|
العدد 7 |
|
الشيخ ابراهيم القطيفي وعصره |
|
محمد أمين ابو المكارم |
الحركة تولد الحيوية والنماء، والفكر المتحرك هو فكر الحياة المتجدد، كالماء تماما، المتحرك الجاري منه هو ماء الحياة، وما ميز الفكر الإسلامي على مر العصور هو حيوته ومواكبته للعصر ومستجداته، بحكم وضعه للأسس العامة والضوابط التي تكفل للمتخصص سلوك الجادة القويمة للوصول إلى الحل الأمثل طبق ما شرعه الله من أحكام، وبحسب ما أدى إليه اجتهاد ذلك المتخصص الذي تتوفر فيه المؤهلات للاضطلاع بهذه المهمة.
الأحكام الإسلامية ثابتة في جوهرها، أما الموضوعات فتتغير بتغير الزمان، وتطرأ موضوعات جديدة، لظهور متغيرات جديدة لا سيما على صعيد الحياة العملية والاجتماعية والسياسية.
ومهمة التصدي لمثل هذه المتغيرات، وإيجاد الضوابط لها في حدود الشريعة، هي من وظائف المتخصص وهو الفقيه الجامع لشرائط الفتوى، أو بتعبير آخر نائب الإمام، أو الحاكم الشرعي.
وبتعدد من تتوفر فيهم الصفات والمؤهلات اللازمة لوضع الضوابط، يتعدد الفقهاء نواب الأئمة، وبالرغم من الاتفاق على مصادر التشريع الأساسية، إلا أن اختلاف الأفهام يؤدي إلى تعدد وجهات النظر، فربما نظر فقيهان إلى دليل واحد واستخرجا منه نتيجتين مختلفتين، وربما نظر أحدهما إلى دليل واستخرج منه نتيجة معينة، بينما يمر آخرون على ذات الدليل ولا يستشفون منه نتيجة معينة تدلهم على مرادهم.
حدث مثل ذلك في عصر الصحابة، وهم قريبون من عصر النص، بل هم في عصر النص، فلا غرابة إذن إذا حدث ذلك لمن جاء بعدهم بقرون عديدة، مع اختلاف الأزمان، والأفهام، بل واللغة أيضا، بل لا شك بأنهم سيقعون في الاختلاف بشكل طبيعي بحكم العوامل المذكورة، وغيرها.
هذا النوع من الاختلاف، مع وجود الضوابط والحدود الأساسية، هو الذي أدى إلى إثراء الفكر الإسلامي، وجعله ديناميا مواكبا للعصر، مستوعبا لمتغيراته. كما كان أحد الأسباب لتعدد المدارس الفقهية والكلامية وتنامي صراعاتها.
ومن الموضوعات القديمة الجديدة التي كان للفقهاء فيها نظر واختلاف هو موضوع التعامل مع السلطة، من حيث الجواز وعدمه، وضوابط التعامل وحدوده ومبرراته وأدلته، وتفاصيل أخرى متعلقة بالموضوع. ومنذ وفاة الإمام علي (ع) وصلح الإمام الحسن (ع) مع معاوية بدأت النظرة إلى السلطة القائمة تتشكل بصورة مغايرة إلى ما كانت عليه من قبل لا سيما مع انتشار القمع، وكثرة الفتن، وتعدد الثورات، الذي أدى في النهاية إلى إسقاط الدولة الأموية، وظهور الدولة العباسية على أشلائها، واستمرت النظرة كما هي، إلا في فترات استثنائية وبنظرة استثنائية تكاد تكون شخصية أو ظرفية أكثر من كونها منهجية أو عامة.
الاختلاف حول مسألة التعامل مع السلطة أخذ في التنامي حتى وصل الذروة في عصر الصفويين، حيث اتخذت الدولة الصفوية لنفسها من الدين شعاراً ومن رجال الدين دثارا، فكان لا بد من خوض رجال الدين في مسألة الحكم وإدارة البلاد وأحكام العباد بشكل مباشر.
وسواء كان خوضهم غمار السلطة ومباشرة الحكم كان من باب القناعة المطلقة، أو من باب تقويم ما يمكن تقويمه، واستنقاذ ما يمكن استنقاذه، أو من باب أنه أمر لا بد منه شاءوا أم أبوا، أو من أي باب آخر،... وبقطع النظر عن المبررات.. هذا التزاوج بين علماء الدين والسلطة، أرضى فريقا من العلماء فسار في الخط، وعمل على تقوية دعائمه، وبذل ما في وسعه لتطبيق ما يرى صحته، في حين أنه أغاظ فريقا آخر من العلماء، بحيث نشب الصراع العلمي بين الفريقين، وأخذوا في كتابة الرسائل إبراما لوجهات نظرهم، ونقضا لوجهات نظر الفريق الآخر.
هذا الصراع أسس لوجهات نظر جديدة في عالم التعامل مع السلطة وصلت في النهاية إلى الاندماج في سلطة واحدة تمثل السلطتين الدينية والزمنية في وقت واحد، بدلا من التعدد والتزاوج كما كان قائما في عصر الصفويين.. وبلفظ آخر شكل مرحلة انتقالية هيأت لتقبل عودة اندماج السلطتين الدينية والزمنية -التشريعية والتنفيذية- في سلطة واحدة كما كانت عليه قبل فصلهما بصلح الإمام الحسن (ع) مع معاوية.
واشهر ما وصل إلينا من نتاج لهذا الصراع هو الرسائل الخراجية وأشهرها الرسالة التي وضعها المحقق الكركي: «قاطعة اللجاج في حل الخراج»، والرسالة التي وضعها الشيخ إبراهيم القطيفي في نقضها: «السراج الوهاج لدفع عجاج قاطعة اللجاج»..
|
بداية الأزمة |
حينما أعلنت الدولة الصفوية المذهب الشيعي الإمامي الاثني عشري مذهبا رسميا للبلاد، كان لا بد لها من الدعم العلمائي، سواء من جهة إعطاء الشرعية، أو من جهة تثبيت دعائم المذهب.
ولم تكن إيران وقتها بذاك الزخم والتوهج العلمي الذي صارت عليه فيما بعد؛ لذا كان لزاما عليها أن تستعين بعلماء المذهب في العراق لترويجه، كما استفادت من الأفواج المهاجرة من العلماء من حواضر العلم الاخرى من جبل عامل والبحرين(1) الذين بنوا لبنات التشيع ببنات عقولهم، بعد أن تركوا الأهل والوطن رغبة ورهبة: رغبة في خدمة الدين، ورهبة من الفتك في تلك الحقبة.
وإذا كانت محاولات التغيير لم تؤت ثمارها في البحرين وجبل عامل فإن الأمر كان على الضد تماما في إيران، فقد بدأ التشيع يتنامى حتى صار على ما هو عليه اليوم على يد العلماء العرب من ذينك البلدين والذين صارت لهم قوتهم المهابة من قبل السلطة ذاتها والتي لم يكن بمقدورها أن تتجاوزهم بشكل صريح.
ومن بين أولئك الذين كان لهم تأثيرهم البالغ المحقق الثاني الشيخ علي بن حسين بن عبد العالي الكركي العاملي الشهير بالمحقق الثاني، والذي أضفي عليه لقب شيخ الإسلام كمنصب رسمي في البلاط الصفوي، والشيخ إبراهيم بن سليمان القطيفي الذي رفض الدور الرسمي واكتفى بأداء واجبه من خارج منظومة السلطة. وكان هذان العالمان من أشهر علماء النجف حينها، وسيتبين هذا أكثر مما سيأتي من النصوص لاحقا.
إلى هنا لا يبدو سبب المشكلة واضحا، ومن أجل أن ندرك أبعاد الأزمة لا بد لنا من العودة أدراجنا إلى التاريخ حينما انفصلت السلطة الدينية عن السلطة الزمنية بصلح الإمام الحسن (ع) مع معاوية.
منذ ذلك الوقت والسلطة الزمنية تعتبر عند الشيعة سلطة مغتصبة للحق الشرعي من أهله الممثل في أئمة أهل البيت، وبما أنه يمارس سلطة ليست من حقه، فهو بالأصالة مغتصب وجائر حتى ولو عدل، لأن الأساس المبني عليه هذا العدل ليس صريحا.
من هنا كان لعلماء الشيعة بعد الغيبة موقف من سلاطين الدول المتعاقبة على بلاد الإسلام من الدولة الأموية والعباسية إلى غيرهما من الدول؛ هذا الموقف في الغالب موقف رفض وتجنب، ذلك لأن منصب الحكومة والقضاء منصب الإمام، ولا يحق لأحد أن يصادر حقه إلا إذا كان نائبا خاصا من قبله.
ويرى بعض الباحثين أن أول من أشار إلى النائب العام في نصوصه الفقهية بشكل صريح -وان الفقيه الجامع لشرائط الفتوى قائم مقام الإمام الأصل في عصر الغيبة في القضاء والحكم- هو الشهيد الأول في لمعته، واعتبر من عداهم قضاة جور والمتقاضي عندهم عاص(2).
هذا هو المتداول بين الباحثين، لكن هذا الاطلاق ليس دقيقا، ذلك لأن التنظير لمرحلة ما بعد الغيبة الصغرى بدأ أثناءها، بل لم تكن إلا لهذا الغرض، والروايات الواردة عن أهل البيت، كرواية عمر بن حنظلة عن الإمام الصادق: ... ينظران [إلى] من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكما فإني قد جعلته عليكم حاكما فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فانما استخف بحكم الله وعلينا رد والراد علينا الراد على الله وهو على حد الشرك بالله(3).
هذه الرواية وأمثالها تدل على أن النائب العام بالصفة لا بالتعيين، وهذا أساس قد وضعه أئمة أهل البيت وسار عليه فقهاء الآمة عبر العصور؛ نعم المفاهيم تتبدل وتتطور بتطور الزمان، فكلما جاء فقيه ورأى متغيرات زمانه نظر بعين تختلف عن عين سابقه، وكان للشهيد الأول دور بارز في بلورة الكثير من الآراء التي تبناها الفقهاء من بعده.
ومن خلال الروايات وآراء الفقهاء يتبين أن المسألة ليست مسألة قضاء فحسب، وإنما تدخل فيها جميع الأحكام الشرعية والعناوين التي لها علاقة بشكل مباشر (أو غير مباشر) بالسلطة، كصلاة الجمعة، والزكاة والخمس، والخراج،... وغيرها؛ أي جميع شؤون الحياة.
... وما أن آلت مقاليد الأمور في إيران إلى الصفويين، وضعوا علماء الدين في المواجهة مع نظرياتهم بتسليمهم مسئوليات مباشرة وحساسة في منظومة الحكم القائم، وكان لا بد أن تطفح كثير من المشاكل والمواجهات على السطح، لا سيما مع اختلاف وجهات النظر بين العلماء.
