رسالة القطيفي دعنا نستطلع أراء بعض علماء الشيعة وفطاحلها في المسألة، وبالطبع كل هؤلاء جاءوا بعد الكركي والقطيفي، وكان يفترض أن نورد رأي الكركي في المسألة قبل غيره، إلا أنني اكتفيت بشهرته أولا، وبوروده في مطاوي رسالة القطيفي أثناء رده عليها ثانياً.

المقدس الأردبيلي (2)

 

قال في رسالته التي كتبها في الرد على الكركي:

انهم -أي الفقهاء- صرحوا بأن أخذ الجائر غيـر جائـز وأنـه ظلم وحـرام وهـو آثم بـه، فكيف يحكم على الصحة والإباحة ولا يعتبر شرعا في أخذ ما في أيدي الناس الدالة على الملكية · وقـد يدعى الملكية أيضا.

قال فيـه في شـرح قـول المصنف: "والنظـر فيها أي في الأرض المفتوحة عنـوة إلى. الإمام": "هـذا مع ظهـوره وبسط يـده، أما مع غيبتـه كهـذا الزمان، فكل أرض يدعي أحد ملكيتها بشراء  أو إرث ونحوها ولا يعلم فساد دعواه تقر في يده كذلك، لجواز صدقـه، وحملا لتصرفه على الصحة، فإن الأرض المذكورة يمكن تملكها بـوجـوه " وذكـر وجهين.

ثم على تقدير الثبوت فلا دليل يعتد به عليه، وإن كان ظاهر عبارات الأصحاب يفيـده، لكن الأخذ بمجرد ذلك من غير ظهـور دليل: وثبـوت إجماعهم بحيث يقنع النفس بـه وإن ادعى الشيخ على ذلك الإجماع في الخـراجيـة لما يعلم في الإجماع ودعـواه في هــذا الزمان في مثل هذه المسألة مشكل، لأن الظاهـر أن المال لمن في يده من غيـر أن يكـون لأحـد شيئا إذ ثبـوت الخـراج في أرضه من الإمام، وقبوله على ذلك المقدار المقر الآن غيـر واضح وإن سلم أن أرضها مما يجب فيه الخراج، فيكون هـو غاصبا يلـزمـه أجرة المثل وليس بمعلـوم كـونها المقدار المقرر المأخوذ باسمه.

وأما أدلتهم فهي بعض الأخبار ولا دلالة ظاهـرة فيها وادعى النصوصية فيها الشيخ علي وهي خبر أبي بكر الحضرمي الـذي رواه الشيخ عنـه، عن أبي عبد الله عليه السلام وموضع الدلالة منه قولـه عليـه السلام: "ما منع ابن أبي سماك أن يبعث إليك بعطائك، أما علم أن لك في بيت المال نصيبا.".

وقال الشيخ علي فيها: "قلت: هذا نص في هذا الباب إلى قوله: حيث إنـه يستحق في بيت المال نصيبا، وقد تقرر في الأصول تعدي الحكم بالعلـة المنصـوصـة".

قلت: الحديث غير معلوم الصحة وعدم ظهور الدلالة، إذ غايتها جـواز قبـول الحضـرمي في عطاء ابن أبي سماك لأن له في بيت المال نصيبا فهم بالقياس جواز الأخذ منـه لمن كان مثل الحضرمي في الاستحقاق من بيت المال، بأن يكون من المصالح، فلم يـدل على جواز أخذ الخراج من كل جائر مؤمنا وغيـره لكل أحـد، سـواء كان ممن يستحق من بيت المال أو لا، فالاستدلال بمثله في هذه المسألة لا يخلو عن إشكال وأشد منه تسميته بالنص. نعم يمكن الاستدلال به في الجملة على جواز أخذ الجوائز من الجائـر كما استـدل بـه عليه العلامة في المنتهى وليس بتام أيضا.

وبالجملة هذه المسألة في الغايـة من الإشكال، حيث إنهم حكمـوا بها بهـذه الأدلـة وقالـوا: لا يجوز الأخـذ إلا بإذن الجائـر، بل نقل الشيخ علي عن البعض "انه لا يجوز السرقة والكتمان للزارع" مع قولهم بعـدم جـواز الأخـذ للجائـر وأنـه ظالم، فلا يجوز البيع منـه حينئـذ بل لا يمكن تحقق البيع وكيف يجـوز بيع مال المسلمين الذي الناظر فيـه الإمام عليـه السلام ومصـرفـه بعض المصالح أخـذه الظالم ظلما أن يشترى منـه أو يتهب، إلا أن يقال هـذا استنقاذ لا بيع حقيقـة ولا صدقة ولكن حينئذ شرط الإذن أو القبض غير ظاهر.

وكيف لا يجوز لمن في ذمته السـرقـة والكتمان بل ينبغي، بل يجب عدم جواز الإعطاء له إن أمكن، لأنه لا تبرأ ذمته على تقـديـر قدرته على المنع ولا يتعين ما اخذ منه مالا للخراج والزكاة. لكن ما جـزم بهـذا النقل، بل قال: أظن سماعا عن علي بن هلال. وما نقلــوا دليلا على عــدم الجــواز إلا بإذن الجائر والجواز به سوى ما مر.

فلـولا خـوف خلاف الإجماع لأمكن القـول بعـدم جـواز البيع أيضا إذ ليس في الأخبار جواز بيع مال الخراج المبحوث عنه، نعم قد يـوجـد في بعض الأخبار جواز شـراء الـزكاة فيحتمل زكاة من المشتـرى على طـريق الاستنقاذ، وأن يكون المراد ممن عنده الزكاة لا عين الزكاة، وأن يكـون العامل مأذونا من الإمام عليه السلام وما كان معلوما ظاهرا للتقية، أو يكـون للتقيـة، أو قضيـة في واقعـة فلا يتعدى وأمثالها كثيرة، وان يكون لطفا من الله تعالى تسهيلا للشريعة ونفيا للحـرج على تقدير عدم ثبوت براءة الذمة والضـرورة واستحقاق الـزكاة.

فيـؤول كلام الأصحاب على بعض تلك الوجوه على تقدير صحته مثل كون الآخذ من المصالح والمصرف أو الـذي يقدر أن يأخذه و يصرفه في مصرفـه وغيـر ذلك، وقـد احتمل الشيخ إبـراهيم في النقض كون الجائـر مخالفا بظن إمامتـه وكـذا المعطي ويفهم من شـرح الشـرائع أيضا(3).

الشيباني

 

لقد تتبع الشيباني(4) رسالة الأردبيلي فقرة فقرة، وأشبعها نقدا وردا بناء على ما يتبناه من الحلية، وذلك عكس ما كان يتبناه معاصره المقدس، وإليك بعضا مما جاء فيها، ودون ذكر المقاطع المردود عليها؛ ومما قاله (ره) إن القطيفي يرى الحلية، بما نصه(5):

... ومن أعجب الأمور أن هـذا الخـراج لم يذهب إلى تحريمه أحد من المسلمين فضلا عن المـؤمنين حتى أن الشيخ إبـراهيم - رحمـه الله الذي نسب إليه الخلاف في ذلك قال في نقض الخـراجيـة بما يـدل على اعتقاده بأن الخراج حلال للمسلمين وإن حرم أخذ الجائر لـه، وهـذه عبارتـه:

" ولـو شئت أن أقول إن اختيار الدفع إلى الظالم مع التمكن من الكتمان والسرقـة والجحـود مما علم عـدم جـوازه من الـدين بالضـرورة لقلت، لأن ذلك حق للمسلمين يجب إيصالــه إلى واليهم، فإذا كان غائبا وجب أن يوصل إلى نائبـه وهـو حاكم الشـرع، فإن لم يمكن فإلى مستحقه حسبة كالمال الذي في يده لغيره فإنه يـدفعـه إلى من يستحق قبضـه شرعا".

فإذا كان الأمر كذلك فلا فرق مع غيبة الحاكم الشرعي أن يأخـذ الخـراج من الظالم أو من غيره، وكثيرا ما نسمع الفقهاء رحمهم الله تعالى يقولـون: لـو نجـد الرفيق لقلنا كـذا، فمسألـة لم يـوجـد دليل على تحـريمها ولا قائل بـه فكيف يجـوز التجرؤ على القول به.

... وقـولـه -الأردبيلي- " وكيف يقسمـه في هـذا الـزمان من غيـر إذن الحاكم" إن أراد به الحاكم الشرعي بأن يكـون المعنى: وكيف يقسم الجائـر للخـراج من غير إذن الحاكم الشرعي، فإن سئل عن أن هذا التصرف هل هو جائز للحاكم الجائـر أم لا· قلنا: هو غير جائز لـه ولا يقتضي هـو عـدم جـواز أخـذنا من يـده لإذن أئمتنا عليهم السلام في الأخذ من يده، وإن أراد به حاكم الجور قلنا: الأخـذ من غيـره مع طلب حاكم الجور له لا يجوز.

