|
العدد 7 |
|
(3-5) ساحل القرصنة في القطيف المسؤوليات والسيادة القانونية التشريعية العثمانية في مجال القضاء على أعمال القرصنة في مياه القطيف 1878 ـ 1881 |
(سري/ E ، ديسمبر 1878، الأرقام 2 ـ 11)، كنا أشرنا الى مسألة السيادة القانونية والتشريعية التركية على سواحل القطيف وقطر، بقدر ما يتعلق هذا الامر بالقضاء على أعمال القرصنة التي ارتكبت مؤخراً في مياه البحرين، وقد أثيرت هذه المسألة في مراسلة وزير شؤون الهند رقم 42 وتاريخ السابع عشر من اكتوبر 1878، وطلب من حكومة الهند ابداء رأيها بخصوص هذا الموضوع. وقد تضمنت هذه الدعوة مسألة تحديد حدود المجال الاقليمي للسيادة القانونية والتشريعية التركية على امتداد ذلك الساحل، وطبيعة المسؤوليات المترتبة (عليها) لحفظ النظام، هذه المسؤوليات التي تعتبر انها تقع على عاتق الحكومتين (التركية والبريطانية) حول هذه النقطة دعى الكولونيل روس لابداء رأيه وذلك في مراسلة دائرة الشؤون الخارجية (في حكومة الهند: Foreign Department) رقم 255 ـ O.P وتاريخ السابع عشر من ديسمبر 1878. كما أُعلم الكولونيل نيكسون المعتمد السياسي في العراق. (أنظر: رسالة المقيم السياسي في بوشهر رقم 30 وتاريخ العشرين من يناير عام 1879، ورسالة المعتمد السياسي العراق، رقم 5 تاريخ 12 يناير 1879 في رسالة تحمل نفس التاريخ أنه سيكون من دواعي سرور حكومة الهند أن تتلقى منه كتابياً، أية وجهات نظر يود أن يعرضها بهذا الخصوص. فيما يلي نعرض الردين اللذين تلقيناهما من كلا الضابطين:
(واجه الكولونيل روس، المقيم في بوشهر، الصعوبة ذاتها التي واجهتها حكومة الهند في فهم الطبيعة المحددة والدقيقة لاشارة الكولونيل نيكسون وذكره للسفير البريطاني في القسطنطينية.
فهو ـ روس ـ يبين أننا لم نتورط في أي خلاف أو صراع مع قبائل الحسا، وأن التدخل في صراعاتهم القبلية أمكن تحاشيه، وأنه تم بذل كل جهد مستطاع لتحميل الاتراك مسؤولية الاضطرابات في المناطق الإدارية التابعة لهم. ثم يلاحظ أنه اذا كان الكولونيل نيكسون يقصد في كتابته عن الاحساء أن يضمّن قطر (كجزء منها) فإنه يكون قد وقع في خطأ واضح. لقد أخضع الاتراك الأحساء فعلاً، وكما أن احتلالهم العسكري لتلك المقاطعة أدى الى تثبيت دعائم سلطتهم في القطيف والعقير. أما في قطر فإن الاتراك اكتسبوا سلطتهم عليها في فترة لاحقة وبطريقة مختلفة، أي عن طريق دعوة الشيوخ المحليين في البدع للأتراك لبسط سلطتهم عليها، وباستثناء البدع والمناطق المجاورة لها مباشرة، لم يتخذ الأتراك حتى الآن أية خطوات لبسط نفوذهم وسلطتهم على الساحل القطري. وبناء على ذلك، وعلى وجه التحديد والدقة فإن السلطة التركية تنتهي ويتوقف امتدادها عند نقطة ما قرب العقير، ومن تلك النقطة وحتى البدع، تمتد منطقة لم يتمكن الاتراك من بسط أو مدّ سلطتهم عليها، وتضم تلك المنطقة شبه الجزيرة التي تقوم عليها زباره، والتي تنتهي عند رأس ركان الا أن الكولونيل روس، بعد أن يوضح هذا الفرق والاختلاف يواصل حديثه فيقول إن الحكومة التركية ربما تجادل وعن حق الى حد ما، أن "وضعها الحالي الفعلي على هذا الساحل يتضمن ويشمل، عملياً السيطرة على كل المنطقة الممتدة ما بين العقير والبدع، شريطة ألا يكون هناك طبعاً، أية حقوق أو التزامات بريطانية تتعلق بتلك المنطقة على وجه التحديد، حقوق أو التزامات تكون ذات طبيعة تشكل التزاماً بالاعتراض على ومقاومة اقامة سلطة تركية فيها" وكانت الخلاصات التي انتهى اليها روس، المقيم البريطاني في بوشهر كالتالي:
(1) ـ أنه في حالة عدم وقوع تدخل بريطاني لن يكون هناك أي عائق يعترض سبيل اكتمال سلسلة الاحتلال التركي لقطر وصولاً الى البدع.
(2) ـ وأن الحكومة البريطانية ليست طرفاً حالياً في أية اتفاقات قائمة فعلاً وتنص على مقاومة ورفض هذا التحرك (التركي).
(3) ـ وأنه، اذا افترضنا أن الحكومة البريطانية لا ترى أن هناك مبررات كافية لاستئنافها الاشراف على والتحكم بذلك الجزء من الساحل موضوع البحث، فإنه سيكون من الأفضل أن تتعهد الحكومة التركية بتحمل مسؤولية ما يقع على ذلك الجزء من الساحل واتخاذ الاجراءات الفعّالة والكفيلة بالمحافظة على النظام والأمن.
" ولكن هناك نقطة سيكون من المستحيل، بالطبع، ومن باب الحفاظ على الحقوق البريطانية والاستمرار في أداء واجباتنا، أن نسمح بتجاوزها أو تعديلها الى ما وراءها على شكل امتداد وتوسع للحكم، والنفوذ التركيين. وأنا أرى أن هذا الخط (الاحمر/ الفاصل) يجب أن يرسم (على الخارطة) ليس بديلاً عن البدع، وهي أبعد نقطة على الساحل امتدت اليها عمليات الحكومة (التركية) العسكرية. أما بلدة الوكرة المتاخمة فأنا أرى أن تعامل باعتبارها تابعة للبدع، وهكذا تضم الى المنطقة التي يسمح فيها بممارسة النفوذ التركي. يمكن أن ترسم الحدود الجنوبية لهذه المناطق الادارية عند الدرجة الخامسة والعشرين (خط العرض الخامس والعشرين) شمالاً (من النصف الشمالي من الكرة الارضية خط عرض 2)".
* كما لاحظ المقيم السياسي في بوشهر الكولونيل روس أن صعوبة ستنشأ فيما يخص الادعاءات التركية (الكاذبة؟) بأن لها حقاً (بامتلاك) شبه جزيرة العرب عموماً، لكنه ينصح، مع ذلك بأن يطلب من الحكومة التركية أن تبين بالتحديد الامتداد الدقيق والصحيح من الساحل العربي الذي تكون الحكومة التركية على استعداد لتحمل مسؤوليته ووضع الترتيبات القادرة على المحافظة على النظام والأمن، ومنع وقوع اعمال بحرية خارجة على القانون، وأن توضح الحكومة البريطانية وفي نفس الوقت ومنذ البداية وبكل وضوح وصراحة طبيعة وامتداد النفوذ البريطاني الحيوي على الساحل ذاته، والخط (الاحمر؟) الذي سيجري المحافظة على ذلك النفوذ فيما وراءه. سيجري الاحتفاظ بجزر البحرين بالطبع، وكذلك منطقة الشيوخ (الزعماء) المتصالحين بأكملها، بما في ذلك العديد.
* أما السؤال التالي فكان يتعلق بالاجراءات التي ينبغي على الحكومة البريطانية اتخاذها في حال انهيار السلام البحري في الخليج الفارسي نتيجة شن حملات عسكرية واعتداءات تنطلق من موانىء معترف بخضوعها لتركيا والتي لم تستطع السلطات التركية اخمادها أو لم تكن راغبة في اخمادها. كان الكولونيل روس يرى أنه "من الضروري جداً أن يحتفظ بحق اخماد (تلك الهجمات والاعتداءات) بواسطة قواتنا البحرية، والقضاء على مثل تلك العمليات غير القانونية التي تحدث بهدف السلب والنهب في أعالي البحار".
* وحول موضوع السؤال بالغ الاهمية المتعلق بآثار الاعتراف بالحقوق التركية والالتزامات التركية على الحكومتين البريطانية والفارسية كتب الكولونيل روس يقول:
" ما من شك في أن ظهور الأتراك في الخليج الفارسي، وما ضموه من أقاليم هناك قد قلّص الى حد ما من امتداد السيطرة البريطانية، وحد من نفوذنا بالتالي. لكن هذا كان عملياً أمراً لا مفرّ منه، ولقد امتنعنا على مرّ بضعة أعوام ماضية، عن ممارسة سيطرة فعلية على ذلك الجزء من الساحل الخاضع فعلياً أو احتمالاً للحكم أو النفوذ التركي، الى حد أنه صار من الممكن اعتبار انتقال سيادتنا القانونية والتشريعة (عليه الى أيدي الاتراك) حقيقة واقعة. ولما كان واضحاً للجميع ومنذ البدء أن الحكومة البريطانية لم يكن في نيتها اعتراض التقدم (الاستيلاء) التركي في القطاعات التي لم تكن لتؤثر على مصالحنا تأثيراً ملموساً، فإنني لا اعتقد أن الاعتراف الكامل بالحقوق والالتزامات التركية سوف يؤثر الآن تأثيراً ضاراً على النفوذ البريطاني والمكانة والهيبة البريطانية داخل مجال نفوذنا الخاص بنا. مرة أخرى أقول اذا تم التوصل الى تفاهم واضح كما أقترح، واذا ما أوضحنا للأتراك بجلاء أننا لن نسمح بأي تدخل بحري (تركي) في المناطق التي نمارس سلطة ونفوذاً عليها، فلن يكون هناك الا القليل مما يغري الاتراك، أو يدفعهم الى زيادة قواتهم البحرية في الخليج الفارسي دون مبرر أو زيارة أكبر من اللازم. أما بالنسبة لبلاد فارس، فإن حكومتها وسلطة الاشراف على سواحلها أصبحتا معتادتين على وجود السفن الحربية البريطانية، والحكومة الفارسية تدرك المزايا المترتبة على هذا الحضور (البريطاني في مياه الخليج).
وستستاء هذه الحكومة بكل تأكيد من أية محاولة يقوم بها الاتراك لفرض وجود مشابه، لكني لا أعتقد أن هؤلاء الاتراك سيجدون من الحوافر والتشجيع ما يدفعهم للقيام بمثل هذه المحاولة".
* وكان رد حكومة الهند كما ورد في مراسلتها رقم 127 وتاريخ الثاني والعشرين من مايو 1879 كالتالي:
" فيما يتعلق بالسيادة الاقليمية القانونية والتشريعية على امتداد الساحل، نحن (على استعداد) للاعتراف بها واقرارها، حيث أنها قائمة عملياً.(المقصود طبعاً هي السيادة التركية).
إن الشريط الساحلي الممتد باتجاه الجنوب الشرقي حتى العقير خاضع كما يظهر لشكل من اشكال السلطة التركية الموطّدة، وقد يمكن الاعتراف بهذه السلطة عن طريق القبول، مع بعض التحفظات التي سأشرحها بعد قليل بتفاهم ينص على أن الاتراك راغبون في تحمل مسؤولية الاضطرابات البحرية التي تقع على ذلك الساحل، لكن علينا تجنب الخوض في أية نقاشات قد تبدو وكأنها تميل الى الاعتراف بمطالب الحكومة التركية الخاصة بالاعتراف بسلطتها وامتداد هذه السلطة الى المناطق الواقعة في ما وراء العقير، أو على أي جزء من ساحل نتوء قطر، باستثناء البدع حيث يمارس الاتراك بعض النفوذ والادعاءات كما يبدو. فيما وراء البدع والوكره لا يعرف عن الاتراك أنهم يتمتعون بأي شكل من أشكال السلطة، فقريباً من هذه النقطة تبدأ مناطق وأقاليم الشيوخ العرب المرتبطين بمعاهدات مع الحكومة البريطانية تنص على المحافظة على السلام وعلى الحد من اعمال القرصنة. نحن نتفق تماماً وكلية مع الكولونيل روس حين يقول إن اقحام السلطة التركية أو النفوذ التركي الى اقاليم هذه القبائل البحرية سيشكل خرقاً للحقوق والالتزامات البريطانية، وقد يؤدي الى عرقلة وربما هدم نظام كان وما يزال مصدر أعظم الفائدة لمصالح جميع دول الخليج الفارسي.