كانت مسألة التعامل مع السلاطين مسألة فيها نظر عند العلماء، وها قد أصبحت السلطة بيد حكام شيعة، وصار بيت المال بيدهم، وصارت الأراضي لا سيما الموات منها تحت سلطتهم، ولا بد أن تكون هناك أعطيات وهدايا من الحكام للعلماء أو للرعية، فما هي وجهة نظر العلماء حيال هذه المسألة، خصوصا وأن المصدر الأساسي لبيت المال كان الخراج، والذي كانت لهم فيه وجهة نظر مختلف فيها أيضا.
|
القطيفي: بطاقة تعريف |
أبو إسماعيل إبراهيم بن سليمان القطيفي الخطي الحلي الغروي.
فقيه من فقهاء الأمة الإسلامية وعلم من أعلامها، بل من كبار مجتهديها وأعلام فقهائها ومحدثيها(4)، وبالرغم من الضجة الكبرى التي أثيرت حول صراعه مع المحقق الكركي، إلا أنه لم ينل حقه من الدراسة ولم تسلط الأضواء بشكل كاف على حياته، وعلى الأقل ليس بمثل ما ناله زميله، وأستاذه ومجيزه، وخصمه فيما بعد.
نعم لا يزال يوجد مسجد في القطيف يعرف باسمه، يقع فيما يعرف بالقلعة سابقا -قبل هدمها-. وهذا يدل على عمق تواجده في القطيف؛ إذ بعد كل هذه القرون ولا يزال المسجد يحمل اسمه.
فمتى كان مولده؟ وكيف كانت حياته فيها؟ وما الدور الذي كان يؤديه؟ وهل كان للقطيف وعلمائها دور في الصراع الذي نشب بينه وبين الكركي؟ وكم سنة عاش فيها قبل هجرته إلى حواضر العلم؟ وكثير من الأسئلة الحائرة التي تحتاج إلى إجابة مستفيضة لتسلط الضوء على حياة هذا الفقيه، وعلى حقبة من تاريخ المنطقة الزاخر بالعلم والعلماء، خصوصا وأنها فترة حكم الدويلات المحلية الصغيرة، وفترة ما قبل ظهور حركات التغيير في العالم الإسلامي والتي امتدت سلطة بعضها إلى المنطقة فيما بعد.
لا نملك إجابة شافية عن كل هذه الأسئلة والوقت وطبيعة البحث لا يسمحان بمثل ذلك، لكن سنجيب على بعضها بحسب المتوفر لدينا من المصادر، ولعلنا نوفق لعودة لدراسة حياته مرة أخرى بدراسة وافية شافية.
|
مولده، نشأته، هجرته، وفاته |
لم نجد مصدرا يذكر مولده ووفاته على وجه التحديد(5).
ولم نجد من تحدث عن نشأته العلمية في القطيف علما ان الظواهر تؤكد بأنه هاجر إلى العراق عالما كبيرا. كما ان المصادر لا تتحدث عن عودته إلى القطيف بعد هجرته منها.
قيل بأن هجرته إلى النجف كانت عام 913هـ(6)، وقد أجاز بعض العلماء بعد قدومه إلى النجف بسنتين، بينما إجازات علماء العراق له مؤرخة بتواريخ متأخرة عن ذلك، وهذا يعني أنه قدم العراق في تلك السنة عالما مجازا.
كما أن رسالة الكركي (قاطعة اللجاج) مؤرخة بعام 916هـ، وقد ألفها بعد نزاع دام بينه وبين القطيفي وغيره من العلماء، وهذا يعني ان الحوار الذي جرى بينهما سابق للرد الكتبي.
ما نريد قوله مما سبق، إن القطيفي هاجر من القطيف عالما كبيرا محلا للاستجازة، ومحلا لمناجزة الكركي، ولولا ذلك لما أقيم له وزن من قبل معارضي الكركي حتى اختاروه لمناظرته في مجلس طهماسب، وان كان ذلك لم يتم.
وبما انه كان مجتهدا عام 915هـ(7)-وان كنا نرى اجتهاده سابق لهذا التاريخ، إذ لا بد انه كان أعلى من كونه مجرد مجتهد أثناء رحلته إلى إيران، وتصديه للموقف، وقصده من قبل المسؤولين وصمت العلماء الكبار الآخرين عنه يدل على ذلك- فان مولده على تقدير كون عمره حينها في الخامسة والثلاثين يكون في حدود 885هـ، أو قبلها.
وما نستطيع ان نؤكده هو أن ميلاده كان في أواخر القرن التاسع، ولعله في العقد السابع أو الثامن منه، والله العالم.
وقد تزوج من كريمة أستاذه الشيخ علي بن هلال الجزائري، حيث ذكر في إجازته للاصفهاني ان الأخير عمه؛ وليس معلوما إن كان هذا زواجه الوحيد أم أنه مسبوق بزواج في القطيف قبل هجرته.
وله ولد فقيه عالم يدعى الشيخ علي، له كتاب شرح ترددات المختصر النافع (توضيح العلل في ترددات المختصر)، موجود في مكتبة آية الله المرعشي برقم: 5657(8)، ولعله سبط الشيخ علي بن هلال الجزائري، ولذلك سماه القطيفي باسم جده تيمنا.
أما عن وفاته فمن المؤكد انه كان حيا سنة 945هـ، وهي سنة فراغه من تأليف (الفرقة الناجية)، و (نفحات الفوائد)(9)، أما ما ذهب إليه الشريف من أن وفاته كانت بعد 951هـ(10) فلعله صحيح لكن لم نجد ما يدل عليه كما أنه هو نفسه لم يوثقه. ولعله استند إلى ما ورد في تعليقة اللؤلؤة حيث قال: "كان حيا سنة 951هـ، وهي السنة التي فرغ فيها من تأليفه الفرقة الناجية كما كتب في آخره، وتوجد نسخته المخطوطة عندنا بخط فرج الله بن سالم الجزائري(11)". وأغلب الظن انه خطأ طباعي أو اشتباه بين سنة النسخ وسنة التأليف، أو اشتباه من الناسخ نفسه(12).
|
هل كان القطيفي قطيفياً؟ |
إن الغموض الذي يلف تاريخ نشأة القطيفي على شهرته يسترعي الانتباه، ويستدعي طرح بعض التساؤلات.
فهل كانت أصوله قطيفية وولد في القطيف ثم هاجر إلى العراق؟ فإذا كان الأمر كذلك؛ فهل عاد إليها بعد ذلك، ومتى؟ ذلك لأن المشهور أن وفاته كانت في النجف.
أم أن أصوله قطيفية، إلا أنه ولد في غير القطيف كالنجف مثلا؟ وهذا ليس بمستغرب.
أم أن أصوله غير قطيفية وولد في القطيف، وبالتالي نشأ فيها ونسب إليها؟
أم أنه أصوله ومولده ليسا قطيفيين، وانما هاجر إلى القطيف فترة ما ونسب (وانتسب) إليها؟
المشهور، ورواية صاحب اللؤلؤة يقولان بأصله القطيفي، بل هو نفسه في إجازاته ينسب نفسه كذلك كما في إجازاته التي في البحار(13)، لكن الغموض الذي يكتنف حياته فيها يثير الاستغراب حقا، خصوصا وان سلسلة نسبه لا تتجاوز ذكر أبيه، ووجود امتداد له في القطيف كما ينقل العمران في أزهاره(14) لا يدلل على أصوله بقدر ما هو شاهد على تواجده فيها في حقبة ما.
لماذا لا يكون من أصل قطيفي، ولد ونشأ في غير القطيف، كالحلة أو النجف، ثم لما تفاقمت الأزمة بينه وبين الكركي هاجر إلى وطنه الأصلي القطيف، كما هاجر الكركي إلى العراق؟ وربما كان حنينا إلى الوطن، حيث عاد وأقام بها مدة من الزمن.
ولنضع في الحسبان أيضا ما نقل من أن الشيخ علي بن هلال الجزائري كان عم القطيفي، والمفهوم من العرف السائد عندنا، وبسبب اختلاف الأسماء ان يكون عمه والد زوجته، إلا أن الخوانساري في روضاته قرر بأن القطيفي ابن أخي الجزائري(15)؛ فهل هذا فهم مغاير لما نقل من عبائر القوم، أم أن لديه دليلا صريحا على ذلك يوضح أن العلاقة بينهما بنسب لا بمصاهرة؟
إذا كان الثاني فلا شك انه يعضد الرأي المشكك في قطيفية الشيخ إبراهيم، خصوصاً اذا علمنا أن القطيفي كان يقيم بعض الفترات في الجزائر (التي ينسب اليها أستاذه وعمه الشيخ علي بن هلال الجزائري) وقد كتب بعض كتبه فيها ومنها كتاب الفرقة الناجية (راجع ثبت المؤلفات) إلا أن يقول قائل، لعل العكس هو الصحيح، فربما يكون في ذلك إشارة إلى أن الجزائري من أصل قطيفي. لقد بحثنا عن الإجازة التي اعتمدوا عليها في مقالتهم بوجود العلاقة، لكن للأسف لم نعثر عليها.
ربما يكون في هذه النظرة شيء من المبالغة، لكن سببها ندرة المعلومات عن حياته في القطيف. ولعل المستقبل يكشف لنا عن مصادر معلومات تكشف هذا الغموض، وتوضح الحقيقة.
|
أساتذته ومجيزوه |
القطيف والبحرين، والنجف والحلة، وجبل عامل؛ هذه المناطق الثلاث كانت حواضر العلم الشيعية في تلك الحقبة؛ ففي أيها تخرج القطيفي؟
ليس لدينا معلومات عن أساتذته في القطيف والبحرين مع ما لهما من مكانة علمية لا تنكر خصوصا في تلك الحقبة(16)، وقد رجعنا إلى إجازاته المدونة في البحار أملا في العثور على ذكر لأساتذته أو مجيزيه في القطيف أو البحرين لكن لم نعثر على شيء من ذلك، كما أنه لم يذكر شيئا من ذلك في رسالته (السراج الوهاج)، ولا اظن أن لهم ذكرا في سائر مؤلفاته، وهذا يجعلنا نشكك في أمرين:
الأول: كونه تلقى شيئا من علومه في المنطقة، أو على الأقل كونه نال إجازات منها، بحيث لو كان لبان في إجازاته التي كتبها لتلاميذه.
الثاني: كون الهجرة المؤرخة بـ 913هـ هي رحلته الأولى للنجف، ولعلها كانت إحدى رحلاته، أو رحلته إليها بعد العودة من إيران.
وربما يكون قد تلقى علومه كافة في العراق؛ أما إذا صح ما نقل بأن الشيخ علي بن هلال قد هاجر إلى كرك نوح مسقط رأس الكركي، وأن الكركي قد تلقى علومه عليه فيها(17)، فليس بعيدا من الصحة حينها لو قلنا بأن القطيفي تلقى شيئا من علومه في جبل عامل، وإن كان هذا أمرا لم يحدثنا به تاريخ الحركة العلمية في المنطقة من قبل بشكل واضح.