رأي الكركي كما عند الشيباني

 

... أقـول: لا يخفى أن الشيخ علي وغيـره ادعى الاتفاق على حل الخـراج، وجعل المصنف دليل الإجماع عباراتهم قـدح في مثـل هــذا العـالم المتبحر. على أنا نقول ذكـر العبارات بعـد دعـوى الاتفاق لا يدل على كـونـه دليلا، لجواز أن يكون سبب دعواه الإجماع الإطلاع عليه، وذكر العبارات مؤيـد لـذلك كما جرت عادة السلف بتأييد الدليل برواية أبي هريرة وعائشة وغيرهما.

الأردبيلي مرة أخرى

 

وقد رد الأردبيلي على الفاضل الشيباني برسالة أخرى جاء فيها:

الذي أظن تحريم ما يأخـذون في هـذا الزمان بغيـر إذن الإمام عليـه السلام مثل العشـر الحاصل من القـرايا، فإن حلـه في الأصل واستحقاق المسلمين له على ما يفهم من كلامهم رحمهم اللـه تعالى مـوقـوف على كون تلك القرايا فتحت عنوة بإذن الإمام عليه السلام، ومعمورة حينئـذ، أو فتحت على أن الأرض للمسلمين، وعلى عـدم وقفيتها، وعـدم دعـوى من في يـده ملكيتهـا، والحال أنهم يأخـذون من الـوقف وممن يـدعي الملكيــة، وعلى ثبــوت المعـاملــة كالمزارعة من الإمام عليه السلام أو نائبه مع من يؤخذ منـه الخـراج.

أما التـوقف على الفتح عنوة بإذن والمعمورة حين الفتح فلأن كل ذلك مصرح بـه في محلـه. وأما على عدم دعوى ملكيتها فلأنهم صرحوا بأن كل من يدعي ملكيـة شيء وهـو تحت يـده ولم يعلم فساده، يقبل قوله في أنه ملكه، بل مجرد اليـد دليل الملكيـة مع عـدم العلم بالفساد(6).

الشيخ يوسف العصفور البحراني

 

قال صاحب الحدائق: الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب رضوان الله عليهم في أن ما يأخذه السلطان الجائر باسم المقاسمة و الخراج من الأراضي والغلات وما يأخذه باسم الزكاة من الأنعام والغلات و نحو ذلك ويجوز شراؤه و قبول اتهابه. بل ظاهر كلام جملة من الأصحاب دعوى الإجماع على ذلك.

ولم اقف على مخالف في الحكم المذكور إلا المقدس الأردبيلي في شرح الإرشاد وقبله الفاضل الشيخ إبراهيم بن سليمان القطيفي(7).

جوائز السلطان

 

أما عن جوائز السلطان فقد قال:

لا إشكال ولا خلاف في حل جوائز السلطان و جميع الظلمة على كراهية ما لم يخبره بأن ذلك من ماله فانه لا كراهة. وما لم يعلم بكونه حراما فيجب رده على مالكه، أو الصدقة به عنه(8).

الحسنان وجوائز السلطان

 

ثم بدأ يناقش الذين استدلوا بقبول الحسنين عليهما السلام لجوائز خلفاء الجور و قد تقدم خبر قبول الحسن والحسين عليهما السلام لجوائز معاوية و مثله ما رواه في كتاب الاحتجاج في حديث: انه كان يبعث إلى الحسين عليه السلام في كل سنة ألف ألف درهم سوى عروض و هدايا من كل ضرب.

و يمكن الجواب عن ذلك بوجوه:

( أحدها): أن الأرض وما فيها لهم عليهم السلام كما دلت عليه جملة من الأخبار التي قدمناها في كتاب الخمس

فكيف بما في أيدي هؤلاء الفجرة من ذلك.

و (ثانيها): انه من المحتل قريبا أن قبولهم لها لا يستلزم أكلهم منها فيجوز أن يتصدقوا بها لأنها من مال المسلمين فيصرفونها عليهم.

و يدل على ذلك: ما رواه في العيون عن صاحب الفضل بن الربيع  عن أبي الحسن موسى عليه السلام في حديث: أن الرشيد بعث إليه بخلع وحملان ومال. فقال: لا حاجة إلى بالخلع والحملان والمال إذا كان فيه حقوق الأمة. فقلت: ناشدتك بالله أن لا ترده فيغتاظ. قال: اعمل به ما أحببت.

وفى خبر آخر أن الرشيد أمر أن يحمل بين يديه خلع و بدرتان دنانير. فقال عليه السلام: والله لولا أنى أرى من أزوجه بها من عزاب بني أبي طالب لئلا ينقطع نسله ما قبلتها.

وروى في الكافي عن محمد بن قيس بن رمانة قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فذكرت له بعض حالي فقال: يا جارية هات ذلك الكيس هذه أربعمائة دينار وصلني بها أبو جعفر فخذها و تفرج بها الحديث.

و (ثالثها): جواز فعلهم للمكروه أحيانا" كما دلت عليه جملة من الأخبار لبيان جوازه وانهم لو امتنعوا من قبول ذلك امتنع الناس التابعون لهم بامتناعهم منه اقتداء بهم و لزم به إدخال الضرر عليهم في بعض الموارد لاسيما في مقام الضرورة مع حل ذلك شرعا.

و (رابعها): أن لهم حقا في بيت المال فيكون ذلك من حقوقهم الواجبة لهم  و يحمل الامتناع منهم في بعض الأوقات على التنزه والله العالم(9).

السيد علي الطباطبائي

 

قال (ره):

يجوز أن يشتري من السلطان الجائر المخالف لا مطلقا على الأصح ما يأخذه باسم المقاسمة والخراج واسم الزكاة من ثمرة وحبوب ونعم وان لم يكن السلطان مستحقا له بشرط أن لا يزيد في الأخذ على ما لو كان الإمام العادل ظاهرا لأخذه وهو في الثالث مقدر مضبوط وقدر في الأولين حيث لا تقدير فيهما في الشريعة بما يتراضى عليه السلطان وملاك الأرضين في ذلك الزمان فلو اخذ الجائر زيادة على ذلك كله حرم الزائد بعينه إن تميز، وإلا الكل من باب المقدمة والأصل في المسألة بعد عدم الخلاف في الطائفة والإجماع المستفيض حكاية في كلام جماعة(10).

وقال في موضع آخر:

جوائز السلطان بل مطلق الظالم محرمة إن علمت حرمتها بعينها فان قبضها حينئذ أعادها إلى المالك إن عرفه وأمكنه ولا يجوز إلى غيره معه إلا أن يأخذه الظالم قهرا. وهل يضمن حينئذ؟ قيل نعم لعموم على اليد ما أخذت حتى تؤدي وربما فصل بين القبض بعد العلم بكونها مضمونة فالضمان وبينه قبله فالعدم إن لم يقصر في الإيصال إلى من يجوز الإيصال إليه ومن في حكمه لان اليد على الأول عادية وفي الثانية أمانة وان جهل المالك أو تعذر الإيصال إليه ومن في حكمه لم يجز رده إلى الظالم بل يتصدق بها عن المالك مع الضمان إن لم يقبله.

وألا يعلم حرمتها بعينها فهي حلال مطلقا، وان علم أن في ماله مظالم بلا خلاف فيه. وفي جواز المعاملة معه حينئذ للأصل والصحاح المستفيضة وغيرها من المعتبرة(11).

الشيخ محمد حسن النجفي

 

قال صاحب الجواهر: لا خلاف أجده في أن (ما يأخذه) أو يحول عليه أو يصالح عليه (السلطان الجائر من الغلات) في زمن الغيبة و نحوها في قصور اليد من المؤمنين و المخالفين (باسم المقاسمة) التي هي قسم أيضا من الخراج الذي هو بمعنى الأجرة و الطسق (أو الأموال باسم الخراج عن حق الارض) من المنتفعين بالأراضي التي مرجع التصرف فيها الإمام العدل حال بسط اليد باعتبار ولايته عن المسلمين من غير فرق بين الدراهم و الغلات و غيرهما يكون خراجا مبرء لذمة من كان عليه كما لو أخذه السلطان العادل من غير فرق بين قسمة الموجود و بين القبض ما كان منه في الذمة كما أنه لا خلاف معتد به في جواز شرائه منه و قبول هبته ونحو ذلك  مما يقع على المملوك حقيقة و عن جامع المقاصد أن عليه في شرائه منه إجماع فقهاء الإمامية و الاختبار المتواترة(12).