يمكن أن نضيف في هذا المجال أنه سيكون من بالغ الحيوية والضرورة، بقدر ما يتعلق الامر بزعماء القبائل الموقعين على المعاهدات، أن يُنصَّ على أنهم لن يكونوا فقط أحراراً تماماً من أي تدخل في سواحلهم البحرية، بل إن حدود أقاليمهم على بر شبه الجزيرة العربية يجب احترامها والامتناع عن اختراقها بقدر ما هي معروفة تلك الحدود.
ويمكن التحقق منها واثباتها.إذ سيكون من السهل على الحكومة العثمانية، إن نحن رضينا بغير ذلك، أن تمارس ضغوطاً على هؤلاء الشيوخ من جهة البرّ، فيجدون أنفسهم خاضعين لسلطة منقسمة أو مزدوجة، مما قد يؤدي الى حدوث فوضى واختلاط في الأمور، ويؤدي أيضاً الى احداث انقسامات وتشرذم، وقد يغريهم (هذا) ويدفعهم الى رفع العلم التركي أو رفع راية المعاهدة البحرية طبقاً لما تتطلبه مصالحهم في تلك اللحظة. هذا الاحتمال تكشفه تحركات شيخ البدع الذي أعلن الآن عن خضوعه لتركيا، وتكشف عنه كذلك محاولة شيخ العديد اللحاق بشيخ البدع وحذو حذوه".
وقد يكون من الضروري أيضاً حماية جزر البحرين عن طريق ترتيبات أو إجراءات خاصة تنص على ما يلي:ـ
1 ـ وجوب إبقاء اقاليم شيخ البحرين تحت حماية بريطانيا العظمى.
2 ـ وجوب وفاء (شيخ البحرين) بالتزاماته التي نصت عليها المعاهدة، بما في ذلك الامتناع عن أي تدخل في شؤون شبه الجزيرة العربية (البر الرئيسي).
10 ـ ولكن في حالة وقوع هجوم على اراضي (شيخ البحرين) فإنه، عملاً وتنفيذاً لموافقة المقيم في الخليج الفارسي، يجب أن يسمح له أن يتخذ ما يكون ضرورياً من الاجراءات الدفاعية حتى لو تطلب الأمر مطاردة أو ملاحقة مهاجميه الى الأقاليم الخاضعة للسيادة القانونية والتشريعية التركية. يكمن مبرر هذا (الحق) الأخير في الوضع الخاص للبحرين. فهذه الجزر قريبة جداً من البر الرئيسي مما يجعلها بصورة خاصة، عرضة لهجمات القرصنة في حين يوفر هذا القرب للمعتدين جميع التسهيلات التي تسمح لهم بالهروب السريع الى داخل المناطق الخاضعة للسيادة القانونية والتشريعية التركية.
16 ـ ثانياً، فيما يتعلق بالمسؤولية العثمانية عن حفظ النظام والهدوء. فيما وراء حدود السيادة القانونية والتشريعية العثمانية المعترف بها لن تكون هناك بالطبع مثل هذه المسؤولية. ولكن للأسباب التي تم استعراضها، نحن نرى أن على الحكومة البريطانية أن تستمر في ممارسة شكل من أشكال الحماية البحرية المتزامنة ضمن تلك الحدود الى أن نطمئن، على الأقل ونصبح أكثر يقيناً مما نحن عليه الآن من أن الحكومة التركية تستطيع حماية رعايانا ومصالحنا بصورة فعّالة. قد لا يكون ضرورياً أن تسجل فعلاً أية اتفاقية رسمية كحكم ممارسة هذه الحماية المشتركة، لكن تفاهماً من النوع التالي يمكن التوصل اليه:ـ
1 ـ أن القراصنة مهما كانت جنسياتهم، والذين يلقى عليهم القبض في عرض البحر، وكذلك القراصنة الذين تجري مطاردتهم داخل المياه الاقليمية التركية من قبل الضباط البريطانيين، أو القراصنة الذين يكونون على الشاطىء الذي تستطيع السفن الحربية البريطانية أو مدافعها الوصول اليه، سوف يجري التعامل معهم بموجب اوامر تصدر عن المقيم في الخليج الفارسي.
2 ـ ألا تقوم السلطات البريطانية بأي عمليات (عسكرية) على البر الرئيسي (برّ الجزيرة العربية) داخل حدود الاقاليم التركية، باعتبار أن مهمة تدمير معاقل القراصنة والقضاء عليها في حال انطلاقها من داخل تلك الحدود، هي مهمة تقع على عاتق السلطات التركية.
3 ـ أن يقدم الاحتجاجات والمطالبات الضرورية الى السلطات التركية وفي الظروف العادية، المعتمد السياسي في بغداد. أما اذا كان العمل الفوري ضروريا، فيقدم الطلب في المرحلة الأولى من قبل المقيم في الخليج الفارسي الذي يتوجب عليه أن يبلغ المعتمد السياسي في بغداد بتحركاته واجراءاته.
4 ـ أن على السلطات التركية، اذا ما ارتكبت اعمال القراصنة انطلاقاً من داخل المناطق الخاضعة لسيادتها القانونية والتشريعية، أن تفرض (على مرتكبيها) تعويضاً أو اعادة الممتلكات المسروقة ودفع تعويضات لأصحابها.
كما قد يتضح لحكومة صاحبة الجلالة أن الفرصة السانحة حالياً يجب استغلالها لاعادة النظر في اتفاقياتنا مع الشيوخ العرب المتصالحين، ومع شيوخ مسقط أيضاً، بما في ذلك البحرين طبعاً.
وهذا يرجع الى السياسة التي ظلت الحكومة البريطانية على مدى أعوام طويلة، وما تزال تمارسها على الرغم من التكاليف الباهظة، وهو راجع أيضاً الى قوة الشرطة (البوليس) البحرية الكفؤة التي أنشأتها الحكومة البريطانية وتنفق عليها، وتدعمها: فهذه السياسة وهذه القوة (البوليسية) البحرية هما اللتان أوقفتا جرائم القرصنة التي كانت ترتكب على ذلك الجزء من الساحل العربي، وما ذلك الا بفعل النفوذ البريطاني السائد على ذلك الساحل. على اثر توفر هذا الشرط (الوضع السلمي) من الأمن الدائم، تطورت تجارة الخليج الفارسي الى مدى كان يعتقد قبل بضع سنوات مستحيلاً، وما يزال هذا التطور والنمو في تقدم وازدياد. لقد ازدهرت (أحوال) الشيوخ العرب وسلطان مسقط في ظل السلام الطويل والمستقر الذي أمنته لهم الحماية البريطانية البحرية (في البحر). ومع ذلك فإن هؤلاء لا يساهمون بأي شيء لتعزيز (وتمويل) وضع بالغ الفائدة بالنسبة لهم. كما أن اتفاقياتهم (مع الحكومة البريطانية) لا تتضمن أي اعتراف واضح بالحكومة البريطانية باعتبارها الحكومة والقوة العظمى صاحبة الكلمة المطلقة في المنطقة. أما حكومة الهند فإنها لم تمارس مطلقاً أي حق بالسيادة على هؤلاء الشيوخ.
وباستثناء الاجراءات والتحركات البحرية لا تملك هذه الحكومة أي حق في السيطرة عليهم والتحكم بهم. سيكون من الحكمة والمصلحة القصوى، وبهدف الحصول على حق كامل رد مطلق وتأمين الوضع على أساس دولي فعّال، هذا الوضع الذي اكتسبته الحكومة البريطانية عبر تاريخ ومسار طويل من السياسة المستقرّة، والتكاليف الباهظة، أن يتم وضع ترتيب ينص على أن يقدم الشيوخ المتصالحون (الموقعون على المعاهدات مع بريطانيا) مساهمة ولو صغيرة (تعويضاً) لنا مقابل حمايتنا (لهم).
أما مسألة الاثر الذي يحتمل أن تتركه تسوية مع تركيا على بلاد الفرس، فإنها لا تدخل في نطاق مسؤوليات حكومة الهند، يعلق الكولونيل روس المقيم السياسي في بوشهر، على هذا بقوله إن بلاد الفرس ستغضبها بلا شك أية محاولة تقوم بها تركيا لتسنّم مركز مشابه (لمركز بريطانيا) وهو لا يعتقد أن الأتراك سيجدون فائدة تذكر في القيام بمثل هذه المحاولة الاّ أننا نلاحظ هنا أن تصميماً وعزماً من هذا النوع، بخصوص المركز الذي يجب أن تحتله الحكومة التركية في هذه المناطق من الآن فصاعداً، لن يوقع ضرراً بالمصالح الفارسية. فطالما بقيت حدود السلطة التركية غير معرّفة أو محدودة، يمكن أن تقديم حجج قوية ومنطقية لتعزيز ودعم الأسطول التركي المتمركز في الخليج الفارسي.
إن زيادة في عدد السفن الحربية التركية في هذه المياه ستزيد حتماً زيادة كبيرة، من قدرة تركيا العدوانية ضد بلاد الفرس خصوصاً في هذه المنطقة التي تبدو فيها قدرة الشاه على المقاومة ضعيفة واهنة الى درجة الانعدام تقريباً. وحين تحدد هذه الحدود وتسوّى فإن عذر ومبرر زيادة لا نهاية لها في قوة الاسطول التركي في الخليج سيتضاءلان، ولن يكون هناك مبرر، مثلاً لزيادة حجم ذلك الأسطول بالقدر الذي كان الأتراك يفكرون فيه ويخططون له عام 1871.
بناءً على هذا الرأي، ستكون التسوية المقترحة مصدر فائدة لبلاد الفرس أيضاً.
يتوقع الكولونيل روس أن تؤدي مطالبة الحكومة التركية بحق السيادة على شبه الجزيرة العربية بأسرها الى إعاقة التوصل الى تسوية لمسألة حدود السلطة التركية. في الأيام الخوالي كان الاتراك يؤكدون أن نجد مقاطعة تركية، وأن الأمير الوهابي هو موظف تركي، وأن البحرين وأبو ظبي ودبي وبلدان اخرى منتشرة على الساحل انما تقع داخل مقاطعة نجد. نحن لا نعتقد ان هذه الادعاءات والمزاعم ستطرح من جديد عند بحث مسألة السيادة القانونية والتشريعية على الساحل.
أما اذا تم طرحها فإننا نفترض أن حكومة صاحبة الجلالة سترفضها رفضاً حاسماً وقاطعاً تماماً كما رفضت مطالبة تركيا بالبحرين وهو الرفض الذي جاء حاسماً، قوياً، وقاطعاً.