وربما أيد الرأي الأخير ما جاء في اللؤلؤة والروضات من أن الشيخ محمد بن أبي جمهور الأحسائي صحب الشيخ علي بن هلال الجزائري إلى كرك نوح وقرأ عليه وروى عنه واستفاد منه في تلك الصحبة(18).
وسنلاحظ فيما بعد أن أحد مجازي القطيفي -علي بن هلال الكركي- مجاز من قبل مجموعة من العلماء كلهم عامليون باسثناء القطيفي، وربما عضد هذا من الاحتمال الذي ذكرنا حيث أن المجاز عاملي والمدرسة على ما يبدو كذلك، والمجيزون جميعا عامليون باستثناء القطيفي؛ فلم لا يكون الأمر تم في جبل عامل؟ وإن كان يبقى مجرد احتمال.
أما أساتذته ومجيزوه من غير القطيف، فمنهم:
الشيخ علي بن هلال الجزائري، وكان الشيخ علي الكركي والشيخ عز الدين الآملي من زملائه في الدرس(19)، وقيل إنه يروي عن الجزائري بواسطة وبلا واسطة، أما روايته بالواسطة فهي عن الوراق، وأما بلا واسطة فقد صرح بها العديد من العلماء كصاحب رياض العلماء، وروضات الجنات(20)، والشيخ محمد بن زاهد النجفي(21)، والشيخ إبراهيم بن الحسن المشهور بالوراق(22).
|
القطيفي لا يروي عن الكركي |
قال صاحب اللؤلؤة: ... وعن شيخنا المجلسي، عن والده، عن السيد الحسيب السيد حسين بن السيد حيدر الحسيني الكركي المفتي في عصره باصفهان، عن السيد الأعظم شجاع الدين محمود بن علي الحسيني المازندراني، عن الشيخ حسين بن عبد الحميد، عن الشيخ إبراهيم القطيفي؛ والمولى المحقق المحمود الجابلقي والسيد عبد الحسين الاسترآبادي، جميعاً، عن الشيخ المدقق مروج مذهب الإمامية في الدولة الصفوية علي بن عبد العالي الكركي، إلى آخر ما تقدم وما سيجيء من طرقه(23).
وقال: والعجب أنه مع كونه يروي عن الشيخ علي الكركي المذكور كان له معه معارضات ومناقضات(24).
وقال الشيخ أحمد الاحسائي إن الشيخ إبراهيم روى عن الشيخ علي بن عبد العالي الكركي عن الشيخ الامام نور الدين علي بن هلال الجزائري(25).
وقال السيد الأمين في أعيانه: قال المجلسي وغيره إنه يروي عن المحقق الكركي عن علي بن هلال الجزائري(26).
وعلى ما يبدو ان الاحسائي والأمين قد أخذاها عن الشيخ يوسف (ره)، إذ لم يفصحا عن مصدرهما، أما الشيخ يوسف فلا نعلم بالتحديد من أين أخذها، ولعلها تنوقلت عبر الإجازات المتعود اعطاؤها من عالم إلى آخر جيلا بعد جيل.
أما إذا كان قد أخذها عن البحار، فإن في النفس منها شيء، ودعنا نرى ما يقول صاحب البحار لنرى إن كان القطيفي حقا يروي عن الكركي؟!
يقول المجلسي في بحاره على لسان السيد حسين بن السيد حيدر الحسيني الكركي يعدد بعض أسانيده: وأما السيد شجاع الدين فيروي عن جماعة منهم الشيخ حسين بن عبد الحميد ومولانا كريم الدين الشيرازي عن الشيخ إبراهيم بن سليمان القطيفي والمولى المحقق مولانا محمود الجابلقي عن الشيخ علي بن عبد العالي وكذلك عن السيد عبد الحي الاسترابادي عن علي بن عبد العالي(27).
وواضح أن لفظة (جميعا) التي أوردها المحقق العصفور في لؤلؤته ليست واردة في نص البحار، وعدم وجودها يرفع اللبس، حيث أن الشيخ حسين بن عبد الحميد ومولانا كريم الدين الشيرازي يرويان عن الشيخ إبراهيم القطيفي، بينما الجابلقي وكذلك السيد عبد الحي -كما في البحار وعبد الحسين كما في اللؤلؤة- الاسترآبادي يرويان عن الكركي.
أضف إلى ذلك حالة الحرب القائمة بينهما منذ عرف تاريخهما معا .. وحتى وفاتهما، مما يستبعد معه أن يكون بينهما هذا النوع من العلاقة التي تتطلب وفاقا وتواضعا بين الطرفين.
ومن هنا فاني أشكك في رواية القطيفي عن الكركي، والله العالم بحقائق الأمور.
ويروي عنه جماعة من العلماء، منهم(28):
1- السيد معز الدين محمد بن تقي الدين محمد الحسيني الاصفهاني، تاريخها 928هـ، في المشهد المقدس الغروي.
2- والسيد شريف الدين الحسيني المرعشي التستري، تاريخها 944هـ.
3- والسيد الأميرزا نعمة الله الحلي
4- والمولى الشيخ شمس الدين محمد بن الحسن الاسترآبادي، تاريخها 920هـ.
5- والشيخ حسين بن عبد الحميد
6- والمولى كريم الدين الشيرازي
7- والمولى الشيخ شمس الدين محمد بن تركي وتاريخها 915هـ.
8- والشيخ منصور بن محمد بن تركي
9- والمولى شاه محمود الخليفة الشيرازي.
10- ومن مجازيه الشيخ علي بن هلال الكركي الاصفهاني المتوفى بعد 984هـ، ذكر ذلك الاصفهاني نفسه في إجازته لملك شمس الدين محمد الاصفهاني(29). وهذه الإجازة -القطيفي للكركي- لم يذكرها أحد من مترجمي القطيفي ولا الكركي(30).
|
مؤلفاته |
ومن مؤلفاته رحمه الله:
1- أدعية سعة الرزق وقضاء الدين في مجموعة مختصرة(31).
2- الأربعون حديثا ينقل عنه العلامة المجلسي في البحار(32).
3- تحقيق الفرقة الناجية، فرغ منه في 5 صفر 945هـ بمدينة الجزائر(33).
4- حاشية على الشرائع(34).
5- الثمانية عشر حديثا، وهي تتمة تحقيق الفرقة الناجية(35).
6- شرح الألفية للشهيد، فرغ منه 939هـ(36).
7- الرسالة الحائرية(37).
8- الرسالة الرضاعية، ردا على المحقق الكركي(38).
9- رسالة في حرمة صلاة الجمعة في زمن الغيبة مطلقا، ردا على المحقق الكركي في قوله بوجوبها مع وجود المجتهد الجامع لشرائط الفتوى(39).
10- رسالة في حرمة السجود على التربة المشوية (المطبوخة)، فرغ منه 933هـ، وقد رد عليها الكركي. ذكرت عند ذكر رد الكركي عليها(40).
11- الرسالة الصومية(41).
12- رسالة في شرح عدد (محرمات الذبيحة)، مختصرة(42).
13- السراج الوهاج لدفع عجاج قاطعة اللجاج وهو موضوع بحثنا وقد سبق الحديث عنه.
14- شرح الأسماء الحسنى، فرغ منه في سنة 934هـ(43).
15- النجفية في سهو اليومية(44).
16- نفحات الفوائد ومفردات الزوائد، فرغ منه 945هـ، في أجوبة المسائل الفرضية(45).
17- كشف الفوائد في شرح القواعد للعلامة(46).
18- نوادر الأخبار الطريفة(47).
19- النية(48).
20- الهادي إلى الرشاد في شرح الإرشاد للعلامة(49).
21- واجبات الصوم(50).
22- شرح الجعفرية(51).
23- الامالي(52).
24- مجموعة إجازاته لتلاميذه التي تصل إلى عشر إجازات، وقد ذكرناها مفصلا فيما سبق.
|
منزلته العلمية |
وصفه علماء الرجال بأوصاف جليلة؛ قال عنه الحر العاملي: عالم فاضل محدث(53).
وقال صاحب البحار الذي يروي عنه بالوسائط: الشيخ المدقق المتبحر إبراهيم(54)، وقال في موضع آخر: الشيخ المحقق إبراهيم(55).
وقال صاحب الحدائق في (الكشكول) عن رسالة لصاحب (رياض العلماء): الشيخ إبراهيم بن سليمان القطيفي، ثم الغروي، ثم الحلي، الإمام الفقيه الفاضل، العالم الكامل، المحقق المدقق، المعاصر للشيخ علي الكركي ... وكان (ره) زاهدا عابدا ورعا مشهورا تاركا للدنيا برمتها(56).
وقال صاحب الروضات: الامام النبيل ... كان عالما ورعا صالحا من كبار المجتهدين وأعلام الفقهاء والمحدثين(57).
وقال البلادي: العالم العامل المشهور، صاحب المصنفات الكثيرة، انتقل من القطيف وقطن النجف وكان أكبر علمائها ثم انتقل إلى الحلة(58).
ونقل أنه هاجر من الحلة إلى النجف لا العكس، وعد من الذين تعهدوا الحركة العلمية في النجف بعد انقراضها من الحلة(59).
... إذا تكلم المصنفون عنه بمفرده أثنوا عليه وعلى علمه وورعه، أما إذا ورد ذكره ضمن الحديث عن صراعه مع المحقق الكركي فانك تجد بعضهم يحط من قدره بالنسبة إلى مكانة الكركي، ومنهم صاحب الجواهر الذي وصفه بسوء الأدب مع الكركي في جواهر الكلام(60)، والسيد علي بحر العلوم الذي قال إن مثله لا يعبأ به(61)، والأمين الذي قال بأنه أطال لسانه على الكركي(62)،.. وغيرهم.
ومهما كان من شدة القطيفي على الكركي في رسائله وعلى رأسها السراج الوهاج، إلا أنها لا تخرج عن حدود ما ألفه العلماء في أدبياتهم، يؤكد ذلك عبارات صاحب الجواهر بحق القطيفي، وغيره؛ وكذلك ما نقلناه عن صاحب اللؤلؤة وغيره مما كان بين العلماء مما يصل إلى حد التجهيل والقدح في العدالة. ولو استقصينا أدبيات الفقهاء في كتبهم الاستدلالية لنرى أدب الاختلاف عندهم لوجدنا العجب العجاب، لكن ليس هذا غرضنا هنا.