وقال في موضع آخر: لا ريب في استحباب التنزه عن جوائزهم لأنا لا نصيب من دنياهم إلا وأصابوا من ديننا مثله(13).

الشيخ حسين العصفور

 

قال: ومما استثني أيضا -من المكاسب المحرمة- شراء ما يأخذ الظالم من الغلات باسم المقاسمة، ومن الأموال باسم الخراج في الأرض الخراجية، ومن الأموال الزكوية باسم الزكاة حيث لا يعرف الحرام بعينه، وحيث لا يدفع للظالم ابتداءً من غير خوف(14).

وقال في موطن آخر:

يحرم التكسب بالدخول في أعمال الظالمين، والمعاونة لهم. ولو على الطاعات والمندوبات، إلا مع الإكراه والتقية، أو مع نفع المؤمنين ودفع الظلم عنهم، والأخبار بهذا المضمون مستفيضة جداً.

وبعد أن تلى بعض الأخبار بهذا المضمون، قال: وناهيك بها من أخبار قاصمة للظهور، فالاجتناب مع الإمكان واجب سيما في هذه الاعصار التي قد سلبت الناس التمكن من البعد عن المحذور، وحيث يبتلى بهذه البلية وتوقعه في المأثم يجب عليه التخلص ورد المظالم إلى أهلها إن عرفهم، وإلا تصدق بها كما عرفت فيما سبق.

الشيخ عبد الله الستري

 

قال: يجوز أن يشترى من السلطان الجائر مطلقا -ومنهم من خصه بالمخالف لاعتقاده حلية ذلك بخلاف المحق فانه يعتقد تحريمه- ما يأخذه باسم المقاسمة، وهو أن يأخذ من الغلات باسم المقاسمة عن الأرض أو من الأموال باسم الخراج عن حق الأرض والزكاة، وهو أن يأخذ من الأنعام والغلات والذهب والفضة باسم الزكاة، وإلى ما قررنا أشار المصنف رحمه الله -صاحب النافع- بقوله من ثمرة وحبوب ونعم وان لم يكن -أي الجائر- مستحقا له.

واعلم أن جواز ذلك مشروط بأن لا يأخذ زيادة عن ما يأخذه السلطان العادل، فمن الزكاة الأمر المعلوم منها، وأما المقاسمة والخراج فما تراضى عليه السلطان في ذلك الزمان، وملاك الأرضين.

وإنما حل ذلك للنص والإجماع في الجملة، وربما عللوا ذلك بما يأخذه الجائر على النمط المذكور حق لأئمة العدل وقد أذنوا شيعتهم في ذلك، فيكون تصرف الجائر كالفضولي إذا انضم إليه إذن المالك(15).

الشيخ جعفر أبو المكارم

 

وللشيخ جعفر أبي المكارم القطيفي رأي في الموضوع نجده في جواب مسألة قدمت إليه، بما نصه:

السؤال: ما يقول مولانا في الأرض المفتوحة عنوة هل يشترك فيها المسلمون قاطبة ومن يدخل في الإسلام ومن يوجد بعد ذلك من غير تفاضل بينهم فضلا عن التخصيص بالمقابلة وعدمها ؟

الجواب: ... فعلم أن الذي يشترك فيه المسلون هو ما عدى ما حواه العسكر من العقارات و الأرضين المعمورة غير الموات فيكون بينهم على السواء لا خصوصية لأحد دون أحد بشيء منه ولا يفضل أحد منهم أحدا في شئ منه ولا يجوز لأحد منهم بيع شئ منه ولا التصرف فيه بأنواع التصرفات الناقلة للملك، كالهبة وغيرها، ولا بشيء من العمارات والإجارات إلاّ بإذن الإمام إذ هو الولي عليه فكل ما احدث فيه باطل وهو باق على اصله من الشركة كما ستعرفه إنشاء الله قريبا.

وما حواه العسكر يقسم على المقاتلة خاصة لا يشركهم فيه أحد غيرهم إلا من أدركهم قبل القسمة وهو يريد نصرتهم ومن لحقهم بعد القسمة فلا نصيب له فيه على رأي، ولو قيل بإسهامه منه كما فعل أمير المؤمنين عليه السلام بمن جاء مريداً نصرتهم يوم البصرة فأدركهم بعد القسمة فدفع إليه حصته كان صواباً إذ هو المقتدى في كل الأمور، على ما ذكرنا من اختصاص الحكم بالشركة بين المسلمين في الأرض المفتوحة عنوة بالأرض المعمورة منها دون غيرها من الموات ما حواه العسكر، وعدم اختصاصها بالغزاة بل هي فئ للمسلمين جميعاً لا يفضل أحد حداً ولا يختص منهم أحد بشيء منها دون أحد، نقل إجماعنا في المنتهى والتذكرة وان مواتها للإمام خاصة كسائر الموات وسِيْف البِحَار وما ليس ملكاً لأحد ولم تجر عليه يد ملك لأحد بالاتفاق كما أن ولاية هذه الأرض له بالاتفاق لأنه أولى بالمسلمين من أنفسهم وليس يصلح أحد لذلك مع وجوده وبدون المتولي لا ينتظم أمرها، ففي حال حضوره لا يجوز لأحد التصرف فيها بتعمير ولا غيره إلا بإذنه اتفاقا، كما نقل في شرح الشرائع وفي حال غيبته عليه السلام لا يجوز التصرف فيها بما يخرج (المخرج) عن الملك كالبيع والهبة وغيرهما، ولو في حصته المشتركة لعدم التعيين ولعدم كونها ملكاً بالخصوص ولعدم استقلال المتصرف حيث إن أمرها ليس له، إنما هو للإمام(16).

القطيفي في السراج الوهاج

 

 قدم لكتابه بديباجة تعود على مثلها العلماء، ذكر فيها سبب تأليف الكتاب، وقد جئنا على شيء منها فيما سبق. ثم  قدم لموضوعه بذكر مجموعة من الفوائد تعتبر كمدخل للكتاب، وإن لم يكن لها ربط مباشر بموضوع الكتاب، إلا أن المصنف يريد أن يقول شيئا أودعه ما بين السطور، ولعل القارئ يشاطرنا الرأي بعدما نسلط الضوء على بعضها.

بعد ذلك شرع في الرد على المحقق الكركي في رسالته قاطعة اللجاج على طريقة: قال وأقول، أو بالدقة كما كان يقول: قوله؛ أقول، مستشهدا بالأدلة الأصيلة وأراء العلماء حتى إذا أتى إلى نهاية رسالته ختمها بمجموعة من الفوائد أيضا يبرر فيها كتابته للرسالة ورده على الكركي، مستشهدا بأمثلة مشابهة من تاريخ العلماء، وسنأتي على بعض من ذلك بشيء من التفصيل محاولين الاحتفاظ ما أمكن بنصه حرفيا، إلا أننا سننقل من مواطن متفرقة.

فوائد المقدمة

 

 تحدث فيها عن حرمة كتمان الفقه والعلم، وان الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا، وأن لا دين لمن دان بطاعة من عصى الله، وأن الخيانة في العلم أشد من الخيانة في المال.

ثم تحدث عن إعانة طالب العلم وأنها حب للأنبياء، وأن طالب العلم للدنيا طالب دنيا لا طالب علم، وأن الفقهاء أفضل الناس بعد المعصومين إذا عملوا بمقتضى علمهم، وأن الفقيه أشد على إبليس من ألف عابد، ولذا امتحنهم بالسمعة والغيبة لأن الأولى علامة المرائي، والثانية تأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، كما زين لهم ما أوجب عليهم التنزه عنه من أعمال الحيل والشبهة في الدين.

بعدها استعرض شيئا من الحيل (الشرعية) التي يمارسها البعض، وقسمها إلى أقسام، فمنها ما لا ينافي الأمانـة، ومنها ما ينافيها ولهما ضابط هـو أن ما أخل بالمطلـوب الشـرعي الناشئ عن حكمــة ربانية بها يتم صلاح النوع وأحوال معاشهم فلاشك في كونه منافيا للأمانة، وما ليس كذلك لا ينافيها لكن منـه ما يكـون التنـزه عنـه أولى، ومنـه ما لا يوصف بـذلك.

الأولى: إذا باع الإنسان مـوزونا أو مكيلا بمثله جنسا متفاضلا فهو ربا، فجاز أن يتحايل بما يخرجـه عن الـربا إما بضم غيـر الجنس إليه أو غير ذلك من الصور المذكـورة شـرعا، وهـذا غيـر مناف للحكمـة بل موافق لها وليس تركه أولى....