وتبقى مسألة الأسلوب الاجرائي الذي سيتَّبعه المقيم روس في بوشهر، والمعتمد السياسي في شبه الجزيرة العربية الخاضعة للحكم التركي، حيث يقومان بتنفيذ المهام التي لها علاقة بالسلطات التركية وتهم هذه السلطات. ليس هناك من شك في أن على المقيم في الخليج الفارسي أن يحيط المعتمد السياسي في شبه الجزيرة العربية الخاضعة للحكم التركي (في بغداد) علماً بصورة كاملة ومتواصلة بالاجراءات والتحركات التي تتضمن (احالة) الى المسؤولين الأتراك. من الضروري والحيوي جداً في مثل هذه المسائل أن يكون هناك تواصل دائم وسري بين المعتمدين البريطانيين. الصعوبة هنا تكمن في تقرير الاحكام والاصول التي تحدد النقطة والمستوى الذي يسمح بموجبه بتبادل المراسلات وانتقالها من المقيم في الخليج الفارسي الى المعتمد السياسي في شبه الجزيرة العربية الخاضعة للحكم التركي، وبصورة عامة نقول إن جميع المسائل المتعلقة بالسيادة القانونية والتشريعية التركية وبالمسؤوليات الواقعة على عاتق تركيا يجب أن تنقل الى معتمدية بغداد في أقرب وقت ممكن، في حين يستطيع المقيم في بوشهر في الحالات الطارئة، أن يبدأ أولاً بمخاطبة السلطات التركية. وينطبق الحكم نفسه على المراسلات المتبادلة ما بين المعتمد في بغداد وبين السلطات الفارسية في خوزستان.
أما بالنسبة للبقية، يجب أن يترك الكثير لحكمة المسؤولين المعنيين وخبرتهم وتجربتهم، ولتصرفهم المشترك، وقد يكون من المستحسن في هذا الخصوص أن تصدر بعض التعليمات العامة الى المعتمدين.
((رقم 55، سياسي/تاريخ 22 مايو 1879.رقم77، سياسي/تاريخ 23 يونيو 1879): كانت مسألة القضاء على القرصنة في الخليج الفارسي محل دراسة حثيثة حين وصلت الى وزارة شؤون الهند المراسلة التي اقتبسنا بعض مقاطعها أعلاه.أرسلت نسخة منها مرفقة برسائل أخرى أشرنا اليها أعلاه الى وزارة الخارجية وذلك طيّ رسالة السير ل.ماليت المؤرخة في الاول من أغسطس، وقد أضيفت الى تلك المراسلة الملاحظات التالية:
" يوافق اللورد كرانبروك عموماً على الآراء ووجهات النظر المطروحة في رسالة حكومة الهند رقم 127 وتاريخ الثاني والعشرين من مايو الماضي خصوصاً ما يتعلق منها بالميزات والفوائد المترتبة على تعليم الحدود التي سيعترف بالسيادة القانونية والتشريعية التركية على المناطق الممتدة على ساحل الخليج الفارسي داخلها.
الا أن هناك عدداً كبيراً من الأسئلة الهامّة التي تجب معالجتها بهذا الخصوص، وهي من الكثرة والاهمية بقدر يفضل سيادته (اللورد كرانبروك) معه أن يؤجل أي رأي شخصي بخصوصها الى أن يتمكن من الاطلاع على جميع المراسلات المتعلقة بهذا الموضوع ويدرسها دراسة وافية وعميقة".
( ردّت وزارة الخارجية في رسالة من السير جوليان بونسيفوت مؤرخة في الثالث والعشرين من أغسطس عالجت هذه الرسالة، أولاً، مضمون المراسلات الواردة من حكومة الهند تحت رقم 55 وتاريخ الثاني والعشرين من مايو ورقم 77 وتاريخ الثالث والعشرين من يونيو المشار اليهما اعلاه، ونقلت تفاصيل الاجراء الذي اقترح اللورد سالزبري اتخاذه بخصوصهما. بعد ذلك أوضحت الرسالة الموقف المتعلق بقضية العديد، وخلصت الى ابداء وجهات نظر اللورد سالزبوري بخصوص مسألة السيادة القانونية والتشريعية التركية:ـ
" سيكون من دواعي سرور اللورد سالزبوري أن يتلقى ملاحظات اللورد كرانبروك التي وعدتم بها في رسالتكم والمتعلقة بهذه المقترحات، الا أنه يبدو للورد سالزبوري من نظرة أولية، أن الترتيبات التي ترغب حكومة الهند في التوصل اليها والقائلة بوجوب إقناع الحكومة التركية بالموافقة عليها، هي ترتيبات بلا شك، مناسبة من وجهة نظر المصالح البريطانية، لكنها لا تكاد تقدم أي فائدة مقابلة لتركيا. من الواضح أن الباب العالي سيوافق، حسب توقعاتنا، على تعليم حدود سلطته على امتداد الساحل على أساس أن هذه السلطة لا تتجاوز، بأي حال من الأحوال المناطق المتاخمة للبدع وسيطلب منها ايضاً (أي من الحكومة التركية) أن تتخلى عن مطلب لم تتخل عنه أبداً بصراحة على الرغم من أن حكومة صاحبة الجلالة رفضته عملياً، ألا وهو مطلب السيادة على البحرين، الذي رفضت (الحكومة البريطانية) الاعتراف به، في حين ترفض الحكومة التركية الاعتراف بأن تلك الجزيرة تابعة لبريطانيا وخاضعة للحماية البريطانية. والأكثر من هذا، تطلب هذه المقترحات من الحكومة التركية أن توفق على حق شيخ البحرين في حال تعرضت اراضيه لاعتداءات، أن يتخذ الاجراءات الدفاعية التي يراها ضرورية وبموجب موافقة من المقيم البريطاني في بوشهر حتى ولو أدى ذلك الى مطاردته للمعتدين عليه الى داخل المناطق الخاضعة للسيادة القانونية والتشريعية التركية. بالاضافة الى ذلك تقترح (حكومة الهند) أنه، الى أن نطمئن نحن الى أن الحكومة التركية قادرة فعلاً على حماية رعايانا حماية فعّالة، فإن السفن الحربية البريطانية ستظل تقوم بأعمال الدورية، ممارسة الحق ومطاردة واعتقال القراصنة داخل المياه الاقليمية التركية، أو على الشاطىء اذا كانت مواقع القراصنة عليه تقع ضمن مرمى مدافع تلك السفن. وتلك عمليات احتجاز واعتقال ستتم بموجب اوامر صادرة عن المقيم البريطاني في الخليج الفارسي. بموجب هذه المقترحات تترك للسلطات التركية الصلاحية المطلقة للقيام بأية عمليات (عسكرية) قد تكون ضرورية على البر الرئيسي (بر شبه الجزيرة العربية)، وكذلك تأمين استعادة الممتلكات، ولو بالقوة، والتعويض عن الاضرار في حال ارتكاب القراصنة لأعمالهم من مواقع خاضعة للسيادة القانونية والتشريعية التركية".
إن الهدف المنشود الذي نسعى لتحقيقه، أي هدف القضاء على القرصنة والابقاء على قوة شرطة كفؤة لحماية البحار في الخليج الفارسي، هو هدف يعطيه هذا البلد (بريطانيا) أقصى اهتمامه، ولكنه هدف لا بد من الاعتراف بأن الحكومة التركية لا تعيره أي اهتمام، أو مبالاة.
وبناء على ذلك، فإن الورد سالزبوري عاجز عن اكتشاف الحوافر والمشجعات التي ربما تقود حكومة تميل الى الشعور بالغيرة والحسد من التدخل الاجنبي وترفض رفضا قاطعاً التخلي عن المطالبة بالسيادة المطلقة أو السيادة القانونية والتشريعية وبغض النظر عن غموض حدود وأبعاد هذه السيادة، تقودها الى اعطاء موافقة صريحة على المبادىء المبينة أعلاه.
" يبدو أنه أكثر عملية وأكثر تطابقاً وانسجاماً مع ما هو متعارف عليه أن نلتفت نحن الى السلطات التركية، بعد أن نكون حددنا لأنفسنا الحدود التي يمكن أن نعترف ونقرَّ بالسيدة القانونية والتشريعية التركية ضمنها، والتي يجب رفض هذه السيادة أو مقاومتها (بالقوة) اذا وقع تجاوزها، نلتفت الى تلك السلطات كمبدأ عام كي تمارس مهمة شرطة حقيقة وبكل ما تعنيه هذه الكلمة، داخل تلك الحدود وكي توافق على عمليات وتصرفات السفن الحربية البريطانية التي تقوم بأعمال الدورية في المياه الاقليمية التركية تحت ظروف خاصة فقط، وفي حالة حصولنا على موافقة السلطات المحلية (التركية) فحسب. مما لا شك فيه أن الاجراءات التي تبناها الباب العالي ظلت غير كافية وغير فعّالة حتى الآن، لكن الباب العالي وعد بإرسال تعزيزات بحرية جديدة وبذل جهود اضافية (لتحقيق الهدف المشترك) الى أن نرى ونلمس نتائج هذه الجهود والتعزيزات، لا يوجد سبب وجيه وأرضية كافية لتقديم اقتراح بتشكيل دوريات شرطة (بوليسية) في المياه التركية دون أن نقدم استثناءا مشابهاً للقطع البحرية التركية التي تقوم بأعمال الدورية.
" كما تعرض حكومة الهند مقترحاً آخر ينص كما يفهمه اللورد سالزبوري على أن الزعماء المتصالحين (الشيوخ الموقعين على معاهدات السلام البحري مع بريطانيا) وكذلك شيخ البحرين والذي يتمتع بوضع مشابه الى حد ما يجب أن يصيروا في المستقبل اتباعاً لبريطانيا العظمى مساهمين (في تكاليف حمايتهم).
كما عرض اقتراح آخر يقضي بأن يعاد النظر لعلاقاتنا مع مسقط، ولكن لم يتضح ما اذا كان هذا التعديل سيجري بنفس المفهوم وعلى نفس الاسس المبينة في الاقتراحات آنفة الذكر.
" هناك مقترحات يرى اللورد سالزبوري أنه لا يجوز التفكير بالأخذ بها الا بعد دراسة بالغة الجدية وفيما يتعلق بمسقط، يدرك اللورد كرانبروك بلا شك أن هذا البلد (مسقط) مرتبط بمعاهدة مع فرنسا (مؤرخة في العاشر من مارس من عام 1882) تنص على احترام فرنسا لاستقلال السلطان (سلطان مسقط). لقد شكلت سيادة (واستقلال) البحرين وعلى مدار زمن طويل، محور مطالبات عديدة تقدمت بها تركيا وبلاد الفرس. ولقد رفضتها حكومة صاحبة الجلالة البريطانية وفندتها في كل مرة طرحت فيها على بساط البحث ولكن خطوة كالتي تقترحها حكومة الهند الآن ستؤدي بلا شك الى تجديد اختلاف وجهات النظر والخلاف حول هذا الموضوع وسيثير شك كلا هاتين الدولتين (تركيا وفارس) ومشاعر الغضب لديهما. ربما يكون صحيحاً أن توسيع نطاق السلطة التركية على امتداد الساحل سترافقه احراجات ومساوىء تلحق بالتجارة البريطانية، وأن الوضع الحالي للزعماء المتصالحين لا يوفر نفس التسهيلات (الضرورية تلك) لمقاومة مثل هذا التوسع التي يوفرها اعتماد (تبعية) اكثر تحديداً ووضوحاً لبريطانيا العظمى. لكن اكتساب السيادة البريطانية على هذا القطاع من الأرض على ساحلي شبه الجزيرة العربية والمحافظة عليه لا يحتمل أن يثير مسائل لها نفس القدر من الاحراج.
((رقم 77 تاريخ الثالث والعشرين من يونيو، الارقام 102 و 104 وتاريخ الأول من سبتمبر 1878): في رسالتي السير ل.ماليت المؤرختين في السادس من سبتمبر والسابع من اكتوبر، أرفقت واحيلت الى الوزارة (وزارة الخارجية البريطانية) المراسلتان المبينتان في الهامش (أنظر مطلع هذه الفقرة) وأخيراً، وفي رسالة السير ل.ماليت المؤرخة في السابع عشر من سبتمبر، التي تم عرضها اعلاه، أعطى وزير شؤون الهند الرأي التالي حول المسألة العامّة (الأساسية) (المقصود:مسألة الوضع المضطرب والقلق على الساحل العربي للخليج الفارسي).