وما نريد تأكيده هو ان للقطيفي مكانة علمية كبيرة يؤكده ذهابه معا والكركي إلى إيران لترويج المذهب، كما تؤكدها مناجزته للكركي سواء في رفض أموال رحلتهما إلى إيران وتحريمها، أو في وضع الكركي يده على بعض ألاموال التي كانت سببا في تأليف خراجيته، كما تؤكدها هدايا الشاه إذ لو لم يكن ذا منزلة علمية مرموقة لما قصده الشاه بهداياه، ولو لم يكن قويا أيضا لما تمكن من ردها، فرد هدايا السلطان بمثابة رفض أوامره وعدم الاكتراث بعواقبه.
والمعارضة للكركي لم تكن معارضة فردية، وانما كان هناك تيار قوي يعارضه، ولعله تحت وطأة هجماتهم عليه وعدم قدرة الشاه للدفاع عنه، اضطر للنزوح إلى العراق(63)، والتي كتب بعدها رسالته قاطعة اللجاج.
ولم تكن مسألة الخراج وتوابعها هي مسألة الصراع الوحيدة، فلقد استعدى الكركي ضده علماء آخرين كان منهم الحسين بن عبد الصمد الحارثي والد الشيخ البهائي، في مسألة القبلة، حيث أراد الكركي أن يغير قبلة مساجد إيران، فاعترض عليه الحارثي في بعضها، وألف رسالة تحفة أهل الإيمان في قبلة عراق العجم وخراسان(64).
هذا التيار القوي الذي كان معارضا للشيخ الكركي اختار القطيفي رمزا له، وأرادوه أن يناظره في مجلس السلطان وبمحضر من العلماء. لا شك أن اختيارهم له لم يكن اعتباطا، ولولا قدرته العلمية لم يجازفوا بوضعه في مواجهة الكركي بين يدي السلطان، إذ لا بد أن تكون هزيمته المنكرة -فيما لو وقعت- تعني نهاية المعارضة.
هذه المناظرة وإن لم تتم، إلا أنها تعطينا البعد الذي ذكرنا، وهي إن لم تكن مقياسا لتحديد مكانة العالم، إلا أنها تبين أن له قدرة تمكنه من إدارة مثل تلك المناظرة، أضف إلى أنه لا مستند صريح لأولئك الذين غضوا من قدر القطيفي قبالة الكركي سوى الشهرة، والله أعلم.
|
المحقق الكركي: إشراقة من حياته |
الشيخ الجليل نور الدين أبو الحسن (علي بن حسين بن علي بن محمد بن عبد العالي الكركي العاملي(65))، الملقب بالمحقق الثاني.
ولد في كرك نوح من جبل عامل عام 868هـ(66)، وتوفي في النجف عام 940هـ، وقيل أنه وافى ربه شهيدا بالسم(67).
كانت مدرسة كرك مزدهرة في القرنين العاشر والحادي عشر، ومن الذين أموها ودرسوا على مشايخها علي بن هلال الجزائري كما يقول الشهرستاني في مقدمة جامع المقاصد نقلا عن تاريخ كرك نوح(68).
تلقى الكركي العلم في بلاده (كرك نوح) وفي ميس، وفي غيرهما؛ هاجر إلى مصر لدراسة فقه المذاهب الاخرى، وأخذ عن علمائها، وحصل على الاجازات من شيوخها بالرواية(69)؛ كان ذلك في عام 905هـ، بعدها قصد الشام وأخذ عن شيوخها أيضا(70).
قصد العراق حوالي سنة 909هـ، وأخذ عن كبار علمائها(71)، وأقام بها زمنا طويلا(72).
أجازه الشيخ إبراهيم بن الحسن الوراق، عام 909هـ، وقال صاحب الروضات إنه رأى الإجازة(73).
وأجازه الشيخ علي بن هلال الجزائري عام 909هـ، أيضا(74).
وأجازه الشيخ محمد بن خاتون العاملي .. وغيرهم من علماء الشيعة والسنة(75).
كان على رأس المهاجرين إلى إيران لنشر التشيع فيها، بعد أن طلب الشاه إسماعيل من علماء العراق ذلك(76). ولنسجل هنا استغرابنا من عدم ذكر الاستاذ الشهرستاني لدور البحرين وعلمائها -تماما كجبل عامل وعلمائها- في نشر تعاليم الدين وتربية الكوادر وإدارة شؤون البلاد في إيران وبما يذكر لهم في التاريخ بمداد من نور كأخوتهم العامليين(77).
كان الشاه إسماعيل يمده بسبعين ألف دينار شرعي سنويا ليصرفها في سبيل تحصيل العلم، وعلى جماعة الطلاب والمشتغلين.(78)، كما امده الشاه طهماسب بالأموال أيضا، فقد عين له وظائف وإدارات كثيرة، منها أنه قرر له سبعمائة تومان في كل سنة بعنوان السيورغالات في عراق العرب وكتب في ذلك حكما، وذكر فيها اسمه مع نهاية الاجلال والتعظيم(79).
|
أسباب مغادرته لإيران |
اضطر لمغادرة إيران لأسباب غير معروفة، وإن كان أغلب الظن أنها بسبب الفتن والمعارك التي وقعت بينه وبين بعض العلماء والامراء، كما مسطور في ترجمته؛ إلا أن هناك احتمالا لوجود سبب آخر لم يتحدث عنه التاريخ بشكل مباشر ولعل متابعة تاريخ المرحلة يوضح لنا مدى مصداقية هذا الاحتمال. وهذا السبب هو المد والجزر في العلاقة بين الدولة العثمانية والدولة الصفوية.
من الشهرة بمكان موقف علماء البلاط العثماني من الشيعة، وفتاواهم بكفرهم وحل دمائهم بما لا يحتاج إلى توثيق، وفي المقابل أيضا، من المعروف عن الكركي (ره) أنه كان متشددا في مواقفه المذهبية، حتى أنه كان يأمر باخراج العلماء من المخالفين لئلا يضلوا الموافقين والمخالفين، كما كان لا يركب ويمضي إلى موضع إلا والسباب يمشي في ركابه، وقد نقل الخوانساري هذا الخبر كما نقل نقد بعض العلماء له وعدهم إياه غفلة من الشيخ (ره)، ونقل كذلك أن علماء مكة المشرفة بعثوا إلى علماء اصفهان أنكم تسبون أئمتهم في إصفهان، ونحن في الحرمين نعذب بهذا اللعن والسب(80).
هذه المواقف المتشددة من الطرفين لا احسبها إلا انعكاسا للمواقف السياسية للدولتين اللتين استمرت الحرب ينهما لعقود من الزمن؛ لكن من الواضح أن هذه الحرب الدائمة تخللتها فترات مصالحة وانفراج وكان من شروطها إيقاف السب والشتم من الطرفين(81)، وكان لا بد بالضرورة في مثل هذه الفترات أن تهدأ ثائرة علماء الدين ومواقفهم المتشددة إذا لا بد وأن يحافظوا على مكاسب المصالحة وإلا فالحرب من جديد؛ فإذا علمنا أن حامل شعارها من طرف الصفويين هو الكركي، صار واضحا وجوب اختفائه من مسرح الأحداث في مثل تلك الفترات، لأن المواقف السياسية يمكن أن تدور مائة وثمانين درجة، أما المواقف المصبوغة بالصبغة الدينية فمن الصعب على أصحابها ذلك، خصوصا إذا كان صاحبها يحمل قناعة بما يفعل؛ وإذا تعارضت المواقف السياسة مع المواقف الدينية، فمن الواضح أيها يطغى.
إذاً من المحتمل أن الكركي في هجرته إلى العراق كان يدفع ضريبة التصالح بين الدولتين، ولعل هذا يفسر لنا الغموض الذي يكتنف تلك الفترة التي لا نكاد نعثر على معلومات واضحة عنها.
ولذا فإنه لما تولى الشاه طهماسب الحكم واشتعلت الحروب من جديد بين الدولتين، أعاد الشاه للكركي مكانته، بل واصدر بحقه فرمانا يوليه بموجبه مقاليد الأمور بشكل يجعله في المواجهة مع أي حدث يمكن أن يقع في البلاد.
يبقى هذا مجرد احتمال، ولعل مراجعة دقيقة لتاريخ الحروب بين الدولتين وتواريخ تواجد الكركي خارج إيران يوضح مصداقية هذا التعليل.
|
نتاجه العلمي: كتب وتلاميذ |
على الصعيد العلمي خرجت من بين أنامله مجموعة من الكتب التي زينت سماء الفقاهة الاسلامية، كما تخرج على يديه جمع غفير من العلماء الاعاظم، ومن شاء التفصيل فليرجع إلى مضانه(82).
ومما يعد من مفاخره تلمذة الشهيد الثاني على يديه(83)، إلا أن ذلك أمر يثير الدهشة حقا، فمغادرة الكركي إلى العراق كانت عام 909هـ(84)، ومولد الشهيد كان عام 911هـ(85)، والمشهور أنه تلمذ عليه ما بين 925هـ و933هـ أي ثماني سنوات بشكل متواصل وفي ميس(86)، فهل يتصور ذلك؟ تلك كانت الحقبة المهمة في حياة الكركي والتي كان فيها خارج جبل عامل، ما بين العراق وإيران يعمل على ترويج المذهب، كما أن الشهرستاني على استقصائه لم يذكره في تلاميذه(87) مع أن مقدمته لجامع المقاصد متأخرة بسنوات طوال عن مقدمة الروضة البهية ومن المؤكد -ولو بحكم كون الروضة كتابا دراسيا في الحوزة- أنه اطلع عليه.
فهل درس عليه في غير جبل عامل، فيكون اللبس في تحديد المكان؟ أم أنه درس على عالم آخر يتشابه في الإسم مع المحقق الكركي؟ الأول لم يحدثنا به التاريخ، إذ لا يوجد في المصادر ما يدلل على رحلة الشهيد للتحصيل في إيران أو العراق في الفترة التي كان الكركي فيها، أما الثاني فربما يكون هو الأرجح.
ويبدو أنه بسبب وجود التشابه في الأسماء بين بعض العلماء العامليين أوقع بعض الباحثين في اللبس، إذ المحقق الشيخ علي العاملي الكركي إسم مشترك بين علي بن حسين بن عبد العالي الكركي، وتلميذه علي بن هلال الكركي، وكلاهما صار شيخا للاسلام؛ كما أن علي بن عبد العالي العاملي إسم مشترك بين المحقق الثاني، وعلي بن عبد العالي الميسي العاملي، وهو من أعاظم علماء جبل عامل، وعاش -تقريبا- في نفس الفترة التي عاش فيها المحقق الثاني وله مرتبة علمية مرموقة لا تقل عن مكانة الكركي، لكن الميسي توفي 938هـ، قبل الكركي بسنتين، وقال عنه والد البهائي إنه ممن عاصره وشاهده لكن لم يقرأ عليه لكبره وانقطاعه(88). ولعل هذا سبب الخلط بينهما ومنها نسبة تلاميذ أحدهما للآخر؛ كما سبب تعدد الروايات في وفاة الكركي.