الثانية: إذا دفع إلى فقيه مالا ليصرفه على المحاويج ويأخذ منـه لنفسـه إن كان محتاجا وهو غيـر محتاج فملك مالـه من يثق بـه كـولـده وزوجتـه ليكـون محتاجا وأخرجه على نفسه ثم استعاد مالـه كان ذلك من الحيل المنافيـة للأمانـة لمنافاتـه حكمة طلب إخـراج الـزكاة لأن الغـرض مساواة الفقـراء ودفع ضـروراتهم بـدفع الحق المفـروض لهم.

وقـد ورد استحباب نقلها إلى الفقهاء لأنهم أعلم بمـواقعها، وربما قيل بالوجوب، فإذا فعل الفقيه ذلك كان خائنا لأمانته غير موثوق بـديانتـه وهـو ممن نصب للـدين فخا يصطاد بـه.

الثالثـة: إذا كان على فقيـر مـن السـادة أو العوام دين لرجل وعلى الآخـر حق من الخمس أو الـزكاة، وعلم كل منهما أن المـدين لا يتمكن من أداء الـدين لإعساره، فصالح ذو الحق - صاحب الـدين على مـا في ذمتــه الفقير بشيء نذر رضى به صاحب الدين لعلمـه بعـدم تمكنـه من الاستيفاء، ثم احتسب ذو الحق ما يستحقه في ذمة الفقير من حق الله تعالى عليه فإنه يصح ولا ينافي الحكمـة، لكن احتساب قدر ما دفع وإبراء الفقير أو أنظاره بالباقي ودفع باقي ما في ذمتـه من الحق إلى الفقراء أولى(17).

ثم قال (ره): وحيث أتينا على ما أوردناه من المقـدمات فلنــرجـع إلى المقصــود بالذات، وشرع في سرد أقوال صاحبه والرد عليها.

الكركي: حيث إنا لـزمنا الإقامـة ببلاد العـراق وتعـذر علينا الانتشار في الآفاق لم نجد بدا من التعلق بالغربة لدفع الأمور الضـروريـة من لـوازم مهمات المعيشة.

القطيفي: لا يخفى على كل ناظر أن هذا العـذر لا ينهض على مخالفـة الشـرع القويم والطريق المستقيم، فالتعلق بالغربة إما أن يكون مشـروعا خاليا عما يـدنس غرض أهل الشريعة أو لا يكون، فإن كان الأول لم يفتقر إلى تـوطئـة العـذر بما ذكـر على وجه هو إظهار عدم حب الزيادة وطبيعة بعض المكلفين مشغوفة بها كما لا يخفى، وإن كان الثاني فالعـذر غيـر مقبـول(18).

الكركي: مقتفين في ذلك أثـر كثيـر من العلماء وجم غفيـر من الكبراء الأتقياء.

القطيفي: ...وليت شعــري أي تقي ارتكب ما ارتكبه من أخذ قرية يتسلط فيها بالسلطان من غيـر سبق العياء ولا غيره من الأسباب المملكة.

... على أن الذي يجب على هـذا المستشهـد نظرا إلى طريقة العلم وآدابـه واقتفاء آثار المستشهـدين أنـه ينقل عنهم ولـو بخبر واحد أنهم أخذوا القرية الفلانية أو قرية ما لغيرهم تعلقوا بها لأمـر السلطان لهم بذلك حتى ثبت استشهاده، أما مجرد أن يكون لهم قرى وأموال ونحـو ذلك لا يدل على أنهم فعلوا كمثل فعله ليصح استشهاده(19).

الكركي: وفي حال غيبتـه عليـه السلام قد أذن أئمتنا عليهم السلام لشيعتهم في تناول ذلك من سلاطين الجور.

القطيفي: الذي أذن أئمتنا عليهم السلام لشيعتهم في زمن الغيبة المناكح وفي وجـه قـوي لـه شاهـد من الأثـر المساكن والمتاجـر وهـو في الأرضين مختص بما كان حقهم عليهم السلام كالأنفال، أما الأرض المفتوحة عنـوة فهي للمسلمين قاطبـة، فتصـرفهم فيها جائز مع عـدم ظهـور الإمام، ويـدل عليـه ما يأتي من الأحاديث ما أشار إليـه بعض الأصحاب(20).

ثم استعرض تقسيم الكركي للأرض، وانتقده، قم أشار إلى أن عبارته (الكركي) نقشها حرفيا من العلامة في (التحرير) دون تغيير، عدا الدليل فانه من (المختلف)، وأخذ في الاستشهاد على ذلك بنقل نصوص العلامة من التحرير والمختلف(21).

وعندما استشهد الكركي على ما ذهب إليه بكلام للشيخ في التهذيب، استعرض له مقالة التهذيب، ثم قال:

يقول الفقير إلى الله المنان إبـراهيم بن سليمان: إلى هنا كلام الشيخ في التهـذيب ولا يخفى على ناظـره أنـه قـد اشتمل على أمـرين:

( الأول) إباحــة التصرف للشيعة في الخمس والأراضي إلى أن يقوم قائم آل محمد عليهم السلام.

( الثاني) إباحة البيع والشراء للأراضي من غير تقييد بـزمن الغيبـة ولا يكون البائع شيعيا بل ولا مسلما ولا يكون البيع يختص بآثار التصـرف، نعم ربما فهم منهما سـواء له الاختصاص لكن بتوجيه، لأن الجواز مطلقا يقتضي الجواز للشيعة في جملـة من يجوز لهم. والدليل دل على الجـواز مطلقا فلا شبهة(22).

الكركي: ووجهه من حيث المعنى أن التصرف في المفتـوحـة عنـوة إنما يكـون بإذن الإمام، وقـد حصل منهم الإذن لشيعتهم حال الغيبـة فتكـون آثار تصـرفهم محترمة بحيث يمكن ترتب البيع ونحوه.

القطيفي: هـذا كلام في نهاية الركاكة والسقوط عن درجـة الاعتبار لا يخرج من لحيي متأمل، وذلك أن مطلـوب المؤلف كما هو ظاهـر منـه صـريح أن التصـرف بالبيع ونحـوه تبعا للآثار إنما يصح زمان الغيبة، فلا يصح إثباته إلا بأمـرين: الصحـة مع الغيبـة، وعـدم الصحـة لا معها، وكلامه هنا دلالته على الصحـة زمن الغيبـة فلا يصح دليلا على المـدعى.

على أن المقصـود بالذات تخصيص الصحة بزمن الغيبة لأن الصحة قد ثبتت على جهة العمـوم بما مضى من الأدلة، وأشار إليه أيضا من الأحاديث، ولا دلالة فيما ذكره عليه أصلا، هذا والصحـة لا تتوقف على إباحـة الإذن كما قـررناه سابقا ونبهنا على أنـه أشار إليـه فيما سبق أيضا فلا مدخل لتوسط قوله: إن التصرف إنما يكـون بإذن الإمام فهـذا الكلام عنـد التأمل لا حقيقة له(23).

وبعد أن أورد عبارة نقلها الكركي عن الشهيد في دروسه وعقب عليها، قال:

وإن أردت زيادة الإيضاح فبين ما نقلـه، وبين عبارة الدروس فرق من وجوه:

( الأول) أن عبارته تـدل على الفتـوى وعبارة الـدروس لا تدل عليه بل على أن المشهور في الروايـة ذلك

( الثاني) أن عبارتـه لا إشعار فيها بالإشارة إلى الـروايـة وهـو يـدل ظاهرا على عدم قول غيـر ما حكاه عن ابن إدريس، فإذا كان متـروكا تعين الحمل بـه وعبارة الدروس تـدل على نقل الخلاف بل الـروايـة لأن النهايـة كتاب خبـر في الحقيقة

( الثالث) أن عبارته تدل صـريحا على نقل بقاء الملك الأول ويفهم منـه أن ما سبق يدل على عدمه، وليس في عبارة الشهيد ما يـدل على عـدم الملك أصلا، بل ربما كان في نقله بكلام ابن إدريس إشعار بأنها باقية على الملك على القولين حيث اقتصر على نقل اشتراط الإذن من أربابها.

( الـرابع) أن عبارتـه تقيـد كـون البقاء على الملك متروكا لأنه قـول ابن إدريس المتـروك، وعبارة الشهيـد لا احتمال فيها لـذلك، وكيف يكـون البقاء على الملك متـروكا وهـو فتـوى الأكثـرين من أصحابنا. نعم اشتـراط الإذن كما قالـه الشهيـد متـروك، فهـذا كلام من لا يحقق شيئا، اللهم إلا أن يكون نقل كلام الدروس من حضورها عنده لظنه أنه متوهم لم ينظر هو ولا غيره بعـد في ذلك. ومثل هـذا التصنيف يجـري مجـرى التلاعب بالعلـوم ونقل أقـوال الفقهـاء بالخيال الموهوم نعوذ بالله من ذلك(24).