" من رأي اللورد كرانبروك أنه ما من شك في أن الاوضاع المضطربة والقلقة السائدة حالياً على امتداد الساحل العربي والبحار المتاخمة له إنما نشأت الى حد بعيد بسبب: (1) العراقيل التي تقف في طريق العمل المباشر (الذي تستطيع) السلطات البريطانية القيام به في الخليج وهي العراقيل التي يفرضها على الساحل العربي الموقع الذي ادعته الحكومة التركية لنفسها (هناك) منذ وقوع الحملة العسكرية (التركية) على نجد خلال عامي 1871 ـ 1872، و(2) بسبب الطبيعة غير المؤكدة وغير الواضحة لذلك الموقع (الوضع التركي) و(3) بسبب عدم القدرة العملية للمسؤولين العثمانيين في المحافظة على النظام والهدوء حتى على ذلك الجزء من الساحل الذي يظهر فيه النفوذ التركي كأقوى ما يكون.
" وبما أن الوضع على هذه الحال، فإنه يتضح للورد كرانبروك أن من الاهمية بمكان أن نقرر، وبأقصى ما يمكن من السرعة على عاتق من تقع مسؤولية حفظ الامن والنظام على امتداد الساحل، أهي على عاتق حكومة الهند لوحدها، أم على عاتق الباب العالي لوحده، أم على عاتق الحكومتين معاً وبالتضامن.
" لقد درس سيادته (اللورد كرانبروك) بكل الانتباه والاهتمام وجهات نظر حكومة اللورد لايتون بخصوص هذه النقطة كما أعربت حكومة لايتون عنها في مراسلتها رقم 127 وتاريخ الثاني والعشرين من مايو الماضي ودرس كذلك وجهات نظر اللورد سالزبوري كما عرضت في رسالة السير ج. بونسيفوت المؤرخة في الثالث والعشرين من شهر أغسطس.
" توصي حكومة الهند وتقترح أن يجري الاعتراف بسلطة الباب العالي على (الساحل) بدءا من البصرة وحتى العقير باعتبارها سلطة موطنة وقائمة على الارض أما في البحر فإن الحكومة (حكومة الهند) يجب أن تستمر في ممارسة نوع من الحماية المتوازية (الموازية/المشتركة) وتطارد القراصنة الى داخل المياه التركية اذا دعا الامر والضرورة الى ذلك، وأن تتعامل مع (تقتص من) هؤلاء القراصنة حيثما وجدوا سواء في البحر أو على الشاطىء ولكن ضمن حدود معينة، وبموجب أوامر من المقيم البريطاني في الخليج الفارسي، وأنه لا يجوز الاعتراف بالسلطة التركية على المنطقة الممتدة جنوب العقير أو شرقها باستثناء البدع الواقعة على ساحل شبه جزيرة قطر، وأن يطلب من الباب العالي أن ( آ) يتعهد بألاّ يتدخل في شؤون الشيوخ المتصالحين سواء في البحر أو على البر، ما بين العديد ورأس الخيمة، و(ب) أن يعترف بخضوع أراضي شيخ البحرين لحماية بريطانيا العظمى، و(ج) في حالة وقوع اعمال قرصنة تنطلق من مناطق خاضعة لسيادته (سيادة الباب العالي) القانونية والتشريعية أن يعيد الأموال والممتلكات المسروقة ويفرض (على الفاعلين) دفع التعويضات المترتبة.
" يلاحظ وزير خارجية صاحبة الجلالة أنه وفيما يتعلق بهذه المقترحات لا يحتمل أن يوافق الباب العالي على الحد من سيادته العامة أو سيادته القانونية والتشريعية. أو على قيام قوة (دورية) اخرى بعمل مستقل ومنفصل في الأقاليم والمياه المعترف بأنها تعود الى الاتراك، وذلك فيما اذا لم تقدم له (للباب العالي) حوافز تشجيعية. بناء على ذلك يقترح اللورد سالزبوري أنه سيكون أكثر عملية وأكثر انسجاماً مع التقاليد المتبعة أننا بعد أن نسوي ونقرر نحن الحدود التي يسمح بممارسة السيادة القانونية والتشريعية التركية داخلها، ويرفض تجاوزها، يتوجب علينا، وكحكم عام، أن نلتفت ونتطلع الى السلطات التركية من أجل ممارسة حماية قانونية وأمنية حقيقية ضمن تلك الحدود، وأن توافق على تحركات واعمال السفن الحربية البريطانية داخل المياه (الاقليمية) التركية في ظل ظروف خاصة (جداً) فقط وحين يتم الحصول فعلاً على موافقة السلطات المحلية (التركية) على هذه التحركات.
" يظهر أن الاعتراض الرئيسي على المسار الذي تقترحه حكومة الهند بالنسبة للورد كرانبروك، إنما يكمن في أن هذا المسار يتطلب اتفاقاً مسبقاً مع الباب العالي، يتفق سيادته (اللورد كرانبروك) مع اللورد سالزبوري في الاعتقاد بصعوبة التوصل اليه أو استحالة تحقيقه تقريباً، إذ بالاضافة الى صعوبة التفاوض الشديدة مع الحكومة التركية حول أي موضوع من المواضيع على الاطلاق، فإن المراسلات الماضية بخصوص نجد والبحرين تشير الى أنه، وفيما يتعلق بهذه المسألة على وجه الخصوص، يحتمل أن نجد أن تلك الحكومة ستكون غير منطقية وغير عملية بالمرة، وأنه من الميؤوس منه أن نتوقع أن بالامكان حفز الباب العالي أن يدوّن على الورق حتى وإن كان ذلك وثيقة دبلوماسية بعيدة جداً عن الوثائق الرسمية قبوله وموافقته على تحديد حدود سلطنة في شبه الجزيرة العربية، أو على أي شيء قريب من فرض حماية بحرية مشتركة (اقامة محمية بحرية مشتركة) مع الحكومة البريطانية على امتداد أي جزء من الساحل، ناهيك عن الموافقة على حماية بريطانية مطلقة على البحرين.
" من التجارب الماضية يجب أن نعتبر أنه من شبه المستحيلات ومن غير المحتمل أن يكون بالامكان وضع أي تعهد أو اتفاق تقبل به الحكومة التركية وينص على أن يجبر طرف ثالث على اعادة الممتلكات المنهوبة والتعويض المالي عن الاضرار ـ وضع تعهد كهذا موضع التنفيذ (إذ إنه غير قابل للتطبيق العملي). بخصوص هذه النقطة فإن الانعدام المطلق لأية نتائج للاحتجاجات والمطالبات التي قدمت (من قبل السفير البريطاني) في القسطنطينية خلال عامي 1876 و 1877 بخصوص القضايا المتعلقة بالرعايا البريطانيين الهنود (تشيلا وراما) والهجوم الذي شنَّ على قارب يعود الى (أهالي) أبو ظبي في ميناء البدع، هي حوادث ذات دلائل ومغزى لا يمكن تجاهلها.
" من جهة أخرى، يخشى اللورد كرانبروك ألا يؤدي المسار الذي يقترحه السير ج.بونسيفوت في رسالته المؤرخة في الثالث والعشرين من أغسطس الى تحقيق الهدف المنشود على الرغم من أنه قد يكون أقل ازعاجاً للباب العالي من المشار الذي تقترحه حكومة الهند.
" وفي حال تبني ذلك المسار، سيتم الاعتراف بسلطة الحكومة التركية ومسؤوليتها كسلطة ومسؤولية كاملتين داخل حدود اقليمية محددة نحددها نحن، ولن يسمح بممارسة هذه السلطة أو تلك المسؤولية مطلقاً فيما وراء تلك الحدود.
" اذا ما تقرر تحديد حدود السيادة القانونية والتشريعية العثمانية على امتداد الساحل، فإن بالامكان تحديدها وتثبيتها بعناية على أية نقطة تقع الى الشمال من العقير على الطرف المقابل للنهاية الجنوبية لجزيرة البحرين، ولكن عمليات قبائل القرصنة إنما ترتكب، وفي ظل حماية وحصانة شبه كاملة، على ذلك الجزء من الساحل تحديداً، والممتد بين تلك النقطة (العقير) والقطيف، وذلك منذ أن تم تدمير وازالة مستوطنة بني ياس التي كانت قائمة في العديد والتي أزيلت وهدمت عام 1878، حول هذه النقطة، يود اللورد كرانبروك أن يلفت انتباه اللورد سالزبوري الى رسالة الكولونيل روس المؤرخة في الثامن من شهر مايو والمرفقة برسالة حكومة الهند رقم 91 وتاريخ الثامن والعشرين من يوليو الماضي، والتي احيلت الى وزارة الخارجية في السادس من هذا الشهر.
" يخشى سيادته (اللورد كرانبروك) من أن يكون أثر الاعتراف رسمياً بتبعية أي جزء محدد من الساحل العربي والمياه المتاخمة له لتركيا، وبالتالي إغلاقه في وجه السفن الحربية البريطانية التي تقوم بأعمال الدوريّة في البحر، وبقدر ما يتعلق ذلك بالاجراءات التي تتخذها تلك السفن ضد مراكب القراصنة، أن يكون من آثار هذا الاعتراف خلق ملجأ أو مأوى يستغله لصوص البحر (القراصنة) عموماً، والذين لن تستطيع السلطات التركية المحلية السيطرة عليهم بدون زيادة كبيرة ودائمة في حجم القوة البحرية التركية في الخليج الفارسي. وهو الأمر الذي أعلن الباب العالي عن عدم قدرته على تحقيقه نظراً لتكاليفه الباهظة، وهو أمر سيكون محطّ اعتراضات عديدة لاعتبارات سياسية.
" الخلاصة التي يجد اللورد كرانبروك نفسه مقاداً للتوصل اليها، إذن، هي أن التفاوض مع الباب العالي أو حتى اجراء مباحثات معه حول المسألة الاقليمية هما أمران يجب تحاشيهما، ولكن لكي يتم تنفيذ التعهدات والالتزمات التي قطعتها حكومة الهند لشيخ البحرين والاطراف الموقعة على الهدنة البحرية، تنفيذاً كفأُ، يجب تخويل المقيم في الخليج الفارسي صلاحية تبني واتخاذ جميع الاجراءات الضرورية للمحافظة على الأمن في البحر، دون أي اعتبار سواء للادعاءات التركية بحق السيادة على الساحل العربي بأسره أو للاعتراف بالسيادة العثمانية من قبل بعض الشيوخ عليهم، كما هي بالنسبة لشيخ البدع أو حتى لوجود بعض الموظفين الرسميين الأتراك في هذه النقطة المنعزلة أو تلك.
" يبدو للورد كرانبروك أن لحكومة صاحبة الجلالة الحق في أن تعتبر أن استخدام بعض الموانىء المعينة كقواعد يشن منها القراصنة هجماتهم، وكون بعض القبائل متورطة في أعمال القرصنة تلك، دليلاً بديهياً كافياً على أن مثل هذه الموانىء ومثل تلك القبائل لا تخضع لسيطرة الحكومة العثمانية الفعّالة، وأن الحكومة البريطانية ستكون على حق إن هي أصدرت تعليماتها الى ضباطها للتعرف بناءً على هذا الحق المبرر.
" ومن رأي اللورد كرانبروك أيضاً أنه بعد الأخذ بعين الاعتبار للتأكيدات والتطمينات المتوالية التي أعطتها الحكومة التركية خلال عامي 1871 و 1872، أثناء الحملة العسكرية على نجد، والتي تعهدت فيها بألا تتدخل في شؤون القبائل الساحلية وأنها لا تفكر بأي تدخل من هذا النوع، وكذلك للتصريحات المتكررة التي أدلت بها الحكومة البريطانية والقائلة بأنها (الحكومة البريطانية) ستعترض على أي إخلال بالوضع القائم فيما يتعلق بهذه القبائل، فإن حكومة صاحبة الجلالة تستطيع إذا ما ارتأت ذلك مناسباً ومفيداً، أن ترفض بموجب حق مشروع، الاعتراف بتبعية أي جزء من الساحل الممتد جنوب الكويت لتركيا حتى ولو كانت السلطة العثمانية قائمة هناك بثبات وحزم أكبر مما هي عليه في الواقع.