وقد ذكر الخوانساري بأن الميسي من مشائخ الشهيد الثاني قراءة وإجازة نقلا عن الشهيد في إجازته لوالد البهائي، وبذا يتبين بوضوح أن الشهيد الثاني تلميذ علي بن عبد العلي الميسي لا المحقق الثاني علي بن عبد العالي الكركي.
|
عصره |
قبل أن نواصل سرد الأحداث، دعنا نرصد بعض التواريخ الهامة التي ترسم الخريطة السياسية والتاريخية لعصره والتي كان لها أبلغ الأثر في حياته. وغرضنا من ذلك تمكين القاريء من رسم صورة عن مدى الاضطراب في الأقوال التي يصل بعضها إلى حد التضارب في بعض الاحيان.
- في عام 906هـ دخل الشاه إسماعيل الصفوي شيروان وقتل حاكمها انتقاما لأبيه حيدر، وكان ذلك بمثابة إعلان قيام الدولة الصفوية(89).
- في عام 907هـ انتصر إسماعيل على الآق قوينلو (أصحاب الخراف البيضاء)، ودخل تبريز وأعلنها عاصمة له، وأعلن الخطبة بالمذهب الإمامي الاثني عشري، وسكّت العملة بعبارة: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي ولي الله؛ ثم إسم السلطان(90). وكان إذا أراد فتح بلدة أرسل لها العلماء والمبشرين بمذهب الشيعة(91).
- في عام 909هـ وفد المحقق الكركي إلى العراق مهاجرا من جبل عامل(92).
- في عام 914هـ منح إسماعيل لقب الصدارة لأمير سيد شريف الاسترابادي الشيرازي(93)، وهو لقب يمنح للمسؤول عن إدارة حملة نشر التشيع في إيران في العهد الصفوي كما في بعض المصادر(94)، بينما في مصادر أخرى هو لقب لرئيس الوزراء، أو من هو بمنزلته.
- في عام 914هـ أيضا توجه إسماعيل إلى العراق ففر واليها إلى الشام فدخل بغداد وملكها وما والاها دون قتال، وزار النجف وسائر العتبات وأكرم المعتكفين بها وعين الحفاظ والمؤذنين والخدم وغير ذلك(95).
- في عام 916هـ التحق بإسماعيل السلطان مراد بن بايزيد العثماني مستجيرا به من عمه السلطان سليم الأول(96)، ويبدو أنها كانت أحد أسباب الازمة بين الدولتين.
- في عام 919هـ (وقيل 920) قاد سليم الاول حملته ضد الصفويين والتقى بهم في جالديران، وهزمهم فيه واحتل تبريز العاصمة(97).
- في عام 919هـ ولد طهماسب(98).
- في عام 920هـ ولى إسماعيل ولده طهماسب على خراسان إلى سمنان(99)، وهي ولاية شكلية، والمتصرفون هم القادة والولاة الحقيقيون.
- في عام 925هـ مات السلطان سليم الأول(100).
- في عام 930هـ توفي الشاه إسماعيل وله من العمر ثمانية وثلاثون عاما فقط(101).
- في عام 930هـ، 19 رجب منه، تولى طهماسب الحكم(102).
- في عام 939هـ تاب طهماسب عن شرب الخمر وأغلق الحوانيت ومغاني اللهو(103).
- في عام 939هـ أصدر فرمانه بحق الشيخ الكركي، حيث مكنه من الملك والسلطان قائلا له أنت أحق مني بالملك لأنك نائب الإمام، وإنما أكون من عمالك أقوم بأوامرك ونواهيك. وقد أشار السيد الشهرستاني إلى أن طهماسب قرب الشيخ الكركي ومنحه لقب نائب الإمام(104)، ولعل هذا من التجوز في الكلام، لأن مؤهلاته هي التي منحته هذا اللقب وتلك المنزلة، فهي منزلة ربانية لا يمنحها سلطان، وما صنع طهماسب سوى تمكين الشيخ من ذلك بقوة السلطان.
- في عام 984هـ، 10 صفر منه، توفي الشاه طهماسب(105).
|
شرارة الصراع: أموال مشبوهة لتمويل رحلتهما إلى إيران |
عندما بعث الشاه إسماعيل الصفوي إلى علماء العراق يستدعيهم للذهاب إلى إيران لترويج المذهب، كان على رأس أولئك الذين وقع عليهم الاختيار للقيام بالمهمة الكركي والقطيفي، وكان الموكل بتنفيذ الأمر وتجهيز الرحلة هم ولاته على العراق، وبما أن هذه الرحلة لا بد من تمويلها، ولا شك أن الولاة -على ما يتضح من الوقائع- لم يكونوا بذلك الإخلاص للقضية ولذلك لم يمولوها مما بين أيديهم، بل سعوا إلى الجمهور يجمعون منهم الأموال لهذا الرحلة بالترغيب والترهيب. وهاهو القطيفي يؤرخ لهذه الواقعة في كتابه السراج الوهاج بقوله:
" إن ولاة العراق قد ظلموا أهله بتخريج مال لا شبهة في تحريمه، ضرب في تحصيله السيد والعامي وبكر -كذا- من ضيق ذمة الفقير والمسكين وكنت من المشاهدين لذلك، حتى أن الحائك وغيره من أرباب الصنائع من المؤمنين المكتسبين يؤخذ منهم إلى مرتبة الدرهم والدرهمين وجمعوا ذلك وجعلوه في وجه المعونة للزاد والراحلة وما تبعهما عند توجهنا إلى الرضا عليه السلام بإشارة من خلدت دولته فبولغت فيه، فكان جوابي بحضرة هذا المؤلف وحضرات أكابر أهل العراق من السادة والعوام أنه دامت سلطنته بعث إلينا من أقاصي خراسان ونحن في طرف عراق العرب طلبنا لترويج الدين وإظهار فضل التشيع وأهله المستنين بسنة أهل بيت النبوة عليهم السلام فاذا تركنا الدين وأخذنا الحرام كيف نكون أهلا لترويج الدين.
فلم ألبث قليلا وإذا به قد أخذه وصرفه فيما يشاء غير متأثم ولاخائف من موقف العرض(106) ولامستح من شناعة أهل الإيمان وأهل الخلاف على دين التشيع نظرا الى فعل من هو مسمى فيهم بالرياسة(107) وربما زعم أنه عمل حيلة له، فليت شعري كيف كانت تلك الحيلة مع أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقتضي وجوب السعي في رده الى أهله على الفور بجميع أنواع القدرة، فلو لم يكن على المتحيل في أخذه إلا عدم رده والسعي فيه لكان من موبقات الذنوب بل الرضا والسكوت عنه مع المكنة من موبقاتها.
وإنما ذكرت هذه الحكاية في هذا المحل لأنها مشهورة بلغت مرتبة لا يمكن أحد أن ينازع فيها ولا يمكن من الجواب عنها هو، وقد زعم أنه قد عمل عليها صورة وجاز أمره مع ذلك عند أهل الدنيا الغافلين عن مصالح المعاد، فكيف لا يجوز ما يحتمل أن يكون شبهة ! ! وقد كنت أكره أن أوقعها في مثل هذه الرسالة لولا ما علمته من وجوب التنبيه لأهل الله ليأخذوا الحذر... وأكثر فائدة في ذكرها تعريف أهل الخلاف لنا أن ديننا ومذهبنا لايقتضي ذلك، فإنه قد اشتهر عنهم بسبب مثل هذه الأفعال ممن يزعمه أنه من رؤساء المذهب(108) ما لايكاد يقال، فإنا لله وإنا إليه راجعون"(109)
ونحن هنا نعاني من ثغرات في التواريخ، فهذه الحادثة غير معلومة التاريخ على وجه الدقة، عدا انها بعد 907هـ عام إعلان الخطبة بالمذهب الامامي الاثني عشري، وسك العملة باسم الدولة الصفوية، بل بعد 909هـ عام ورود المحقق الكركي إلى العراق، وقبل عام 916هـ عام تأليف الكركي لرسالته قاطعة اللجاج؛ وإن كانت القرائن تدلنا إلى أنها أقرب إلى التاريخ الأول منها إلى الثاني.
ذلك لأن الذهاب تم، والعمل على ترويج المذهب كان جاريا، فيما وقعت النزاعات والمخاصمات في أوساط الحاشية المقربة إلى الشاه، وحياكة المؤامرات ضد الكركي، ثم بعد ذلك اضطر لمغادرة إيران إلى العراق، حيث وضع يده على بعض الأموال والقرى من أجل معيشته، وحيث كثر عنها القيل والقال مما أدى به إلى كتابة رسالته.
هذا عن الأزمة الأولى بينهما، وقد سافرا معا إلى إيران لأداء مهمة التبيلغ؛ فهل أمنت أموال أخرى للرحلة غير تلك التي تأثم القطيفي من أخذها؟ أم أن الكركي أخذها كما في صريح عبارة القطيفي، بينما هو تدبر أمره بنفسه؟ أم ماذا صنع في الأمر؟ هذا ما لا يحدثنا به التاريخ، ولا القطيفي في رسالته. لكنهما رحلا معا وعملا على أداء رسالتهما.
أما ما قيل من أن المحقق الكركي لحق بالشاه إسماعيل في هرات بعد انتصاره على الأوزبك وذلك بعد عشر سنوات من تأسيس مملكته(110)، أي حوالي عام 916هـ، فان هذا لا يعني أنه اللحاق الأول بإسماعيل، ولعل الشاه طلبهم قبل ذلك، ثم انهم لم يستطيعوا اللحاق به إلا في ذلك التاريخ، أو انهما كانا يتجولان في البلدان ويعملان على نشر تعاليم الدين فيها ولذا تأخر الكركي عن اللحاق بالشاه في تلك المعركة.
أما المعركة الثانية بينهما فكانت في عهد الشاه طهماسب، حينما بعث الأخير بهداياه إلى القطيفي فردها معتذرا بعدم حاجته إليها.
لقد أرخ فرمان طهماسب بتقليد الكركي مسؤولية إدارة شؤون الدولة بعام 939هـ، أي قبل وفاة الكركي بعام واحد على المشهور، إلا أنه بلا شك كان من المقربين للدولة قبل ذلك؛ فتاريخه معها وفضله معروفان لا ينكران، ومن غير المستبعد بل الاحتمال الأقوى أن المحقق الكركي كان شيخ الاسلام حينها ثم وسعت صلاحياته لما وجد فيه من القدرة وحسن التدبير، حيث أصدر بحقه ذلك الفرمان الشهير.
وكان لزاما على رجل في مركز الصدارة أن يتعاطى مع السلطان بشكل مباشر، وأن يستقبل منه الهدايا والاعطيات، وما كان له أن يرفضها بأي شكل من الأشكال، وإلا عدّ رفضه موقفا يحتسب عليه، ولعله آثر تجاوز الشكليات ليذهب إلى الهدف الأسمى الذي ارتآه.