ونقل عن الكركي انه قال: الثاني: نفوذ هذه التصرفات التي ذكـرناها إنما هـو في غيبـة الإمام، أما في حال ظهوره فلا، لأنه إنما يجوز التصـرف فيها مطلقا بإذنـه، وعلى هـذا فلا ينفذ شيء من التصرفات المتصرف فيها استقلالا، وقد أرشد إلى هـذا الحكم كلام الشيخ في التهـذيب فإنه أورد على نفسه سؤالا وجـوابا محصلهما مع رعايـة ألفاظـه بحسب الإمكان إلى أن قال: ومنها البحرين لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب.

وما رواه حسن بن راشـد عن أبي الحسن الأول عليـه السلام: ولـه رؤوس الجبـال وبطـون الأوديـة والآجام الحـديث. احتج ابن إدريس بأن الأصل إبـاحــة ذلك للمسلم وعدم تخصيص الإمام عليه السلام فلا يعدل عنه بمثل هذه الأخبار الضعيفة، والجواب المنع من أصالة الإباحة، بل الإمام أولى لأنه قائم مقام الرسول عليه وهـو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وبالجملـة ففي المسألـة نظـر. إلى هنا كلام العلامـة رحمه اللـه.

القطيفي: لا يخفى أن جـوابـه الـذي أجاب بـه عن حجـة ابن إدريس غير ناهض لأنه لا يلزم من كونه قائما مقام الرسول عليـه السلام وهـو أولى بالمـؤمنين من أنفسهم أن لا يكون الأصل الإباحة للمسلمين، وأن ما في يـد المسلم إذا أسلم عليـه لا يكون له ويختص به عليه السلام بل يستحب البحث في الرسـول عليـه السلام بالنسبـة إلى ذلك(25).

وعن حكم الموات من الأنفال لغير الشيعة قال القطيفي: لكن قوله "وأما غيرهم فإنه عليهم حرام وباطل" فإن ظاهر المذهب أن المـوات من الأنفال يصح إحياؤه لجميع المسلمين ولا تحرم على أحـد منهم في زمن الغيبة، فيد كل مسلم عليه يد إباحـة، وهـو مـدلـول إطلاق الـروايات وفتاوى الأصحاب، حيث حكموا بجواز إحياء الموات من غيـر تقييـد لها بكـونها من غير الأنفال، بل في الحقيقة عند التأمل أكثـر مـوات الأرضين من الأنفال(26).

الكركي: في مقالة حل الخراج: ولنا في الـدلالـة على ما قلناه مسلكان، الأول: في الأخبار الواردة عن أهل البيت عليهم السلام وهي كثيـرة، فمنها ما رواه الشيخ عن أبي بكـر الحضرمي قال: دخلت على أبي عبد الله عليـه السلام وعنـده إسماعيل ابنـه فقال ما يمنع ابن أبي سماك أن يخرج شباب الشيعـة فيكفـونـه مما يكفيـه الناس ويعطهم ما يعطي الناس، قال: ثم قال: لم تـركت عطاءك · قال: قلت: مخافــة على ديني، قال: ما منع ابـن أبي سمـاك أن يبعث إليك بعطـائك · أمـا علم أن لك في بيت المال نصيبا.

قلت: هـذا [ الخبـر] نص في الباب فإنــه عليــه السلام بيـن للسائل حيث قال: إنه ترك أخذ العطاء للخوف على دينه بأنـه لا خوف عليـه فإنـه إنما يأخذ حقـه حيث إنـه يستحق في بيت المال نصيبا وقـد تقـرر في الأصول بتعـدي الحكم بالعلـة المنصـوصـة.

القطيفي: جميع ما أورده وأورد في هـذا البـاب مـن الأخبار وغيـرها يأتي جـوابها في الجمع بين كلام الأصحاب لكن أحببت أن أشير إلى ما ذكر فيه مفصلا بيانا لقصـوره في الاستـدلال.

فأقول: هـذا الخبر أورده العلامة في المنتهى دليلا على جواز تناول جوائـز الظالم إذا لم يعلم أنها حرام، ولم يذكره في حل الخراج وتناولـه، ولاشك أن الاستـدلال يتبع الـدليل، والدليل لا إشعار فيه بالخراج على أن ما فهمه هذا المـؤلف من هـذا الخبـر ليس على الوجه، وذلك أنـه عليـه السلام أشار إلى الـرد على ابن أبي سماك في إعـراضـه عن الشيعة بقـولـه "أو لا يمنع... الخ " ثم سأل أبا بكر عن تـرك العطاء فأجابـه إن تركه مخافة فأقره عليه وأعرض عنه. ثم رجع إلى تقريع ابن أبي سماك وإلزامه بأنه تـرك الـدفع مع أنـه يعلم لكل من المسلمين حقا في بيت المال وهو يدفع إلى بعضهم دون بعض.

فحاصل الخبـر أن أبا بكر لـه حجـة في تـرك الأخـذ ولا حجة لابن أبي سماك في تـرك الـدفع فأين النص وأين نفيـه الخـوف هـذا والخبـر ممنوع صحة سنده فلا تثبت دلالته(27).

الكركي: ومنها ما رواه أيضا في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: قال أبو الحسن عليه السلام: مالك لا تدخل مع علي في شـراء الطعام إني أظنك ضيقـا، قـال: قلت: نعم، فإن شئت وسعت علي، قال: اشتره. وقد احتج بها العلامة في التـذكـرة على تناول ما يأخـذه الجائـر باسم الخراج والمقاسمة.

القطيفي: لا يخفى على من لـه أدنى تأمل في العلم أن هذا الخبـر لا يدل على تناول ما يأخـذه الجائـر باسم الخـراج، والمقاسمـة بشيء من الـدلالات غايـة دلالتـه أنـه يـدل على ابتياع الطعام على جهـة العمـوم وليس فيـه تصريح بأن الابتياع من الجائر ولو سلم

فنحن لا نمنع من جواز ابتياع ما يأخـذه باسم الخراج. فإن قيل: يدل من حيث عمومه، قلنا: قد ثبت إن شـرط صحـة الابتياع كـون البيع حلالا فالخراج إن كان حلالا جاز ابتياعه وإلا فلا، ولا دلالة في الخبـر على أن الخـراج حلال كما لا يخفى فإن معاملة الغاصب والابتياع منه وإن كان أكثر أمـوالـه غصبا جائـز لعموم الكتاب والسنـة، ولا يدل على ما في يـده من الغصب، وهـذا واضح(28).

وفي موضع آخر قال عن ابتياع مال الظـالم: "ونحـن لا نمنعه بل نكرهه".

المقاطعة العامة

 

الكركي: لكن قد يسأل عن قوله "فان لم يشتره اشتراه غيره   الخ "، وحاصله أن الحل مختص بمن ليس له دخل في قيام دولة الجور ونفوذ أوامـرها وفق شوكتها وهو معنى لطيف في زعمه.

القطيفي: هذا خلاف ما أصلـه من أن الخـراج لجميع المسلمين فإنـه إذا لا يفترق الحكم فيـه بالنسبـة إلى أهل يقـوم بـه الـدولـة وغيرهم. وفي الخبر الأول أعني رواية أبي بكر دلالـة على ذلك حيث رد على ابن أبي سماك بعـدم استعمال شباب الشيعـة على ما فهم المـؤلف، وأيضـا فـالأصحـاب أطلقوا من غير تفصيل ولم يذكروا أنه من خـواص الشيعـة، فالمخصص يحتاج إلى دليل، وهو مسلم كلامهم ويستدل بـه.

والـذي يخطـر ببالي أن قـولـه عليـه السلام "فان لم يشتره اشتراه غيـره" للإشارة إلى أن الامتناع من أمـوال الظالم لا فائدة مهمـة فيها إلا إذا كان أهل العصـر جميعا أو اكثـر هم على ذلك لأن الامتناع يفيـد تـورعــه عـن المظالم حينئـذ بسبب عـدم معاملـة الناس لـه، أما إذا لم يكن كـذلك لم يظهــر فائدته خصوصا أن أحدا لا يمنع عن معاملة من يعامله وإلا لبطل أكثر النظام فلا فائدة في الامتناع حينئذ، فقول الإمام ذلك للتنبيـه على هـذا، فالأحاديث وكلام القـوم على العموم، وأي محصل يجـزم بتخصيص ما هو عام بمثل هـذا الخيال مع أنـه لم يـزد على الدعوى شيئا(29).