" ولكن وبشرط ألا توضع أية عقبات أو عراقيل في طريق أية عمليات عسكرية قد تكون ضرورية للمحافظة على سلام البحار ومعاقبة اللصوص، وبشرط ألا تجري أية محاولة، سواء مع البحرين أو مع الشيوخ المتصالحين بدءا من العديد وانتهاء برأس الخيمة أو مع مسقط للتدخل في شؤونهم، فإن اللورد كرانبروك لا يرى موجباً لمنع تحركات الاتراك على أية نقطة من نقاط الساحل الممتد شمال العديد.
" إن سيادته (كرانبروك) إذ يعرب عن هذا الرأي، لا ينسى أن حكومة الهند ستحد من جماح الباب العالي وتمنعه من مدّ نفوذه الى ما وراء العقير، ولكن وفي حالة القبول بالشروط المدونة اعلاه، لا يرى اللورد كرانبروك سبباً مبرراً وكافياً للاعتراض على قيام علاقات بين السلطات التركية في الأحساء وبين قبائل شبه جزيرة قطر الى الشمال من العديد تكون مقبولة لدى الاطراف المعنيّة بها.
لابدّ أنكم أدركتم من خلال الملاحظات الواردة أعلاه، أن من رأي اللورد كرانبروك، أنه من بالغ الضرورة والاهمية، إذا ما أردنا إعادة النظام والهدوء الى الخليج الفارسي والمحافظة عليهما، ألا يسمح بمدّ نفوذ وسلطة تركيين إسميين فقط لا هدف لهما الا اعاقة عمليات واجراءات ضباط الحكومة البريطانية، وأن سيادته (اللورد كرانبروك) يرغب في العودة قدر الامكان الى النظام الذي كان متبعاً الى ما قبل بضع سنين والذي كان المقيم في بوشهر والسلطات البحرية البريطانية العاملة تنفيذاً لأوامره يتعاملان بموجبه مباشرة مع القبائل العربية المنتشرة على الشريط الساحلي بأكمله، فيأسران مراكب القرصنة حيثما وجداها، ويجبران الشيوخ المحليين على التعويض عن الجرائم التي يرتكبها أتباعهم.
" بموجب تعليمات أصدرتها قيادة البحرية البريطانية العليا في شهر مايو الماضي، يحرم على قادة سفن صاحبة الجلالة الحربية الموجودة في الخليج الفارسي القيام بأية عمليات هجومية داخل الاراضي التركية أو المياه الاقليمية التركية بدون موافقة السلطات التركية وتعاونها.
يقترح اللورد كرانبروك أن يدخل تعديل على هذه التعليمات، وأن يخول ضباط البحرية، بموجب توجيهات أو أوامر يصدرها المقيم اليهم، صلاحية التصرف (الفوري) تجاه أية قضية محددة، وبأسلوب حكيم يؤدي الى أسر اللصوص وانزال العقاب بهم، وأن يتجنب هؤلاء الاصطدام بالسفن الحربية التركية أو القوات التركية بكل العناية والحذر الممكنين بطبيعة الحال.
" إذا أظهر اللورد سالزبوري استعداداً بعد دراسة واعادة نظر في مقترحاته، على أن يوافق على السياسة المقترحة أعلاه، فإنه يمكن حسب رأي اللورد كرانبروك أن يترك الأمر لحصافة وحكم السفير البريطاني في القسطنطينية لكي يبلغ الباب العالي على الفور بعزم حكومة صاحبة الجلالة وقرارها، أو ينتظر احتجاجاً على تصرف السلطات البريطانية تجاه حادثة معينة.
الا أن الادعاءات التي أثارها مؤخراً عبد الله باشا، الحاكم العام للبصرة، مطالباً باعتبار جميع الموانىء المنتشرة في جنوب شبه الجزيرة العربية وشرقها، بما في ذلك البحرين ومسقط موانىء تابعة لتركيا يجب من وجهة نظر اللورد كرانبروك أن ترفض رفضاً قاطعاً، وقد تستغل هذه الفرصة لابلاغ الباب العالي بكل وضوح أنه بقدر ما يتعلق الأمر بشرق شبه الجزيرة العربية، وبمدى السيادة التركية (المطلقة) التي قد تعترف بها القبائل الساحلية المنتشرة شمال العديد، فإن حكومة صاحبة الجلالة لن تعترف بتوسيع هذه السيادة وبصورة تشمل الشيوخ المتصالحين أو حتى سلطات مسقط.
وختاماً، أُمرتُ بأن أدون هنا أن اللورد كرانبروك يتفق مع الرأي الذي يبديه اللورد سالزبوري والخاص بوجوب اعادة النظر في العلاقات التعاهدية بين الحكومة البريطانية وشيخ البحرين والزعماء المتصالحين، وحاكم مسقط وهو الاقتراح الوارد في رسالة حكومة الهند المؤرخة في الثاني والعشرين من مايو الماضي.
لا يبدو للورد كرانبروك أن الصلات الوثيقة مع هؤلاء الحكام العرب هي شيء ضروري أو حتى مفيد للمصالح البريطانية، أو أن أي هدف لا يمكن تحقيقه بطريقة أخرى يمكن تحقيقه عن طريق فرض جزية أو مساهمة مالية على هؤلاء الحكام أو مطالبتهم بأي شكل آخر من أشكال الاعتراف الرسمي بالسيادة البريطانية المطلقة (عليهم).
لقد كان هدف السياسة التي اعتمدتها حكومة الهند دائماً هو الامتناع عن التدخل في الصراعات والخلافات التي تقع بين القبائل على اليابسة، وإن الخروج عن هذه السياسة الذي قد يقود اليه اقامة صلات وارتباطات أوثق مع هؤلاء الحكام سيؤدي حتماً الى احراجات وموقف صعبة.
" سيرسل اللورد كرانبروك ردّه الى حكومة الهند على الأسس والمفاهيم المبينة أعلاه وحالما تصله وجهات نظر اللورد سالزبوري بخصوص المسألة الاساسية موضوع هذه الرسالة".
( يمكن تلخيص المقترحات الثلاثة المختلفة المتعلقة بالطريقة التي يجب أن يعالج على أساسها موضوع السيادة القانونية والتشريعية التركية في الخليج الفارسي على الشكل التالي:ـ
1 ـ أوصت حكومة الهند بالاعتراف بالسيادة القانونية والتشريعية التركية ضمن حدود معينة ومحددة، شريطة الاعتراف الموازي (المقابل من تركيا) بالسيادة القانونية والتشريعية البريطانية على البحر في حالات طارئة معينة ومحددة. وحكومة الهند لا تحبذ أبداً توسعاً وامتداداً اضافياً جديداً للسلطة التركية.
2 ـ اعترضت وزارة الخارجية البريطانية على اقامة سيادة قانونية وتشريعية متوازية (تركية ـ بريطانية) واعترضت أيضاً على عمليات الحماية الامنية والدوريات المشتركة (مع تركيا) وهي تنصح بالاعتراف بالسلطة التركية ضمن حدود تقررها الحكومة البريطانية وتنصح بالرفض المطلق لامتداد هذه السلطة فيما وراء تلك الحدود.
يجب في الاحوال العادية أن يحمّل الاتراك مسؤولية توفير الحماية الامنية الحقيقية والفاعلة ضمن حدود المناطق الخاضعة لسيادتهم القانونية والتشريعية، لكن يسمح بالعمليات (العسكرية/ الامنية) البريطانية داخل المياه الاقليمية التركية في حالات خاصة، وبموجب موافقة مسبقة من قبل السلطات (التركية) المحلية.
3 ـ كانت وزارة شؤون الهند تعارض أي تحديد لحدود السيادة القانونية والتشريعية التركية، وكانت تصر على أنه لا يجوز أن يسمح لمجرد الادعاءات التركية غير الموثقة بالسيادة بأن تعيق أو تعرقل العمليات البريطانية. ولكن حيثما أقيمت السلطة التركية ووطدت دعائمها فعلاً، أو حيثما تقام وتتوطد في المستقبل، على أي جزء من الساحل شمال العديد، ـ وباستثناء جزر البحرين ـ فإنه يتوجب الاعتراف بهذه السلطة. وبالاضافة الى ذلك، وشريطة ألا تكون أية عراقيل قد وضعت في طريق اية عمليات قد تكون ضرورية لصيانة الامن والسلام في البحر، ومعاقبة اللصوص، وشريطة الا تقع أية محاولة للتدخل سواء في شؤون البحرين أم في شؤون الزعماء المتصالحين، بدءا من العديد وانتهاء برأس الخيمة، أم في شؤون مسقط، فإنه يمكن السماح للأتراك بإقامة سلطة عثمانية تمتد جنوباً حتى العديد.
تباينت مقترحات حكومة الهند واختلفت اختلافاً جذرياً عن مقترحات وزارة الخارجية، اذ لا تسمح وزارة الخارجية في الاحوال العادية بالقيام بعمليات بريطانية داخل حدود السيادة القانونية والتشريعية التركية. ونجد أن الأثر العملي لهذا الاختلاف والتباين إنما يعتمد على مساحة وامتداد الحدود الاقليمية التي يتوجب على وزارة الخارجية أن تكون على استعداد للاعتراف بها وبوجود سلطة تركية مثبتة وموطدة داخلها. لم ترفض وزارة الخارجية فكرة حكومة الهند القائلة بامكانية حماية أمنية مشتركة رفضاً قاطعاً. وهناك ميل ظاهر لمنح الاتراك فرصة أخرى وانتظار نتائج الاجراءات المحددة والأشد حزماً التي وعدوا (الاتراك) بتطبيقها.
* ستجدون أن وجهات نظر وزارة شؤون الهند لم تخضع لتغيير جذري وكامل. ففي رسالة السير ل.ماليت المؤرخة في الاول من أغسطس، وافق اللورد كرانبروك عموماً على مقترحات حكومة الهند، خصوصاً اقتراحها الخاص بتحديد حدود السلطة التركية. وفي رسالة السير ل.ماليت اللاحقة يشكل الاعتراض على مثل هذا التحديد الخاصية المميزة لسياسة اللورد كرانبروك بل نجد تأكيداً واصراراً خاصاً على هذا الاعتراض.
* النقطة الاخرى التي تسترعي الانتباه كانت الاقتراح الذي عرضه اللورد كرانبروك والمتعلق بالتعليمات التي توجب اصدارها لارشاد وتوجيه ضباط البحرية البريطانية في الخليج.
* في شهر مارس من عام 1879 كتب الكولونيل روس الى الكابتن وودهاوس قائد السفيينة الحربية تيزر يبلغه بأن حكومة الهند أعطت موافقتها على العمليات البحرية ضد القراصنة على ذلك الجزء من الساحل العربي الخاضع لسلطة الاتراك والذي باتت عصابات اللصوص تعشعش فيه مؤخراً، سواء وقعت هذه العمليات داخل المياه الاقليمية التركية أم خارجها، بما في ذلك الاستطلاع والاستكشاف الكاملين والناجزين للشريط الساحلي المشار اليه، وكذلك استعادة المراكب البحرينية التي سطا عليها البدو وسرقوها، وابعاد تلك القوارب التي يحتمل أن يستولوا عليها ويستخدموها في ارتكاب جرائم جديدة، ابعادها عن متناول أيديهم.
* أعطيت هذه الموافقة مشروطة بتوفر اتفاق كامل حول الموضوع بين ضباط البحرية (البريطانية) من جهة والمقيم (البريطاني) في الخليج الفارسي من جهة أخرى، وعلى أساس ألا تجري او تنظم أية حملة (عسكرية) على أرض الجزيرة العربية (البر الرئيسي) الخاضعة لسلطة تركيا اذا كانت هذه الارض بعيدة عن مرمى مدافع السفن الحربية البريطانية.