في المقابل كان الشيخ إبراهيم القطيفي -وهو من العلماء البارزين الذين لهم مشاركاتهم ودورهم في بسط التشيع العربي في الأراضي الإيرانية- كان صاحب موقف من التعامل المباشر مع السلطة، واستقبال أعطياتها وهباتها، ولا بد أنه نظر إلى السلطة بالعين التقليدية من أنها تمارس أمرا ليس من حقها، كما نظر إلى أعطياتها من باب أعطى من لا يملك لمن لا يستحق؛ ولذا لما أتته اعطيات السلطان ردها بحجة أنه ليس بحاجة إليها(111).
ولعل القطيفي نظر إلى الأمر من زاوية أن تقريب السلطان للعلماء ليس إلا لحاجة في نفوسهم يريدون قضاءها، ولعل هذا مصداق قول صاحب الجواهر برغم تشدده في موقفه المؤيد للكركي المغاير للقطيفي؛ قال في جواهره: لأنا لا نصيب من دنياهم إلا وأصابوا من ديننا مثله(112).
يبدو أن الأمور سارت هادئة بين العالمين بعد خلافهما الأول، لكن أضرم أوار الموقف من جديد رد القطيفي للهدايا، لا سيما والكركي حينها من المقربين، وهذا يعني تسجيل موقف ليس فقط تجاه الدولة، بل والمتعاملين معها؛ فما إن جمعهما مجلس واحد حتى فتح الحوار بينهما واندلعت شرارة الصراع خصوصا بعد أن لعب المفتنون دورهم في تأجيج الخلاف؛ ويروي لنا القطيفي قصة هذا الحوار قائلا:
" إني دخلت يوما إلى ضريح الرضا عليه السلام فوجدته (الكركي) هناك فجلست معه، فاتفق حضور بقية العلماء الوارثين وزبدة العلماء الراسخين جمال الملة والدين(113) فابتدأ بحضوره معترضا علي: لم لم تقبل جائزة الحكام؟!
فقلت: لأن التعرض لها مكروه. فقال: بل واجب أو مستحب. فطالبته بالدليل. فاحتج بفعل الحسن عليه السلام مع معاوية وقال: إن التأسي إما واجب أو مندوب، على اختلاف المذهبين.
فأجبته عن ذلك واستشهدت بقول الشهيد رحمه الله تعالى في (الدروس): ترك أخذ ذلك من الظالم أفضل، ولا يعارض ذلك أخذ الحسن عليه السلام جوائز معاوية، لان ذلك من حقوقهم بالأصالة.
فمنع أولا كون ذلك في (الدروس)، ثم التزم بالمرجوحية، وعاهد الله تعالى هناك أن يقصر كلامه على قصد الاستفادة بالسؤال والإفادة بالجواب؛ ثم فارقته قاصدا إلى المشهد الغروي على أحسن الحال، فلما وصلت تواترت الأخبار عنه من الثقاة وغيرهم بما لا يليق بالذكر، فقابلته بالضد فلم أزل ساكتا إلى أن انتهى الأمر إلى دعواه العلم ونفيه عن غيره، فبذلت وسعي في رضاه بالاجتماع للبحث والمذاكرة بجميع أنواع الملاطفة فأبى"(114).
|
قاطعة اللجاج |
أدى الحوار الشفهي بين الشيخين القطيفي والكركي إلى أن يكتب الأخير رسالة في الموضوع يرد بها على الكل حتى تكون في متناول الجميع، أو لعلها نتيجة تأجيج وتأليب فرقاء من مصلحتهم أن يبقوا المعركة قائمة، فأشاروا على الكركي بالكتابة، حتى يتمكنوا بالنتيجة من إنزال مادة في ميدان الصراع يضمن لهم استمرار المعركة.
أو لعل السبب في كتابة الرسالة هو نزوح الكركي إلى العراق -ويبدوا أن ذلك بسبب ما حيك ضده من المؤامرات- وأخذه قرية(115) من السلطان لتعينه على معاشه كما قال بنفسه: "حيث إنا لما لزمنا الإقامة ببلاد العراق وتعذر علينا الانتشار في الآفاق لم نجد بدا من التعلق بالقرية لدفع الأمور الضرورية من لوازم مهمات المعيشة(116)"، فوجب عليه حينها أكثر من أي وقت مضى أن يبرر عمله بدليل شرعي، فاختار الكتابة، وهو (ره) قد نفى عن نفسه أنه يكتب الرسالة تفاديا للتعريض، لكن نص رسالته يوضح أن للتعريض أثرا في إنشاء الرسالة، ومن ذلك العبارة السابقة.
وقد بدأ رسالته بمقدمة هجومية على خصومه نافيا عنهم صفة العلم والصلاح، فقال:
" وبعد:فإني لما توالى على سمعي تصدي جماعة من المتسمين بسمة الصلاح، وثلة من غوغاء الهمج الرعاع، أتباع كل ناعق الذين أخذوا من الجهالة بحظ وافر، واستولى عليهم الشيطان فحل منهم في سويداء الخاطر لتقريض العرض وتمزيق الأديم، والقدح بمخالفة الشرع الكريم، والخروج عن سواء النهج القويم.
حيث انا لما لزمنا الإقامة ببلاد العراق، وتعذر علينا الانتشار في الآفاق -لأسباب ليس هنا محل ذكرها- لم نجد بدا من التعلق بالقرية لدفع الأمور الضرورية من لوازم مهمات المعيشة، مقتفين في ذلك أثر جمع كثير من العلماء وجم غفير من الكبراء الأتقياء، اعتمادا على ما ثبت بطريق من أهل البيت عليهم السلام من أن أرض العراق ونحوها مما فتح عنوة بالسيف لا يملكها مالك مخصوص، بل هي للمسلمين قاطبة يؤخذ منها الخراج والمقاسمة، ويصرف في مصارفه التي بها رواج الدين، بأمر إمام الحق من أهل البيت عليهم السلام، كما وقع في أيام أمير المؤمنين عليه السلام، وفي حال غيبته عليه السلام قد أذن عليهم السلام لشيعتهم في تناول ذلك من سلاطين الجور، كما سنذكره مفصلا. فلذا تداوله العلماء الماضون والسلف الصالحون غير مستنكر ولا مستهجن.
وفي زماننا حيث استولى الجهل على أكثر أهل العصر، واندرس بينهم معظم الأحكام، وأخفيت مواضع الحلال والحرام هدرت شقاشق الجاهلين، وكثرت جرأتهم على أهل الدين، استخرت الله تعالى، وكتبت في تحقيق هذه المسألة رسالة ضمنتها ما نقله فقهاؤنا في ذلك من الأخبار عن الأئمة الأطهار عليهم السلام، وأودعتها ما صرحوا به في كتبهم من الفتوى: بأن ذلك حلال لاشك فيه، وطلق لا شبهة تعتريه، على وجه بديع، تذعن له قلوب العلماء، ولا تمجه أسماع الفضلاء.
واعتمدت في ذلك أن أبين في هذه المسألة التي أفل بدرها وجهل قدرها، غيرة على عقائل المسائل، لا حرصا على حطام هذا العاجل، ولا تفاديا من تعريض جاهل، فإن لنا بموالينا أهل البيت عليهم السلام أعظم أسوة وأكمل قدوة، فقد قال الناس فيهم الأقاويل، ونسبوا إليهم الأباطيل، وبملاحظة: لو كان المؤمن في جحر ضب يبرد كل غليل"(117).
|
السراج الوهاج |
وقد رد هذه الرسالة القطيفي (ره) برسالة سماها بـ (السراج الوهاج لدفع عجاج قاطعة اللجاج).
وإذا كانت قاطعة اللجاج مؤرخة بسنة 916هـ(118) فإن القطيفي يؤرخ فراغه من تأليف رسالته بسنة 924هـ(119)، أي أن فاصلا يعادل ثمان سنوات يفصل بين الرسالة الأصل والرد عليها، فلماذا تأخر القطيفي كل هذه المدة في الرد؟
يجيب عن ذلك القطيفي بقوله:"ولم اكن ظفرت بها منذ الفها إلا مرة واحدة في بلد (سمنان) وما تأملتها إلا كجلسة العجلان، وأشار إلي من تجب طاعته بنقضها ليتخلق من رآها برفضها، فاعتذرت، وما بلغت (حينئذ) منها حقيقة تعريضه بل تصريحه بأنواع الشنع، فلما تأملته الآن مع علمي بأن ما فيها أوهى من نسج العناكب، فدمع الشريعة على ما فيها من مضادها ساكب، وهو مع ذلك لا يألو جهدا بأنواع التعريض بل التصريح؛ فاستخرت الله على نقضها وإبانة ما فيها من الخلل والزلل، ليعرف أرباب النظر الحق فيتبعوه والباطل فيجتنبوه، فخرج الأمر بذلك، فامتثلت(120)".
وهذا لا يكفي سببا مقنعا للتأخير في الحقيقة، إلا أن هذا التأخير يوضح لنا حقيقة هي أن الصراع ظل محتدما بين الطرفين لسنوات متطاولة، منذ أن بدأ الكركي اعتراضه على القطيفي بعدم قبول هدية طهماسب، واستمر حتى تأليف الكركي رسالته، ورد القطيفي عليها بعد ثمان سنوات، وإلى ما شاء الله.
ولما جاء دور المقدس الأردبيلي رد برسالة على الكركي مؤيدا فيها ما ذهب إليه القطيفي، فجاء الشيخ ماجد بن فلاح الشيباني ورد على الأردبيلي، ليقوم الأردبيلي بالرد عليه مرة أخرى.
وتبقى المسألة محط نقاش وجدل طويلين بين العلماء، فكل من طرح المسألة لا بد له أن يستعرض رأي الفريقين.
|
إلغاء الآخر |
الخلاف طبيعة بشرية، وأمر لا مفر منه، ولكن كيف يتعامل المختلفون مع بعضهم، وما هو مبدأ الاختلاف، أو بالأحرى أدب الاختلاف؟ ذلك موضوع طويل كتب فيه الكثير ونظر له الكثير.. لكن البعد بين النظرية والتطبيق -على ما يبدو- كبعد المشرق عن المغرب.
ومن أشهر الموضوعات التي كانت مسرحا للخلاف بل أشدها خلافا هي الموضوعات العقائدية والمعارك الكلامية، وعلى رأسها موضوع الإمامة الذي تحول إلى موضوع سياسي. وما خلاف الكركي والقطيفي إلا امتداد لهذه المعركة وان اتفقا في العقيدة.
وربما تحولت أدبيات العلماء المتنازعين في الرأي إلى أدبيات هجومية وعدائية، بل النهج السائد فيها هو المذكور، إلا أن ذلك لا يعني أكثر من اصطلاحات يعبرون بها عن آرائهم لا تتجاوز ميدان البحث العلمي، ولا يقصد منها التجرؤ على شخص العالم.