الحسنان وجوائز معاوية

 

 الكركي: ومنها ما رواه الشيخ أيضا بإسناده عن يحيى بن أبي العلاء عن أبي عبد الله عليـه السلام عن أبيــه أن الحسـن والحسيـن عليهما السلام كانا يقبلان جوائز معاويـة. قلت: قـد علم أن مـوضع الشبهـة حقيق بالاجتناب، والإمام عليه السلام لا يواقعها، وما كان قبولهما عليهما السلام لجوائـزه إلا لما لهما من الحق في بيت المال، مع أن تصرفه كان بغيـر رضا منهم عليهم السلام، فتناولهما حقهما المترتب على تصرفـه دليل على جـواز ذلك لذوي الحقوق في بيت المال من المؤمنين نظرا إلى ثبوت التأسي. وقـد نبـه شيخنا في الدروس على هذا المعنى وفـرق بين الجائزة والظلم وبين أخـذ الحق الثابت في بيت المال أصالـة، فإن تـرك قبــول الأول أفضـل بخلاف الثـاني.

القطيفي: وبالله التوفيق: هذا الكلام مخبوط من أربعة أوجه:

الأول: أن معـرض استـدلالـه حل الخراج والرواية دلت على الجوائز، وبينهما بـون بعيـد، إذ جهـة حل الجائـزة عدم العلم بتحريمها والأصل عـدم التحـريم، وعمـوم ما دل على جـواز تناولها إذا لم يعلم غصبا بعينها وحل الخـراج يستـدعي دليلا يختصـه كما لا يخفى.

الثاني: أن قــولــه "قلت: لا خفاء أن موضع الشبهـة حقيق بالاجتناب والإمام عليـه السلام لا يـواقعها" لا طائل تحتـه، لأن الشبهـة التي لا يـواقعها الإمام إن أريد بها ما يقتضي المنع والتحـريم فغير الإمام من العدول كذلك، ونحن لا ندعي تحـريم مال الجائـر مطلقا وإن أريد ما يقتضي المرجوحيـة التي لا تبلغ التحـريم، فلـو سلمنا عـدم مـواقعـة الإمام لها قلنا لا يقتضي مواقعته إلا عدم المرجوحية بالنسبة إليه لا مطلقا. وقد يختلف الحال بالنسبـة إليه والى غيره والواقع هناك كذلك، فان جوائز الظالم مكروهة لسائـر الناس دون الإمام لأن حق الإمامة له وما في يد الجائر يستحق هو قبضه بالأصالـة بتقـديـر وقـوع الشبهة فيه لأنه أعلم بمصارفه ويدفع نوع الشبهـة عنـه، وهـذا غيـر القبض والمال حقه بالأصالة بخلاف غيره فإنه مرجوح بالنسبة إليه.

وقد نبه على ما قلناه الشهيـد رحمـه اللـه في دروسـه حيث قال: وتـرك أخـذ ذلك من الظالم مع الاختيار أفضـل، ولا يعارضه أخذ الحسنين عليهما السلام جوائز معاوية لأن ذلك من حقوقهم بالأصالة، على أن لنا أن نقـول إنهم فعلـوا ذلك تقيـة فلا دلالة فيـه أصلا.

الثالث: أن قـولـه "وما كان قبـولهما عليهما السلام لجـوائـزه إلا بما لهمـا مـن الحـق في بيت المال" ركيك ظاهر الـركاكـة لأنـه غيـر لازم أن تكـون الجائـزة من بيت المال لجواز أن يكون من خاصة ماله المملوكة لـه بأخـذ أنـواع التملكات. ومن هـذا يعلم (الوجه الرابع) من الخبط -أعني قـولـه: "فتناولهما حقهما عليهما السلام المتـرتب على تصرفه دليل على جواز ذلك لذوي الحقـوق نظـرا إلى ثبوت التأسي" لأن تناولهما لم يثبت أنه من حقهما من بيت المال حتى يتأسى لهما من هذه الحيثيـة(30).

الكركي: المسلك الثاني... إلى آخر ما نقل من العبارات.

القطيفي: وبالله التـوفيق وهـو ولي التحقيق:

أولا: حيث حققنا فيما مضى أن العـراق ليست مفتـوحــة عنــوة وأبطلنـا ما زيفه المؤلف من الأدلة على أن ذلك لم يجديه حل الخراج بتقـديـر تسلميـه لأنـه إنما يكون في الأرض المفتوحة عنوة ومحل قريتـه بحث عنها ليس كـذلك.

وثانيا: إنا قد حققنا أيضا أن كان أرض العراق مفتوحة عنـوة لا يقتضي حل الخـراج في مطلـوب هذا المؤلف.

وثالثا: أن حله إنما ثبت بتقديـر أخـذه من الجائـر ابتياعا لأنـه مدلول الروايات، والذي حكاه من الأقوال إنما هو قول عـدد قليل وبعضهم لم يـذكـر غير الابتياع كالشيخ في النهايـة وبعضهم كالعلامـة والشهيـد ذكـر غيـره وبعض من لم يذكره صرح بنفي غيره كما حكيناه عن السيـد الحسيني شارح النافع رحمـه الله، وظاهـر بعض الأصحاب أيضا ذلك، بل بعض ما ذكـره عبارتـه ظاهـره ذلك، فالتناول بغير الابتياع غايته أنه فتـوى آحاد من الأصحاب وليس دليلا إذ لا شاهد لـه من الأخبار ولا إجماع عليـه والعقل ينفيـه، وظاهـر الكتاب العـزيـز شاهـد بنفيــه، فلا يقوم حجة، وقد سبق ما فيه كفاية عند ذكره الاستلـزام فلا يتم مطلـوبـه.

ورابعا: أن حل التناول من الجائر مطلقا لو ثبت لم يستلزم حل الأخذ ابتداء فلا يحل غرضـه إذ غرضه حل الخراج مطلقا، ولا دلالة عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع بل ولا قول من يعتمـد عليه من الأصحاب، ألا ترى أنـه استـدل بالاتفاق المستنـد إلى عبارات الأصحاب ولم يذكر عبارة يدل على ذلك أصلا بل في بعضها ما يدل على العـدم كقـول الشهيـد في آخـر عبارته "وكما يجوز الشراء يجوز سائر المعاوضات والهبـة والصـدقـة والـوقف ولا يحل تناولها بغير ذلك" فسقط كلامه بالكليـة

ولنـرجع إلى تحقيق كلام الأصحاب في الباب تبـرعا وقصـدا لإبانـة الحق ومن اللـه تعالى نسأل الإسناد بإلهام الصــواب والسداد والتمسك بسبيل الـرشاد فنقـول: لاشك ولا خفاء في أن الأصحاب ذكـروا جـواز ابتياع ما يأخذه السلطان الجائر باسم المقاسمة وباسم الـزكاة من الأراضي والأنعام، ولا شبهة أن ذلك ليس من حيث الاستحقاق منـه لـذلك لا للعين المأخـوذة ولا لجواز الأخذ بل هو ظلم، كما لا شبهة أن هذه المسألة لا تعلق لها بحل الخراج وعـدم حلـه لأن الزكاة من الأنعام، والغلات لا تعلق لها بذلك بوجه من الوجـوه، وقـد أجازوا فيها ذلك مع أنها ظلم وغصب فلو كانت العلة حل الخراج لاختص الحكم به، ولم يخصه بـه أحـد فيما علمتـه، ومن ذكـر ذلك ذكـره غالبا في باب المكاسب وذكـر أنـه يجـوز ابتياع ما يأخـذه الجائـر من الـزكاة والأرض

بل لنا أن نقـول: إن أخـذ الظالم الخـراج من الأرض باسم المقاسمـة غصب وظلم، إذ لا يلزم من استحقاق المسلمين لـه جواز أخذه لغير واليهم، ولا جواز قسمتـه بحيث يبعث ما أخـذه لهم لأن قسمـة غيـر الـوالي غيـر معتبـرة، ألا ترى أنهم حكموا بجـواز ابتياع ما يأخـذه باسم الزكاة مع حكمهم إلا من شذ بعدم بـراءة الـدافع منها بل أوجبـوا الـزكاة عليـه فيما بقي عنـده ثانيا، وزكاة الجميع مع سبق تفـريطـه، وحـرمـوا الـدفع إليـه مع المكنـة، فيمكن أن يقال في الخـراج ذلك للاشتـراك في العلـة، ومما يـؤيـد هـذا ويؤيده بيانا أن مصرف الزكاة الثمانية المذكورين في الآيـة الكـريمـة.