* أحال الكابتن وودهاوس هذه التعليمات الى القائد الاعلى للقوة البحرية كما رفعتها آمرية (وزارة) البحرية الى وزارة الخارجية حيث أرفقتها باستفسار عما اذا كانت رغبة حكومة صاحبة الجلالة تقضي بتبني المسار الذي ارتأته حكومة الهند. أعرب اللورد سالزبوري عن شعوره بصعوبة ابداء موافقته على الاجراءات المقترحة وذلك لعدم توفر ايضاحات اضافية (حول هذه المقترحات). إذ كان يخشى ألا تتمكن السفن الحربية البريطانية من التعامل الا مع حالات القرصنة التي تنطبق عليها القوانين الدولية فقط، أي اعمال القرصنة المرتكبة في أعالي البحار وما وراء المياه الاقليمية التركية في غياب نص تعاهدي أو معاهدة تنص على غير ذلك، كما كان يخشى من أية عمليات عسكرية قد تشنها القوى البحرية البريطانية على اليابسة ( أرض الجزيرة العربية) قد تصبح موضع احتجاج الحكومة التركية الصارخ حتى ولو كانت هذه العمليات وتلك الأرض ضمن نطاق مرمى مدافع السفن الحربية البريطانية. رداً على طلب وزير شؤون الهند إعداد تقرير كامل ومفصل (أنظر:برقيته المؤرخة في العشرين من مايو) أحالت حكومة الهند الوزير (طلبت اليه العودة) الى مراسلتها المؤرخة في الثاني والعشرين من مايو، وبانتظار تعليمات جديدة رغبت قيادة (وزارة) البحرية الى قادة السفن الحربية البريطانية في الخليج الفارسي الا يقوموا بأية عمليات عدائية داخل المناطق التركية أو مياهها الاقليمية الا بعد أخذ موافقة السلطات التركية أو تأمين تعاون هذه السلطات.
* ورد في الفقرة الرابعة من هذه الدراسة أن رسالة السير ج.بونسيفوت المؤرخة في الثالث والعشرين من شهر أغسطس عالجت أيضاً موضوع المراسلتين من حكومة الهند رقم 55 ورقم 77 وتاريخ الثاني والعشرين من مايو والثالث والعشرين من يونيو.
( قال السير ج.بونسيفوت إن نسختين من هاتين المراسلتين سترسلان الى السير هـ.ليراد الذي سيخول صلاحية استخدام رأيه ودرايته في أمر تقديم احتجاجات جديدة الى الباب العالي، بخصوص تسليم رعايا البحرين المتواطئين والمتورطين في الغارة الاخيرة على تلك الجزيرة، أم بخصوص الفائدة العملية المترتبة على المطالبة بتعويض (والحصول عليه) لفائدة الذين عانوا وتضرروا من الجرائم المختلفة المبلغ عنها والتي تعني الحكومة البريطانية وتهمها. يظهر أن السير هـ.ليارد كان قد أعرب عن تأييده ومساندته للطلب الذي تقدم به الكولونيل نيكسون بخصوص النقطة الاولى (تسليم رعايا البحرين) وذلك في مذكرة شفهية لم ترسل نسخة منها الى حكومة الهند.
* في رسالة لاحقة مؤرخة في الثاني والعشرين من سبتمبر أحال السير ج.بونسيفوت نسخاً من (مراسلات) أخرى وصلت من السير هـ.ليارد تبين الخطوات الجديدة التي اتخذت لاجبار الاتراك على تبني اجراءات اكثر حزماً في الخليج الفارسي. في أوائل شهر سبتمبر وعلى اثر وصول مراسلة من المقيم السياسي في بغداد تتعلق بازدياد وتصاعد اعمال القرصنة في الخليج، أرسل السير هـ.ليارد المذكرة الشفهية التالية الى الباب العالي، متابعة لمذكرات سابقة حول ذات الموضوع:ـ
" يعتبر سفير صاحبة الجلالة من واجبه أن ينقل الى الباب العالي، وأن يسترعي أقصى انتباهه وعنايته الى المقتطفات المرفقة من مراسلة تلقاها (السفير) من القنصل العام البريطاني في بغداد حول أعمال القرصنة في المياه التركية في الخليج الفارسي.
" ويدرك الباب العالي بلا شك أن الحكومة البريطانية نجحت، بعد سنوات طويلة دفعت خلالها ثمناً باهظاً من التضحيات بالأرواح والأموال في وضع حد نهائي لأعمال القرصنة في تلك المياه. إن حكومة صاحبة الجلالة لا يمكن أن تسمح بأن تعاني المصالح البريطانية والتجارة البريطانية وتتضرر نتيجة تجدد هذه القرصنات في أعقاب اعترافها (اعتراف الحكومة البريطانية) بالسيادة القانونية والتشريعية التركية على اجزاء معينة من الساحل العربي (للخليج الفارسي).
لابد أنه واضح تماماً لدى الباب العالي أنه اذا استمرت الاوضاع على حالها وكما يصفها القنصل العام البريطاني واذا ما سمح لها بأن تستمر على هذا المنوال فإن حكومة صاحبة الجلالة ستكون مضطرة لأن تتخذ من الاجراءات ما قد يكون ضرورياً لحماية الرعايا البريطانيين والسفن والشحن البحري البريطاني في الخليج الفارسي.
" يظهر من التقارير التي وصلت سفارة صاحبة الجلالة أن مسؤولية تجدد اعمال القرصنة مؤخرا تقع بصورة رئيسية على عاتق عبد الله باشا، حاكم البصرة، الذي يظهر عدم مبالاة مطلقة بالاحتجاجات الملحة والفورية التي قدمتها اليه السلطات البريطانية بخصوص هذا الامر، والذي امتنع حتى الآن عن تبني الوسائل المطلوبة لاخماد القرصنة ومعاقبة الذين ارتكبوها.
" إنه لمما يسعد سفارة صاحبة الجلالة أن تعترف وتقر بأن أحمد بيه الذي أرسل قبل بضعة أشهر لقيادة السرب البحري (الاسطول) التركي في مياه الفرات والخليج الفارسي، قد أظهر رغبة جامحة في معالجة هذا الشر المستطير والقضاء عليه.
" لقد أحزن سفير صاحبة الجلالة أن يسمع بنبأ وفاة أحمد بيه المبكرة (المفاجئة) ولنا كل الأمل في أن يبرهن خلفه على مستوىً مماثل من النشاط والتصميم على القيام بالواجب المناط به على الرغم من أي مقاومة أو اعتراض قد يواجهه به عبد الله باشا. غير أنه اذا ما عادت القبائل المنتشرة على الساحل العربي (للخليج الفارسي) الذي يدعي الباب العالي حق السيادة القانونية والتشريعية عليه الى ممارسة عادات القرصنة التي كانت عمليات السلطات البريطانية قد ردعتها عنها في الماضي، واذا ما تعرضت سلامة حركة السفن التجارية البريطانية والرعايا البريطانيين مرة أخرى للخطر والتهديد بالاعتداءات القرصانية كالتي ورد وصفها في الوثائق المرفقة، فإن مسؤولية العواقب المترتبة تقع على عاتق الباب العالي وحده.
* سيلاحظ أن السير هـ.ليارد يقرّ في مذكرته الشفهية بأن السيادة القانونية والتشريعية التركية على أجزاء معينة من الساحل العربي قد تم الاعتراف بها فعلاً، وأنه يلقي مسؤولية استمرار اعمال القرصنة على عاتق الحكومة التركية. من الواضح أن المقصود ربما كان أن يقتصر تصرف الحكومة البريطانية على الاجراءات الضرورية لحماية الرعايا البريطانيين وحركة السفن التجارية البريطانية في الخليج.
* رداً على مذكرة السير هـ. ليارد جاء جواب وزير الخارجية التركية كما يلي:ـ
الباب العالي - وزارة الشؤون الخارجية
8 سبتمبر 1879 - رقم 131
مذكرة شفهيّة
تسلم وزير الشؤون الخارجية (التركية) مذكرة شفهية من سفير صاحبة الجلالة البريطانية، تحت رقم 177 وتاريخ السادس عشر من شهر يوليو، تتعلق بحوادث القرصنة التي ستقع (وقعت؟) في الخليج الفارسي. وقد أرسل الوزير هذه المذكرة مع مرفقاتها، الى وزارة (قيادة) البحرية (التركية).
في رده على هذه المذكرة أبلع سعادة راسم باشا الباب العالي أنه أصدر أوامره الى قائد الاسطول البحري (التركي) في البصرة لمضاعفة اليقظة والحذر حتى لا تتكرر مثل هذه الحوادث في المستقبل.
كما قال أنه سيتم ارسال قطع حربية اضافية من الاسطول الامبراطوري (العثماني) الى تلك المناطق لتقوم بمطاردة القراصنة وملاحقتهم".
* بقية المراسلات التي اطلع عليها وزير (شؤون الهند) هي رقم 91 تاريخ الثامن والعشرين من يوليو، ورقم 102 ورقم 104 وكلاهما تحمل تاريخ الأول من سبتمبر.أولى هذه المراسلات تعالج بصورة خاصة الخسائر التي تكبدها شيخ البحرين، وتبين الاجراءات التي التزمت الحكومة البريطانية تنفيذها بموجب المعاهدة (المعقودة بينها وبين شيخ البحرين) لاسترداد التعويضات عن هذه الخسائر.
كما تضمنت هذه المراسلة رسالة من الكولونيل روس تناقض لأسباب تعرضها، رأي الكولونيل نيكسون القائل بأن أعمال القرصنة التي ارتكبت مؤخراً في الخليج الفارسي إنما مصدرها الصراعات المميتة والمهلكة بين القبائل القاطنة على البر الرئيسي (لشبه الجزيرة العربية). ويعزو الكولونيل روس هذه القرصنات الى اهمال السلطات التركية وعزوفها عن التعامل القوي والحاسم مع مرتكبي هذه القرصنات منذ البداية.
المراسلة التالية تحمل رقم 102 وتاريخ الاول من سبتمبر، وقد أرفق بها أوراق تتعلق بأعمال قرصنة جديدة ارتكبتها قبيلة بني هاجر والقبائل الاخرى، وقد أرسلت هذه الوثائق أصلاً الى الكولونيل روس، المقيم السياسي البريطاني في بوشهر.
أما المراسلة المتبقية، رقم 104 وتاريخ الاول من سبتمبر، فقد ارفقت بالمراسلات التي أرسلت الى لندن (؟) وتتعلق باستسلام علي بن جابر لشيخ البحرين.
* (سياسي/آ، مايو 1880، رقم 37): لاحقاً لمراسلة وزير شؤون الهند رقم 40 وتاريخ السادس من نوفمبر 1879 والتي تمت مناقشتها في الفقرة السابقة، أحال الوزير في مراسلته رقم 4 (سري) وتاريخ التاسع والعشرين من يناير عام 1880 مراسلات جديدة تبودلت بين وزارة شؤون الهند ووزارة الخارجية حول موضوع السيادة القانونية والتشريعية التركية على امتداد الساحل العربي للخليج الفارسي، والمحافظة على السلام في بحار تلك المناطق.
لأسباب تمّ عرضها في تلك المراسلات، لم يتم تبني السياسة التي اقترحها السير لويس ماليت في رسالته المؤرخة في السابع عشر من سبتمبر (وأشير اليها في فقرة سابقة)، لكن السفير البريطاني في القسطنطينية خوّل صلاحية عرض اقتراح على الحكومة التركية ينص على وضع ترتيب (اتفاق) يسمح بموجبه لسفن الدوريات البحرية البريطانية بحرية عمل كافية للقضاء على أعمال القرصنة في المياه الاقليمية لذلك الجزء من اليابسة الرئيسية (المواجهة لمنطقة الأحساء والقطيف) حيث السلطة العثمانية قائمة وموطدة الى حد ما، أي على امتداد الساحل شمال العديد.