قال المازندراني الخاجوئي في رسالة له في صلاة الجمعة يرد فيها على الفيض الكاشاني: فانظروا يا أولي الأبصار إلى أولئك الأخيار، كيف يموهون الأحكام على الأبرار؟ ولا يبالون بما فيه من الأخطار والإنذار، ومن مؤاخذة الملك الجبار، المدعو بالقهار، فنعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.
إلا أنه علق عليه بنفسه في الحاشية قائلا: ليس الغرض من هذا الكلام الطعن على أولئك الأعلام، كلا وحاشا ثم كلا وحاشا، بل الغرض أن لا يعتمد على استدلالهم بهذه الآيات...(121)، أي أنه يريد تخطئة الدليل لا التشنيع على الشخص.
بينما نقل صاحب الحدائق في لؤلؤته أن: "هذه طريقة قد جرى عليها جملة من العلماء من تخطئة بعضهم بعضا في المسائل، وربما انجر إلى التجهيل والطعن في العدالة، كما وقفت عليه في رسالة للشيخ علي بن الشيخ محمد بن حسن -صاحب حاشية اللمعة- في الرد على المولى محمد باقر الخراساني -صاحب الكفاية- والطعن عليه بما يستقبح نقله، وما وقع لشيخنا المفيد والسيد المرتضى -بناء على الخلاف في المصنف لهذه الرسالة في الرد على الصدوق في جواز السهو على المعصوم- من الطعن الموجب للتجهيل، وما وقع للمحقق والعلامة في الرد على ابن إدريس والتعريض به ونسبته إلى الجهل ونحو ذلك، سامحنا الله وإياهم بغفرانه(122)".
ونقل البلادي في أنواره شيئا من تلك الصراعات، ومنها ما كان من الشيخ محمد بن عمران القطيفي بحق الفيض الكاشاني الذي اتهمه في وثاقته وعقيدته، ليأتي المشرف على طباعة الأنوار ويبتر النص ويرد على العمران متهما إياه بما اتهم به الفيض(123).
ويبدو أن كل من يحاول الخروج على الفكر التقليدي، لا بد وأن يجابه مجابهة شديدة من قبل البعض تجاه محاولاته التجديدية والإبداعية؛ وكثيرون هم الذين جوبهوا وأثيرت حولهم الزوابع التي لا تزال امتدادات بعضها تتردد إلى اليوم؛ ولسنا نقرر أحقية فريق على آخر، لكننا نؤكد أن للتجديد ضرائب لا بد من دفعها.
والذي يلفت النظر ويثير الدهشة، أن هذه الخلافات بين العلماء تتيح الفرصة لأصحاب المآرب ليدسوا آنافهم في المعركة ليحمى وطيسها بأشد مما كانت عليه بين المختلفين الأصليين.. ويبدو انها سنة الحروب أن تكون معارك الأتباع أشد من معارك المتبوعين، لان الفريق الأول أشد تعصبا للرأي من صاحبه، وتلك هي المعارك الهامشية التي تطول من غير طائل، ويمارس فيها الحجر على فكر الآخرين، وتلك هي الآفة التي مني بها الشرقيون فكانت أحد أسباب تخلفهم عن مواكبة الركب الحضاري.
المهم في الأمر، والذي يغفل عنه البعض، هو عدم إمكانية إلغاء الآخر حتى ولو أريد ذلك؛ نعم الفكر بالفكر، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، وكل صراع لا بد له وأن يشارك في إنضاج الفكر والظهور بنظريات جديدة لها دورها في تقدم الأمم.
ولعل من نتائج الصراع الذي احتدم بين فريق الكركي وفريق القطيفي هو تبلور نظرية ولاية الفقيه وتحمل نائب الإمام لمسئوليات الإمام ومباشرته لسلطاته، على اختلاف لا يزال قائما في قبول النظرية أو رفضها، وفي كيفية ممارسة هذا الدور؛ فهل هي ولاية الفقيه الفرد أم الفقهاء الجماعة، أم غيرها من الاطروحات؟ وليس هذا مورد البحث، ولكنها إلماحة لما نراه نتيجة لذلك الصراع.
|
خاتمة |
مثلت المناقشات بين الشيخين الكركي والقطيفي مرحلة جديدة في تاريخ الفقه الشيعي، وأسست بموضوعاتها الجديدة بداية انطلاق البحث السياسي بارزة في (الخراج، هدايا السلطان، صلاة الجمعة) في المجال الفقهي الشيعي والتي ستكون موضع اهتمام وبحث الفقهاء المتأخرين وربما يمكن القول بأن مرحلة الكركي والقطيفي تؤرخ لبداية أطروحة ولاية الفقيه.
|
الهوامش : |
(1) . State and Government in Medieval Islam, by Ann K. S. Lambton, p266 ، والشاه عباس الكبير/ د. بديع محمد جمعة، ص 128.
(2) State and Government in Medieval Islam, p268,269.
(3) الكافي، 1/67.
(4) معجم رجال الفكر والأدب في النجف خلال ألف عام/ د. الشيخ محمد هادي الأميني، 3/982.
(5) راجعنا في ذلك، لؤلؤة البحرين، وروضات الجنات، وأنورا البدرين، وأعيان الشيعة/ العلامة السيد محسن الأمين العاملي، وأمل الآمل/ الحر العاملي، وغيرها، ولم نجد من تحدث عن مولده ولو على وجه التقريب؛ أما عن وفاته فقد ذكرها بعضهم على وجه التقريب، قال البلادي إنه لم يقف على تاريخ لوفاته (233)، أما الأمين فيقول: قدم من القطيف الى العراق وسكن النجف وتوفي فيها ولم أقف على تاريخ وفاته لكنه كان حيا سنة 944هـ، وهي تاريخ اجازته الكبيرة للسيد شريف الدين الحسيني المرعشي الشوشتري والد القاضي نورالله الشوشتري صاحب (مجالس المؤمنين)، لكن السيد سعيد الشريف ذكر أن وفاته بعد سنة 951هـ، لكنه لم يبين ما استند إليه في ذلك (الموسم، عدد9و10، ص223، من أعلام القطيف عبر العصور).
( 6) قال صاحب اللؤلؤة إن المفهوم من رسالته -القطيفي- التي قدمنا ذكرها أن مبدأ مقدمه للعراق كان أواخر جمادى الثانية سنة ثلاث عشرة وتسعمائة من هجرة سيد المرسلين (ص166)، وقال الخوانساري في روضاته إن اجازة القطيفي لشمس الدين محمد بن تركي مؤرخة بعام 915هـ، بعد سنتين من وروده العراق (1/37).
(7) هي سنة اعطائه الاجازة لشمس الدين بن ترك، وقد ذكر فيها هو (ره) ان الاجازة اما أن تكون من مجتهد أو منتهية غليه، وفيه إشارة إلاى أنه يرى في نفسه ذلك كما لا يخفى. (راجع البحار، 105/93).
(8) الموسم، 9و10، ص456.
(9) الذريعة 16/177، و قصص العلماء، ص374
(10) الموسم عدد 9و10، ص223.
(11) لؤلؤة البحرين/ الشيخ يوسف العصفور، والتعليقة للسيد محمد صادق بحر العلوم، ص160.
(12) لقد حدث مثل ذلك في تعليقات أخرى في اللؤلؤة، وكمثال ما جاء في العدد الخامس من الواحة (مخطوطات الواحة) حين الحديث عن اجازة السماهيجي للجارودي فراجع، وللتنويه فقد كتب سهواً ان التحقيقات للصدر بينما هي لبحر العلوم، وجل من لا يسهو.
(13) راجع على سبيل المثال، البحار، 105/115.
(14) الأزهار الأرجية في الآثار الفرجية/ الشيخ فرج العمران القطيفي، 4/197؛ وقال إنه رأى رجلا يقال له سلمان بن أسعد يقال إن أمه من ذرية الشيخ القطيفي، وكان الرجل يسكن في منزل نقل بأن القطيفي كان يسكنه. فلم لا يكون الشيخ قد تزوجت إحدى بناته في القطيف حين نزوله فيها، فلما هاجر بقيت مع زوجها حيث يقيم؟!
(15) روضات الجنات، 4/343.
(16) قال الخوانساري في ترجمة الشيخ مفلح الصيمري: هذا وكأنه قدس سره كان قد سكن الحلة السيفية أو بعض بلاد البحرين والديار الهجرية، لأنهما كانا في ذلك الزمان محطَّي رحال علماء الشيعة الإمامية. والشيخ مفلح هذا من طبقة علي بن هلال الجزائري أستاذ القطيفي.(روضات الجنات، 7/160-161).
(17) روضات الجنات، 4/44/ نقلها عن رياض العلماء، وقال إنه لهذا السبب حشر صاحبُ الرياضِ الجزائريَ في علماء جبل عامل.
(18) روضات الجنات، 7/26، ونقل ذلك عن مجالس المؤمنين، واللؤلؤة 167، نقلا عن مجالس المؤمنين كذلك.
(19) أعيان الشيعة، 2/143.
(20) روضات الجنات، 1/39.
(21) أعيان الشيعة، 2/143.
(22) أعيان الشيعة، 2/143، بل وجميع من ترجم له.
(23) لؤلؤة البحرين، ص159.
(24) لؤلؤة البحرين،ص160.
(25) روضات الجنات، 1/37.
(26) أعيان الشيعة، 2/143.
(27) بحار الأنوار، 106/170.
(28) استقينا هذه المعلومات من اللؤلؤة، والروضات، والانوار، وقصص العلماء؛ ترجمة القطيفي، ومقدمة السراج الوهاج للشيخ عادل العصفور، ومقدمة السراج الوهاج المطبوع ضمن الخراجيات(نسخة كمبيوترية)، والذريعة، والبحار و (الواحة)، العدد الخامس، مخطوطات الواحة.
(29) قال في إجازته: والرابع -من مشايخه- الشيخ الفاضل الورع البهي النقي الشيخ إبراهيم بن سليمان القطيفي فان اتصالي إليه بالاجازة الصادرة منه لهذا الفقير في جميع مؤلفاته ومجازاته بطرقه إلى مشايخه المضبوطة في أماكنها المثبتة في مظانها.(البحار 106/81).