وجـواز الابتياع لما يأخذه الظالم لا يختص بهم بل هو جائز على الإطلاق فلا يكون لعلـة الاستحقاق.

نعم قد وردت رخصـة بكفايـة ما يأخـذه الظالم عن الـزكاة دلت عليـه روايات من طرقنا لكني لم أقف على مفت بها بل اكثر من تعرض لها قـرب الإخراج ثانيا، أو لم يعتمد شيئا، إلا الشيخ في التهذيب فإنه قال فيه لما ذكر حديث أبي بكر وفيـه: وليس على أهل الأرض اليوم زكاة فإنه قد رخص اليوم لمن وجبت عليـه وأخذت منـه ذلك السلطان الجائر أن يحتسب من الـزكاة وإن كان الأفضل إخـراجـه ثانيا لأن ذلك ظلم ظلم به، ثم أورد الروايات الدالة على الإسقاط.

القطيفي: وحكمـه بأنـه ظلم ظلم به يقتضي الجزم بالإعادة لا أفضلية الإعادة إذا عرفت هذا فلا يخفى أن الجمع بين تحـريم مال المسلم إلا بوجه شرعي وتجويـز ابتياع ما يـؤخـذ منـه ظلما أمـر مشكل، فلابـد من تحقيق هذه المسألة لأنها من المهمات في الشريعـة، وسأفصل ما يتضح بـه في مباحث:

الأول: في ما يدل على أن ذلك حرام وظلم في الزكاة صريحا وفي غيـره بالإطلاق وما يتبعه من الضمان.

الثاني: في الجمع بين ذلك وبين جواز الابتياع من الظالم.

الثالث: في رد اللازم من هـذه المسألـة وتـوابعها.

فالبحث الأول فيه مسألتان:

الأولى: في المأخوذ من الزكاة.

والثانية: في المأخـوذ من غيـرها.

أما الأولى: فيدل على تحريم أخذها وأن المأخـوذ ظلم وعـدوان عمـوم قـولـه تعالى "إنما الصدقات للفقراء والمساكين" الآية، حصـرها فيمن ذكـره، فأخـذ غيـرهم إلا من الوالي عليها للقسمة بينهم وتصرفه بجميع الأنواع غيـر مشـروع وظلم لأهل الحق، وغيرها من الآيات وعموم قوله عليه السلام "خـذ الصـدقـة من أغنيائهم واجعلها في فقرائهم" فأخذها على غير الوجـه ظلم محـرم وعـدوان، ولأنها شـرعت لسـد فاقـة الفقراء ومواساتهم، فأخـذها لا لصرفها في الـوجـه مناف للحكمـة، فيجب أن يكـون محـرما ولأنها حق في العين، فيتـوقف تمييـزه على القسمـة الشـرعيـة أجاز الشارع للمالك الدفع منها أو من غيرها عينا أو قيمة إلى الـوالي والمستحق تحقيقا، فإذا لم يدفع لم تبرأ الـذمـة ولم يخـرج الاستحقاق عن العين عملا باستصحاب بقاء الحق إلى أن يتحقق ما يخـرج عنـه، وليس أخـذ الجائـر مخـرجا لأنه ليس واليا ولا مستحقا...(31).

وأما الثانية: فيدل عليها عموم الكتاب والسنة الدالين على تحريم التصرف في الأمـوال بغير حق، والعقل مؤيد له فإنـه حاكم بقبح ذلك فإن ما جعلـه اللـه تعالى في وجـه المصارف يقبح تغييره لمنافاته الحكمـة.

ويـؤيـده ما رواه الشيخ في التهـذيب عن علي بن يقطين قال: قلت لأبي الحسن عليـه السلام: ما تقـول في أعمال هـؤلاء · قال: إن كنت لابد فاعلا فاتق أموال الشيعة: قال: فأخبرني أنـه كان يجيئها من الشيعـة علانية ويـردها عليهم في السـر.  دل بفحـواه على التـرك مع الإمكان وعن النهي صريحا عن أموال الشيعة ولو كان أخذ الخراج من الحقوق التي ليست ظلما لم يجز ذلك.

ومن العجب أن المؤلف نقل هذا الخبـر وخبـر آخـر في آخـر رسالتـه وهـو ما رواه الشيخ عن الحسن بن الحسن الانباري عن الـرضا عليــه السلام - إلى أن قـال فكتب أبو الحسن عليـه السلام: فهمت كتابك وما ذكـرت من الخـوف على نفسك، فإن كنت تعلم أنك إذا وليت عملت في عملك بما أمر به رسول اللـه صلى اللـه عليـه وآلـه وسلم ثم يصير أعـوانك وكتابك أهل ملتك، فإذا صار إليك شيء واسيت بـه فقـراء المـؤمنين كان جائـزا وإلا فلا ثم قال ما ختم بـه رسالتـه: وما زلنا نسمع كثيرا ممن عاصرنا هم لاسيما شيخنا الأعظم الشيخ علي بن هلال قدس الله روحـه وغالب ظني أنه بغير واسطة بل بالمشافهة أنه لا يجوز لمن عليـه الخـراج والمقاسمـة سـرقتـه ولا جحوده ولا منعه ولاشيء من ذلك لأن ذلك حق عليهم.

فليت شعري كيف ختم بهـذه رسالته مع أن كلام الإمام صريح في عدم جواز أخذ الظالم له، وهو قـد سلم فيما مضى أن أخـذه محـرم عليه. وإذا كان محرما عليه كيف لا يجوز كتمانه عليه مع المكنة ولا سرقته ولا جحوده. وهل هذا إلا عدول عن قـول معصـوم وفتـوى قام الـدليل عقلا ونقلا عليها الاستشهاد بقـول فقيه جائز الخطأ أن يثبت صحة النقل عنـه.

ولـو شئت أن أقـول أن اختيار الـدفع إلى الظالم مع التمكن من الكتمان والسرقة والجحـود مما علم عـدم جـوازه من الـدين بالضرورة لقلت، لأن ذلك حق للمسلمين يجب إيصالـه إلى واليهم، فإذا كان غائبا وجب أن يوصل إلى نائبه وهـو حاكم الشـرع، فإن لم يكن فإلى مستحقـه حسبـه كالمال الذي في يده لغيره فانه يدفعه إلى من يستحق قبضه شرعا(32).

وأمـا  المبحث الثاني: وهو الجمع بين كون الآخذ غير مستحق وجـواز الابتياع، فهـو أن يقـول حيث لا يمكن حمل الكلامين على إطلاقهما ضـرورة أن كـون المال مغصـوبا. وظلمـا يقتضي المنع من جواز التصرف فيه وهو متحقق ولو في الزكاة على القول بـوجـوب إعادتها، وقد حكينا من أجلاء فقهائنا وذكرنا روايتـه عن أهل البيت عليهم السلام، فإنـه إذا ثبت وجوبهما ثانيا ثبت جزما أن ما اخذ فيه حق للمالك باق على استحقاقه فهـو في يد آخذه غصب بلا شبهة، فلا يمكن القول بجواز ابتياعه منـه مع أن القائل بـذلك أطلق جـواز الابتياع فيما أخـذه الظالم باسم الـزكاة، وإن من مـذهبـه عـدم بـراءة ذمـة المأخوذ منه ووجوب الإعادة فلابد من الجمع دفعا للتنافي العقلي والشرعي.

فنقول وبالله التوفيق: جهة الجمع هو أن المراد بالجائـر في كلام الأصحاب مخصـوص بمن له شبهة الإمامة، وقد أجيز لنا أن نعاملهم بمقتضى مذهبهم كما جاز ابتياع عوض الخمر من اليهود، وحينئذ إذا أخذ إمامهم منهم شيئا فهو مباح بالنسبـة إليـه والى رعيته المعتقدين إمامته، فيجـوز ابتياعـه وإن لم يكن مستحقا عنـدنا، وفي وجـوب التخصيص بما اخذ من معتقـدي الإمامة نظـر ينشأ من أن جـواز معاملتهم بمـذهبهم هل يقتضي العموم فلا يشترط الإباحة أو لا يقتضيه، فيشتـرط فعل عدم الاشتراط يجـوز وإن اخـذ من الشيعي، وعلى الاشتراط لا يجوز. وظاهر الأصحاب عدم الاشتـراط لإطلاقهم الجـواز من غيـر تفصيل ولعل الأقرب الاشتراط، وربما كان في الخبـر الـذي ذكـرناه سابقا عن علي بن يقطين دلالـة عليـه(33).