* خلال هذه المناقشات والمباحثات طرحت وزارة الخارجية (البريطانية) على قانونيي التاج البريطاني سؤالاً يتعلق بالقانون الدولي: هل إنه بموجب الظروف المعروضة في المراسلات حول هذا الموضوع، وبالنظر الى عدم رغبة الحكومة التركية أو عدم قدرتها على منع الجرائم التي ترتكبها عصابات القرصنة التي تنظم وتنطلق من مناطق خاضعة لسلطتها (سلطة الحكومة التركية وسيادتها القانونية والتشريعية) يحق لحكومة صاحبة الجلالة (البريطانية) أن تخوّل قادة السفن الحربية البريطانية صلاحية مطاردة القراصنة واللصوص داخل المياه الاقليمية التركية، وتدمر معاقلهم المقامة على البر الرئيسي التركي (أرض الأحساء والقطيف).
* رأى رجال القانون الرسميون أن الظروف، كما عرضت (في المراسلات) لا تبرر مثل هذا الاجراء وبناء على ذلك، رأى اللورد سالزبوري أن هناك اعتبارات اخرى أهم وأكبر تتعلق بالسياسة الامبراطورية (البريطانية) تجعل من غير المفيد ولا العملي تبني مسار حول هذه المسألة قد يعتبره الباب العالي غير ودي بل وعدوانياً أو تستخدمه قوى ودول أخرى باعتباره يكشف عن نية (بريطانيا) وعزمها على تدمير أو اضعاف سلطة السلطان في جزء من ممتلكاته الآسيوية.
* كانت النتيجة أن أُعلم السير هـ.آ.ليارد بأنه لا يمكن السماح باستمرار الاوضاع الحالية، وأنه يجب مطالبة الحكومة التركية بالتعاون من أجل القضاء على القرصنة. اقترحت حكومة صاحبة الجلالة لهذا الغرض أن يخول قادة السفن الحربية البريطانية المكلفين بمهمة حماية أمن الخليج الفارسي صلاحية مطاردة مراكب القرصنة وأسرها داخل حدود الثلاثة أميال على ذلك الجزء من الساحل حيثما بدا لهم أن مسار التحرك هذا لا غنى عنه للوصول الى هدفهم، وأن يخول هؤلاء أيضاً بطبيعة الحال وحين تصدر اليهم الأوامر لتنفيذ العمليات الموكلة اليهم، صلاحية مطاردة القراصنة خارج المياه الاقليمية لليابسة الرئيسية قدر ما كان ذلك ممكناً، في المنطقة الممتدة الى الشمال من العديد. وسيكون مفهوماً لديهم أنه في حال وجود سفينة حربية تركية على مقربة منهم، لا يجوز أن تقوم السفن الحربية البريطانية بعمل أو تحرك (ضد القراصنة) بدون دعوة قائدها الى التعاون والمشاركة، ثم تترك له، اذا رغب في ذلك حصة الاسد في العملية. واضافة الى ذلك، وحيثما بدا ذلك ممكناً عملياً، يجب السعي للحصول على موافقة مسبقة من أي حاكم تركي أو مسؤول مماثل يمارس صلاحيات على اليابسة الرئيسية (منطقة الأحساء والقطيف المتاخمة مباشرة لمنطقة العمليات. في كلا الحالتين ستعامل أية مكاسب (انتصارات/اعتقال للمراكب/اسر القراصنة.. الخ) تتم داخل الحدود التركية المعترف بها، حسب رغبة السلطات التركية. وقد صدرت توجيهات الى السير هـ.ليارد لكي يتأكد من الحكومة التركية عما اذا كان مثل هذا الترتيب ستقبله وزارة السلطان.
* وفي مراسلات أكثر سرية، أُبلغ السير هـ.ليارد أنه حيثما كانت السلطة التركية قائمة وموطدة فعلاً على الساحل في ذلك الوقت (وقد طرح الموضوع على الاتراك)، فإن حكومة صاحبة الجلالة على استعداد تام للاعتراف بها، وسيسرها أن ترى هذا الاعتراف وقد رافقته ادارة نظامية ومتحضرة. اضافة الى ذلك، وفيما يتعلق بمسقط والبحرين وممتلكات الزعماء المتصالحين على الساحل الممتد ما بين العديد ورأس الخيمة ضمناً فإن حكومة صاحبة الجلالة، في حين تعتبر من غير الضروري أن تسعى للحصول على تصريح رسمي من الباب العالي يتخلّى بموجبه عن مطالبته في السيادة على تلك المناطق ليست مستعدة في أي حال من الاحوال لأن تتراجع عن رفضها المتكرر الاعتراف بهذه المطالب (الحقوق) كما أنها تجد نفسها ملزمة بموجب التزاماتها التعاهدية مع عدد من الزعماء، بمقاومة أية محاولة، سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة، تجري لوضع هذه المطالب موضع التنفيذ.
* في معرض مناقشته للمقترحات المبينة اعلاه، طلب من السفير البريطاني في القسطنطينية أن يضع هذه الاعتبارات أمام الوزراء الاتراك، وذلك بهدف تبيان المدى الذي قصد أن تشمله هذه الترتيبات (حجم الامتداد الجغرافي) والعواقب المحتملة لرفض هذه الترتيبات. كما طلب من السير هـ. ليارد أن يمتنع عن القيام بأية محاولة للتوصل الى ترتيب (اتفاق) من النوع المقترح اذا رأى ذلك مناسباً، وقد يكون من الأفضل في هذه الحالة أن يعطى ضباط البحرية البريطانيون قدراً من حرية التصرف والرأي الشخصي فيما يتعلق بزيارة مياه ساحل الاحساء لأغراض الدورية وحماية الامن، وذلك بعد الحصول على موافقة السلطات التركية المحلية المسبقة كلما كان ذلك ممكناً، وألا يأبهوا لمخاطر الاحتجاجات (التركية) في الحالات الاخرى. واذا كان من رأيه أن يعلق أو يؤجل العمل بهذه التعليمات، فعليه أن يقترح مساراً أو خط عمل بديل. وفي جميع الاحوال، طلب اليه أن يوضح للباب العالي بما لا يدع مجالاً للشك أن حكومة صاحبة الجلالة لا يمكن أن ترضى أو تسكت عن أية محاولات جديدة تهدف الى مقابلة مطالباتها ومفاتحاتها ومبادراتها بالمماطلة والتسويف والتأخير بينما هي تبدي استعدادها لمكافحة الشر الذي مايزال مستمراً بدون رادع، في حين إذا ما رُغِبَ اليها وطلب منها أن تستأصله فإنها على استعداد للقيام بذلك.
( في مراسلته السرية رقم 44 وتاريخ الثاني عشر من نوفمبر عام 1880 (أنظر:سري/يناير 1881، رقم 110) أحال وزير (شؤون الهند؟) نسخة من مراسلات لاحقة حول الموضوع. اتضح من هذه المراسلات أن التعليمات التي أعطيت للسير هـ.ليارد قد نقلت الى الباب العالي، بأمر منه (من ليارد) في مذكرة أعدها السير آ.ساندسون وعلى اثرها طلب عابدين باشا، الحاكم العام (والي) لبغداد من السير آ.ساندسون أن يزوّده خطياً بوجهات نظر حكومة صاحبة الجلالة. استغل المستر غوسوهين (أو غوسوشين Mr. Gosohen, or Gosochen) هذه الفرصة التي سنحت له لكي يوجه الخطاب التالي الى حاكم عام (والي) بغداد:ـ
تاريخ: ثيرابيا، 7 يوليو 1880
من: النائب في مجلس العموم ج.ج.غوسوهين، أو غوسوشين، سفير صاحبة الجلالة في القسطنطينية
الى: سعادة عابدين باشا، والي بغداد
" لي الشرف بأن أسترعي انتباه سعادتكم الجدّي الى موضوع عرض على الباب العالي مرات عديدة من قبل السير هـ. ليارد والمقصود هنا الأذى والضرر الذي الحق وما يزال يلحق بحركة التجارة في الخليج الفارسي نتيجة أعمال القرصنة المتلاحقة والمتوالية التي ارتكبت على امتداد العامين الماضيين، انطلاقاً من ذلك الجزء من الساحل العربي (للخليج الفارسي) الذي يدعي الباب العالي أنه أقام عليه ووطد دعائم سيادته القانونية والتشريعية.
" واضح من التقارير التي تلقتها سفارة صاحبة الجلالة حول الاضرار الجسدية والمادية التي يتعرض لها الرعايا البريطانيون والآخرون الخاضعون للحماية البريطانية من جراء هذه الاعتداءات أنه ما لم يوضع حد لممارسات هؤلاء اللصوص وما لم ينزل بهم العقاب الفعّال، فإن التجار المسالمين في هذه المياه سيظلون معرضين لتهديد خطير.
" من المؤكد أن الردود التي تلقتها (الحكومة البريطانية) من الباب العالي استجابة لاحتجاجات السير هـ.ليارد لم تخل من تعابير المجاملة والنيات الطيبة. ولكن لسوء الحظ، إما بسبب انعدام الهمة والنشاط لدى المسؤولين المحليين، أو قلة الوسائل المناسبة لاتخاذ اجراءات بحرية أو عسكرية (بريّة) فعّالة، فإن تطمينات الحكومة المركزية وتأكيداتها لم تأخذ شكل التطبيق والتنفيذ العمليين على الارض اطلاقاً. فلم تفعل السلطات التركية الا القليل عديم التأثير لالقاء القبض على الفاعلين أو معاقبتهم، وعلى حد علم حكومة صاحبة الجلالة لم تجر أية محاولة من قبل تلك السلطات لتحقيق مطلب استعادة الممتلكات المسروقة أو التعويض عنها، ولدينا الكثير من الاسباب ما يدفعنا للاعتقاد بأن مرتكبي هذه الجرائم، وقد شجعهم غياب اية اجراءات وقائية ضدهم سيواصلون ارتكاب جرائمهم وعلى نطاق واسع. ولقد تلقت سفارة صاحبة الجلالة فعلاً تقريراً يفيد بأن قبيلة بني هاجر عادت مرة أخرى الى السطو على مراكب (تابعة لـ) ساحل قطر في الخليج الفارسي. وواضح إذن أيضاً أن وضعاً كهذا الوضع لا يجوز أن يسمح له بالاستمرار، لأن هذا ليس من أو في مصلحة الحكومة التركية ذاتها، ولا من مصلحة الاقطار الاخرى المهتمة بتجارة الخليج الفارسي.
" من الصعب جداً، بل من المستحيل أن يصدق المرء أن تسمح الحكومة التركية لأي بلد يخضع حقاً خضوعاً فعلياً لسلطتها أن يستخدم في زمن السلم كمحطة تنطلق منها الاستعدادات لحملات السطو والسرقة والنهب، والتي لا هدف لها سوى السطو، بلا تمييز على التجارة المتحركة (المسافرة) عبر المياه المحيطة بتلك البلدان، وإن حكومة صاحبة الجلالة لعلى اقتناع تام بأن الباب العالي سيظهر تعاوناً فورياً مع أية خطوة تبدو كفيلة بمنع وقوع مثل هذه الاعمال، وما ينتج عنها، وهو امر لا مفرّ منه، من مطالبات مزعجة (بالتعويض) وكذلك التساؤلات التي لا بد وأن تطرح في أعقابها.
" وتقترح (الحكومة البريطانية) لهذا الغرض أن يتمتع قادة السفن الحربية البريطانية المكلفة بمهمة دوريات الحماية الامنية في الخليج الفارسي، ولو أن مهمتهم الأساسية هي القيام بعملياتهم خارج المياه الاقليمية للبر الرئيسي العربي الممتد شمال عدن (ربما المقصود العديد؟)، ـ أن يتمتعوا أيضاً بصلاحية وسلطة مطاردة مراكب القراصنة وأسرها داخل حدود الثلاثة أميال على ذلك الجزء من الساحل حيثما بدا هذا المسار والتحرك حتمياً لا مفرّ منه لتحقيق أهدافهم.