(30) لولا هذه الاجازة التي احتفظ لنا بها العلامة المجلسي في بحاره لما وصلنا إلى هذه النتيجة. وقد خلط محقق البحار بين علي بن هلال الكركي الاصفهاني -الشهير والده بمنشار- تلميذ القطيفي ومجازه، وبين علي بن هلال الجزائري -أصلا ونشأة- أستاذ القطيفي ومجيزه؛ والأول وفاته في أو بعد 984هـ لأن الاجازة ذاتها كانت في صفر 984هـ، هذا وقد نقل الأمين (ره) في أعيانه -عن تلميذه المجاز بالاجازة التي ذكرنا-أن وفاته كانت 984هـ. وقال بأنه سكن اصفهان وتوفي بها ونقل هو والشيخ عبد العالي بن المحقق الثاني الكركي إلى مشهد الرضا فدفنا هناك. كان من تلاميذ الكركي ويروي عنه -كما كان من تلاميذ القطيفي ويروي عنه-، كما يروي عن السيد تاج الدين حسن بن السيد جعفر الاطراوي العاملي، والشيخ أحمد البياضي النباطي، والشيخ أحمد بن خاتون العيناثي العاملي. صار شيخ الاسلام باصفهان بعد استاذه الكركي، وبعده انتقل المنصب إلى ختنه الشيخ البهائي، ولم تكن له سوى ابنة واحدة هي تلك التي تزوجها البهائي، وقد ورثت من أبيها جميع كتبه البالغة خمسة آلاف مجلد، فأوقفها البهائي. إذاً فالكركي الاصفهاني من طبقة تلاميذ المحقق الكركي، لامن طبقة أساتذته، والفرق بينه وبين الجزائري بيِّن، لا سيما وأن الكركي والقطيفي صرحا في كتبهما بوفاة استاذهما (السراج الوهاج، ص120)، وقد ذكرها في سياق نقله لكلام الكركي، فإذا كان علي بن هلال قد أجاز الكركي عام 909هـ، والكركي ألف رسالته عام 916هـ، فذلك يعني أن علي بن هلال قد توفي بين هذين العامين؛ ولنسجل هنا استغرابنا من عدم ترجمة العلامة الأمين لعلي بن هلال الجزائري استاذ جيل من الفقهاء كان من أبرزهم الكركي والقطيفي، ولعل السبب هو التباس الاسمين بحيث ظُن بأنهما شخص واحد كما حدث لمحقق البحار، هذا ويبدو أنه هناك شخصا ثالثا يحمل الاسم الأخير وربما كانت له صلة قرابة به، والله العالم. (راجع أعيان الشيعة 8/369، والبحار 106/81، وروضات الجنات 4/197،و343-346)، نعم لقد ذكر الاجازة المرحوم الطهراني في الجزء الأول من ذريعته ضمن إجازات القطيفي واستند إلى نفس المستند؛ عثرنا على ذلك بعدما كتبنا ما سبق.
(31) الذريعـة 1/398.
(32) الذريعة 1/410.
(33) الـذريعـة 16/177.
(34)الذريعة 6/106.
(35)الذريعة 5/11.
(36) الذريعة 6/22، و11/107
(37) الـذريعـة4/6.
(38) الـذريعـة 11/188.
(39) الذريعة 15/62.
(40) الـذريعـة 12/148.
(41) الــذريعــة 11/204.
(42) الذريعة 20/148.
(43) الذريعة 13/88.
(44) الذريعة 11/227.
(45) قصص العلماء، ص374
(46) الموسم، 9و10، ص457.
(47) الذريعة 24/344.
(48) الذريعـة 24/439.
(49) الذريعة 25/15.
(50) الذريعة 25/2.
(51) الموسم، 9و10، ص456.
(52) أعيان الشيعة، 2/143.
(53) أمل الآمل 2/8.
(54) البحار 107/161، والواسائط بينهما بيّنها بقوله يصف أحدا طرق روايته: عن السيد حسين المفتي الكركي (ره) عن السيد الحسيب الفاضل شجاع الدين محمود بن علي المازندراني أنجب نجباء إصبهان قدس الله لطيفه عن جماعة منهم الشيخ حسين بن عبد الحميد والمولى كريم الدين الشيرازي رحمة الله عليهما عن الشيخ المدقق المتبحر إبراهيم بن سليمان القطيفي. وذكر نفس الطرق في 107/164، وفيها وصف القطيفي بالشيخ المحقق.
(55) البحار، 107/164.
(56)كشكــول الشيخ يوسف البحراني 1/289-290.
(57) روضات الجنات، 1/35.
(58) الانوار، ص228.
(59) معجم رجال الفكر والأدب في النجف خلال ألف عام، 3/982.
(60) جواهر الكلام، 22/182؛ وليس القطيفي هو الوحيد الموصوف بسوء الأدب عند صاحب الجواهر، فاذا كان قد وصفه بذلك مرة في الموطن المذكور، فقد وصف صاحب الحدائق بسوء الأدب أيضا في سبعة مواضع: 10/154، 12/247، 4/178، 22/57، 22/280، 23/346، 40/329؛ كما وصف ابن ادريس بذلك كذلك في أربعة مواضع: 25/61، 26/145، 26/197، 37/198؛ ولعله لم يصف أحد بهذه الصفة غيرهم، إلا أن يكون بلفظ آخر؛ وإذا كان قد وصف القطيفي بهذه الصفة فإنه في المقابل نقل آراءه في كثير من المواضع من جواهره، ومعظمها كان من باب الاستشهاد لا الرد، وهذا مما يدل على أن علمائنا الابرار لم يكونوا يقولون ذلك من باب سوء النية او التجريح بقدر ما هو ادب اختلاف فقهي ساد في فترة ثم بدأت تمجه أقلام المحدثين من الفقهاء، حيث بدأت تغلب على أدبياتهم النبرة الهادءة والحوار الهادئ.
(61) السراج الوهاج، مقدمة العصفور، ص25.
(62) أعيان الشيعة، 2/143، و8/211.
(63) أعيان الشيعة، 8/210، وجامع المقاصد، المقدمة، 1/38.
(64) روضات الجنات،7/78.
(65) روضات الجنات، 4/198، عن قلم الكركي نفسه.
(66) جامع المقاصد/ المحقق الكركي، المقدمة، للسيد جواد الشهرستاني، 1/27.
(67) روضات الجنات، 4/348.
(68) جامع المقاصد، 1/28.
(69) جامع المقاصد، 1/28.
(70)جامع المقاصد، 1/29.
(71) جامع المقاصد، 1/30.
(72) روضات الجنات، 4/349.
(73) روضات الجنات، 1/39.
(74) روضات الجنات، 4/343.
(75) للتفاصيل، راجع ترجمته في أعيان الشيعة 8/208، وروضات الجنات، 4/346، ومقدمة التحقيق لجامع المقاصد، 1/27-44، بل كل من ترجم له.
(76) السراج الوهاج، ص98، جامع المقاصد، 1/31.
(77) راجع مقدمة السيد جواد الشهرستاني لجامع المقاصد 1/30-31.
(78) روضات الجنات، 4/349.
(79) روضات الجنات، 4/349.
(80) روضات الجنات، 4/347.
(81) راجع العلاقات العثمانية الصفوية/ محمد أمين أبو المكارم، البصائر، العدد 18، ص139-153.
(82) راجع على سبيل المثال مقدمة جامع المقاصد للشهرستاني، 1/40.
(83) مقدمة الروضة البهية/ الشيخ مهدي الآصفي، 1/154.
(84) جامع المقاصد، المقدمة، 1/30.
(85) مقدمة الروضة البهية، 1/153.
(86) مقدمة الروضة البهية، 1/154.
(87) جامع المقاصد، المقدمة، 1/41.
(88) روضات الجنات، 4/360.
(89) الشاه عباس الكبير، ص10.
(90) الشاه عباس الكبير، ص10.
(91) تاريخ الدولة الصفوية/ الشيخ عبد العزيز الجواهري، الموسم، العدد الثامن، ص1371.
(92) جامع المقاصد، المقدمة، 1/30.
(93) تاريخ الدولة الصفوية، ص1372.
(94) State and Government in Medieval Islam, p268
(95) تحفة العالم في شرح خطبة المعالم/ السيد جعفر آل بحر العلوم، ص277، 278.
(96) تاريخ الدولة الصفوية، ص1372.
(97) العلاقات العثمانية الصفوي/ محمد أمين أبو المكارم، البصائر، العدد 18، ص142، عن العلاقات العراقية الايرانية، ص23.
(98) تاريخ الدولة الصفوية، ص1373.
(99) تاريخ الدولة الصفوية، ص1373.
100) تاريخ الدولة الصفوية، ص1373.
101) الشاه عباس الكبير، ص11.
102) تاريخ الدولة الصفوية، ص1373.
103) تاريخ الدولة الصفوية، ص1374.
104) جامع المقاصد، المقدمة، 1/31-32.
105) الشاه عباس الكبير، ص12.
106) العرض على الحساب، أي يوم القيامة.
107) هذا اعتراف ضمني -بل صريح- من القطيفي بأن الكركي كان منظورا في محل الرئاسة.
108) وهذه كسابقتها.
(109) السراج الوهاج/ الشيخ إبراهيم القطيفي، ص98-99، وكل المصادر التي ترجمت له وذكرت الحادثة.
(110) أعيان الشيعة، 8/209، لكنه ذكر أن قدومه كان على طهماسب، ولعله من سهو القلم ذلك لأن المشهور بأن إسماعيل هو الذي قاد الحملة ضد الأوزبك، وقد نقل ذلك الشهرستاني عن مستدرك النوري (ره) (3:432)، وفيها نقل اعتراضه على قتلهم للتفتازاني في هرات (جامع المقاصد، المقدمة، 1/34-35)؛ كما أن طهماسب لم يولد حينها بعد، لأن مولده كان في عام 919هـ(تاريخ الدولة الصفوية/الشيخ الجواهري، ص1373).
(111) روضات الجنات/السيد محمد باقر الخوانساري، 1/35.
(112) جواهر الكلام، 22/176.
(113) للأسف لم نجد أحدا فيما بين أيدينا من المصادر يعرف لنا هذا العالم بالاسم الصريح، ولعله استاذهما -الكركي والقطيفي- الشيخ علي بن هلال الجزائري، وكان من الواضح أن الكركي أراد الاستفادة من وجود هذا العالم المحترم بينهما ليحرج القطيفي أمامه، وربما أيد هذا كونه استاذهما الجزائري.
(114) لؤلؤة البحرين/ الشيخ يوسف العصفور البحراني، ص162-163، عن الرسالة الحائرية في المسألة السفرية التي كتبها القطيفي مدونا فيها آراءه في أحكام السفر الفقهية وقواطعه ... وقد ألفها ردا على الكركي في بعض رسائله.
(115) السراج الوهاج، ص42.
(116) السراج الوهاج، ص41، نقلها عن قاطعة اللجاج.
(117) قاطعة اللجاج، مقدمة المؤلف.
(118) الـذريعـة، 7/17.
(119) السراج الوهاج، خاتمة الرسالة، والذريعة/ آغا بزرك الطهراني، 12/164.
(120) السـراج الـوهاج، المقدمة.
(121) الرسائل الفقهية/ الخاجوئي، 1/487.
(122) لؤلؤة البحرين، 163-164.
(123) أنوار البدرين/ الشيخ علي البلادي، ص243.