وأما الثالث: أعنى رد الخطأ في هذه المسألة فنقول: من علل جواز الابتياع بأن هذا مال لا يملكه الزارع وصاحب الأنعام فقد أخطأ لأنه لا يلزم من عدم ملكه له بتقدير تسليمـه بعينـه بأخذ الجائر ولهـذا حكم العلماء بضمان الـزكاة على المأخـوذ منـه، وبينهما تناف ظاهر، خصوصا أنه قال:   لأن هذا مال لا يملكه الزارع وأصحاب الأنعام والأرض فإنـه حق الله أخذه غير مستحقه فبرئت ذمته وجاز شراؤه. وليت شعري ما يجمع بين بـراءة ذمته وضمانه.

وإنما قلنا بتقدير تسليمه لأن المنع متـوجـه بأن يقال الـزرع ملكـه والأجرة عليه في ماله فتدبر.

ومن قال بعدم جواز منع الزارع ونحوه فقـد أخطأ لأنـه إذا تمكن وجب عليه المنع لأن المدفوع إليه غير مستحق فيجب منعه لأنـه من الأمـر بالمعروف ودفعه من المنكر، ومن أطلق جواز الهبـة بحيث يشتمل الـزكاة فقـد أخطأ لأن الزكاة متعينة للصرف في أصنافها فلا يجوز هبتها ولا قبول هبتها، وقـد يتـوجـه المنع في غير الزكاة أيضا لولا أن الجائر له من نصيب وافـر فيجـوز نظـرا إلى شبهـة  إمامتـه التصـرف فيما يهب منـه ولا يرد ذلك في الابتياع، فإن بيع الإمام للـزكاة جائز لأن صرف العين غير متعين ولأنه قد يبيع للمصارف المتوقفـة على البيع كسبيل الله.

وقد يعلم بالتنبيه المذكور أكثر الخطأ الوارد في الباب والله ولي الصواب وإليه المرجع والمناب(34).

فوائد خاتمة

 

وفي الخاتمة ذكر ثلاث فوائد، في الأولى بين أن احتجاج المحقق الكركي بفعل الرضيين والعلامة والمحقق الطوسي، ليس غلا لتقريب الأمر لأذهان العامة، وانه على فرض وقوعه ليس محل استشهاد، ذلك لأنهم وان كانوا من أهل التقوى والصلاح إلا أن فعلهم ليس بحجة، لاسيما إذا قام الدليل بمرجوحيته(35).

أما في الثانية فبين فيها اعتذاره لأرباب العلم والنظر والتقوى والورع فيما زل فيه الذهن أو غفل عنه القلب فإن ذلك شأن غير المنزل من كتاب أو سنـة، وأن صحـة جميع المطالب ليس من علامات الفضائل.

ثم أخذ في تبرير رده على المحقق الكركي قائلا: وفيما فعلتـه من النقض فإني إنما فعلته لاعتقاد وجوبه على أن هـذا المـؤلف - فيما علمتـه واللـه على ما أقـول شهيد - في مرتبة يقصر عما يدعيه لنفسه فأحببت أن اعرفه واعرف أهل الفضل مرتبتـه، وأيضا فرسالته هذه مع كونها واهيـة المباني ركيكـة المعاني قـد اشتهـرت بين أهل الراحة وحب الاشتهار بشعائر الأبرار فأحببت إظهار ما غفلـوا عنـه قـربـة إلى الله تعالى لئلا يضيع الحق فتدخل في سلك من رضي بإضاعتـه وسكت عن إنكار تضييعـه، لولا ذلك لكنت من المعرضين عنها، كما أعرضت عن جواب استغابته وإعرابـه من لا يؤمن على سفك الدماء المحرمة من الأعوام والله الحكم يوم القيامة.

وقال معتذرا عن تشنيعه: والعـذر فيها أيضا من التشنيع، فإن مثل ذلك جوابا عما سبق من تشنيعه جائز بل هـو الأمر بالمعـروف والنهي عن المنكـر إذا وقع في تصنيف سبب خطائـه فيـه، فإن بـدأ استحق الجـواب وهـذه عادة السلف، فان شككت في ذلك فلاحظ تصنيف العلامــة خصــوصـا المختلف، وانظـر ما شنع فيـه على ابن إدريس مع أن مصنفـه إمام المـذهب في العلم والعمل، وإنما فعلوا ذلك ليكون علماؤهم منزهين عن التعرض بمثل ذلك. قال الشاعر:

بسفك الدما يا جارتي تحقن الدما

وبالقتل تنجـو كل نفس من القتل

أما في الثالثة والتي ختم بها رسالته، ونختم بها بحثنا فقد أورد بعض الأحاديث للموعظة، وقال:

فأقف أيها الساعي من سعيك واقصـر من عجلتك وانتبـه من سنـة غفلتك وتفكـر فيما جاء عن الله عز وجل على لسان نبيـه صلى اللـه عليـه وآلـه وسلم، واحتفظـوا بهـذه الحروف السبعة فإنها من قول أهل الحجى ومن عزائم الله في الذكر الحكيم؛ إنـه ليس لأحد أن يلقى الله عز وجل بخلة من هذه الخلال:

1    الشرك بالله فيما افتـرض عليـه.

2    أو شفى غيظ بهلاك نفسه.

3    أو أمر بأمر يعمل بغيره.

4    أو استنجح إلى مخلوق بإظهار بدعـة في دينه.

5    أو سره أن يحمده الناس بما لم يفعل.

6    والمتجبـر المختال.

7    وصاحب الأبهة.

وعن الحسن بن محبوب عن حريـز قال: سمعت أبا عبد الله عليـه السلام يقـول:: اتقوا الله وصونوا أنفسكم بالورع وقووه بالثقة  والاستغناء باللـه عن طلب الحـوائج إلى صاحب سلطـان، واعلم أن مـن خضـع لصـاحب سلطان أو لمن يخالفه على دينه طلبا لما في يديه من دنياه أخمده الله ومقتـه عليـه ووكله إليه، فان هو غلب على شيء من دنياه فصار منه إليه شيء نزع اللـه البـركـة منـه ولم يأجـره على شيء ينفقـه في حج ولا عتق ولا بر.

هذا آخر ما أوردناه من كلام الفقيه المعظم، المحقق المدقق الشيخ إبراهيم بين سليمان القطيفي في رسالته السراج الوهاج لدفع عجاج قاطعة اللجاج في حل الخراج؛ والحمد لله أولا وآخراً.


الهوامش :

 

( 1) فقه الإمام الصادق/ الشيخ محمد جواد مغنية (ره)، 5/44-46.

( 2) الشيخ أحمــد (المقدس) الأردبيلي.

( 3) الخراجيات، رسالة المقدس الأردبيلي (الأولى)، مقاطع منها، من ص 230 - إلى آخر رسالته (ره).

( 4) الشيخ ماجـد بن فلاح الشيباني.

( 5) الخراجيات، رسالة الشيباني، مقاطع منها من البداية إلى النهاية، ص260-283

( 6)الخراجيات، رسالة المقدس الأردبيلي (الثانية)، مقاطع منها، ص251 - إلى آخر الرسالة.

( 7) الحدائق 18/243.

( 8) الحدائق 18/261.

( 9) الحدائق 18/265.

( 10) رياض المسائل، 1/507.

( 11) رياض المسائل، 1/509.

( 12) جواهر الكلام، 22/180-182.

( 13) جواهر الكلام، 22/176.

( 14) المتاجر والمكاسب من كتاب السداد/ الشيخ حسين العصفور، ص47-49.

( 15) كنز المسائل في شرح المختصر النافع/ الشيخ عبد الله بن الشيخ عباس الستري، (مخطوط).بخط حسين بن عبد الله الستري المركوباني، عام 1242هـ، وعليها تعليقات للمؤلف.

( 16) تحفة السائل/ الشيخ جعفر أبو المكارم، (مخطوط)، بخط الحاج أحمد آل كبيش (ره) السيهاتي، عام 1337، وعليها تعليقات للمؤلف.

( 17) السراج الوهاج، ص36-41

( 18) المصدر 41.

( 19) المصدر، ص42-43.

( 20) المصدر، ص43.

( 21) المصدر، ص48-53.

( 22) المصدر، ص62.

( 23) المصدر، ص62-63

( 24) المصدر، ص67.

( 25) المصدر، ص74-75.

( 26) المصدر، 80.

( 27) المصدر، ص107-108.

( 28) المصدر، ص108.

( 29) المصدر، ص109.

( 30) المصدر، 111-112.

( 31) المصدر، ص116-119.

( 32) المصدر، 120-121.

( 33) المصدر، 122-123.

( 34) المصدر، 124-125.

( 35) المصدر، ص125-126