" من البديهي أنه في حالة وجود قطعة بحرية تركية قريبة من منطقة العمليات، لن تقوم السفن الحربية البريطانية بأي عمل الا بالتعاون مع القائد (البحري) التركي (لتلك القطعة البحرية) وستترك له، اذا رغب في ذلك الحصة الرئيسية في العمليات، وإضافة الى ذلك، وحيثما كان ذلك ممكناً عملياً سيسعى (ضباط البحرية البريطانية) الى الحصول على موافقة مسبقة من أي حاكم تركي أو مسؤول مشابه يكون على البر الرئيسي المتاخم مباشرة لمنطقة العمليات.
" وفي كلا الحالتين، فإن أي مكاسب تتحقق داخل الحدود التركية المعترف بها يمكن التعامل معها حسب رغبة السلطات التركية.
" لي الشرف الآن أن اطلب من سعادتكم أن تدرسوا هذه المسألة بعناية، وأن تتفضلوا باعلامي في أقرب فرصة ما اذا كان الباب العالي على استعداد للدخول في اتفاق من النوع الموصوف اعلاه، والذي سيكون هدفه ونتائجه تعزيز سلطة السلطان في المناطق المعنية اكثر منه اضعافها أو تقليصها".
*في نفس الوقت بعث المستر غوشين المذكرة التالية التي اعدها المستر بلاودن.
مذكرة حول السيادة القانونية والتشريعية التركية على الساحل العربي للخليج الفارسي
" 1 ـ يظهر أن الحكومة البريطانية استخدمت في مراسلاتها الاخيرة حول موضوع السيادة القانونية والتشريعية التركية في الخليج الفارسي، عبارات لا يمكن فهمها الاّ كاعتراف وقبول بوجود سلطة تركية ما على ساحل الاحساء، وبالتالي قررتم سعادتكم عقد اتفاق (ترتيب) مع الحكومة العثمانية من النوع الموصوف في رسالة وزارة الخارجية (البريطانية) رقم 12 وتاريخ الخامس من يناير، كما قررتم رفض السياسة البديلة المقترحة في مراسلة أخرى من وزارة الخارجية رقمها 13 وتحمل نفس التاريخ.
" كل ما أستطيع قوله حول هذه النقطة هو أن ترتيباً (اتفاقاً) من النوع المقترح في المراسلة رقم 12، يقوم، كما هو مقترح، على اساس اعتراف قاطع ومحدد بالسيادة التركية، ربما يتوقع منه أن يسهل تثبيت مطالب (حقوق) تركية على الساحل العربي عموماً، ويعزز بالتالي، وبدرجة كبيرة جداً، المزايا والفوائد التي حققها الباب العالي فعلاً من الصياغة التي سادت المراسلات الأخيرة. اذا نحينا هذه المراسلات جانباً، وهي مراسلات لست على علم أو اطلاع على طبيعتها بدقة، فإننا نكتشف اعتراضات وجيهة على ادعاء تركيا ملكية الاحساء وحتى المناطق الاخرى على الساحل. إن عقد الاتفاق المقترح سوف يمنع الحكومة البريطانية، حسب ما يظهر لي، من اثارة تلك الاعتراضات في مناسبات مستقبلية. الا أن الاعترافات (الاقرار بحق تركيا) التي قدمت حتى الآن، مع أن ندمنا عليها سيكون كبيراً، ما يزال بالامكان تفسيرها (للأتراك) بصورة تفرغها من مضمونها. ولكن بمجرد عقد ترتيب (اتفاق) يعترف رسمياً بالمطالب التي تدعيها تركيا لنفسها، فإننا لن نعود قادرين على تجاهلها (الاتفاقية) أو التخلف عن الالتزام بها.
ومرة أخرى (أقول) إنه في حين ما يزال بالامكان أن تؤثر اعتبارات جدية وخطيرة على الباب العالي وتجعله يقبل بالترتيب (الاتفاق) المقترح، فإن من المعقول والمتوقع أن ينسحب (الباب العالي) من هذا الاتفاق بعد فترة من المباحثات والمراسلات. قد يستند الاتراك في موقفهم المتوقع هذا الى كون حقوقهم في السيادة تمتد الى ما دون الاحساء بمسافة كبيرة، وأنهم لا يستطيعون الموافقة أو القبول بأي تعهد (اتفاق) يقلص هذه الحقوق. في هذه الحالة ستنقلب محاولتنا التوصل الى اتفاق نعترف بموجبه بالسيادة التركية على الاحساء الى موقف يضعنا في مركز أسوأ، منطقياً بكثير من المركز الذي نشغله الآن وفي أعقاب الصياغة واللغة التي صيغت بها المراسلات المتبادلة مع الأتراك. فهذا الوضع (الجديد) سيزيد، مثلاً من حدة الصعوبة التي نواجهها الآن حين نتقدم بطلبات للحصول على موافقة (السلطات التركية) على السماح للسفن الحربية البريطانية بزيارة (المياه الاقليمية التركية) لأغراض الدوريات الأمنية.
2 ـ أما فيما يتعلق بالاتفاق ذاته، فاسمحوا لي أن أقترح:ـ
" 1ـ أن يقتصر مفعوله ويحصر:
آ:على ساحل الاحساء ومياهها الاقليمية.
ب ـ على تلك الأجزاء من ذلك الساحل حيث السلطة التركية قائمة وموطدة فعلاً حالياً.
2 ـ أن يتم التعامل مع القراصنة الذين يأسرهم ضباط بريطانيون عملاً ببنود هذا الاتفاق ـ بموجب أوامر صادرة عن المقيم (البريطاني) في بغداد أو المقيم في بوشهر، حسبما تسمح به الظروف.
" فيما يتعلق بالفقرة (ب) تقترح مراسلة وزارة الخارجية الاعتراف بالسيادة القانونية والتشريعية لتركيا حيثما تكون السلطة التركية قائمة وموطدة حالياً. بدلاً عن كلمات (حالياً) أو (في الوقت الحاضر) أقترح استخدام كلمات "لهذه الفترة، وقتياً، آنياً" لأنه ليس من غير المحتمل أن يطرد الاتراك من المواقع التي يحتلونها الآن على الساحل، واذا حدث هذا، فإنه يحق لنا أن نتخلص من التزامنا بالاعتراف بالسيادة القانونية والتشريعية التركية على أي جزء محدد من الساحل في اللحظة التي لا تعود السلطة التركية قائمة وموطدة فيه.
3 ـ النقطة المحددة الصحيحة التي يمتد اليها ساحل الاحساء ربما لا تكون معروفة بصورة مؤكدة. الا أنه من الضروري أن يكون واضحاً وثابتاً في ذهننا حدود ذلك الساحل، لكي يعرف الضباط البريطانيون المنطقة التي ترى الحكومة البريطانية أنها داخلة ضمن هذا الاتفاق. يوصف الشريط الساحلي (البحري) لساحل الاحساء على أنه خط يمتد من مصب شط العرب الى نقطة مقابلة تقريباً لجزيرة ديمون ( DEMAUN) [ المقصود الدمام التي هي ليست بجزيرة] جنوب القطيف مباشرة، ما بين خطي العرض السادس والعشرين والسابع والعشرين. اذا قبل هذا التحديد فإن قسماً كبيراً من ذلك الساحل بالذات الذي راح القراصنة يستخدمونه عبر السنوات الاخيرة كملجأ (وقاعدة انطلاق) رئيسية سيصبح خارج منطقة العمليات المنصوص عليها في الاتفاق المقترح. بتعبير آخر، لن تتأثر عمليات الضباط البريطانيين على هذا الجزء بأي اعتبارات تتعلق بمطالب تركيا بالسيادة.
ومرة أخرى نعود الى موضوع البدع مع ما يطلق عليها اسم "ملحقاتها" وأعني بذلك وليره ( WALERA ) ويقصد بها وكره WAKRA الواقعة على ساحل قطر وهكذا فإن البدع ايضاً ستكون خارج نطاق مفعول الاتفاق المقترح. أي أنني اذا فهمت فهماً صحيحاً أثر الاتفاق المقترح، فإن مطالبة الاتراك بحق السيادة على الارض الممتدة ما بين دامان (الدمام) والعقير والبدع يمكن تجاهلها تماماً بل ورفضها ودحضها اذا دعا الامر".
* لاحظ المستر غوشين أن النقطة الرئيسية في مذكرة المستر بلاودن كانت (تتعلق بـ) الحكمة والفائدة المزعومة التي يمكن جنيها من الاعتراف بسيادة الاتراك حتى على المناطق الممتدة الى الشمال من العديد وأنه (بلاودن) يمكن أن يعيد صياغة اقتراح أو توجه حكومة صاحبة الجلالة بحيث يتم الاعتراف بأقل قدر ممكن من هذه المطالب (الحقوق التركية). الا أن هذا وكما يقول المستر غوشين لم يكن كما ظهر له، السياسة التي أعربت عن الرغبة في اتباعها مراسلة اللورد سالزبوري رقم 13 وتاريخ الخامس من يناير عام 1880 (أنظر: سياسي/ A مايو 1880، رقم 53) والتي بين سيادته فيها أن وجهة نظر حكومة صاحبة الجلالة تجاه هذه المسألة ثبتت على الرأي التالي:ـ
" حيث تكون السلطة التركية، في الوقت الحاضر، قائمة وموطدة فعلاً على الساحل، فإن الحكومة البريطانية مستعدة للاعتراف بها، وسيكون من دواعي سرورها أن ترى هذه السلطة وقد رافقتها ادارة نظامية ومتحضرة".
* بعد هذا أحيلت المسألة من وزارة الخارجية الى اللورد هارتنغتون لابداء رأيه حولها، رداً على هذه الاحالة كتب السير لويس ماليت في رسالته المؤرخة في الثلاثين من أغسطس عام 1880 يقول:ـ
" رداً على طلب بابداء اللورد هارتنغتون رأيه حول هذا الموضوع، فقد أمرت بأن أقول إن ما ورد في مذكرة المستر غوشين متطابق حرفياً حسبما يتضح (للورد هارتنغتون)، للتعليمات الواردة في مراسلة اللورد سالزبوري رقم 12 وتاريخ الخامس من يناير الماضي، والتي جاءت ومعها المراسلة رقم 13 المتزامنة مع الأولى، نتيجة مراسلات كاملة ومتكاملة مع هذه الادارة (الوزارة) والمنتهية برسالتي المؤرخة في التاسع والعشرين من شهر ديسمبر عام 1879.
" إن وزير شؤون الهند وكما ستكتشفون من رسالتي المؤرخة في السابع عشر من سبتمبر الماضي، كان يفضل مساراً واجراءً مختلفاً، كان ضباط القوى البحرية الملكية سيخولون بموجبه وعلى الفور فيما لو تمت الموافقة عليه، صلاحية التصرف حسبما تقتضيه الضرورة لأسر اللصوص ومعاقبتهم دون أي اعتبار للمطالب والادعاءات التركية غير الموثقة ولو أنه كان سيطلب منهم استخدام لباقتهم وحصافتهم لتجنب الصدام مع السفن الحربية العثمانية أو مع القوات البرية العثمانية، وليصرخ الباب العالي ويعلي صوته بالاحتجاجات بعد ذلك على العمليات التي ربما تنفذ تجاه حالات محددة اذا اراد ذلك، ورآه مناسباً.
الا أنه، بعد ورود تقرير من قانونيي التاج البريطاني ونظراً لاعتبارات اخرى، امتنع اللورد سالزبوري عن اعطاء موافقته على مسار بهذا القدر من التحديد والعزم والوضوح. في ظل هذه الظروف شعر اللورد كرانبروك أنه لم يعد لديه بديل سوى القبول بمحاولة للتوصل، كمرحلة أولى، الى صورة ما من أشكال الاتفاق الودي مع الباب العالي.
" وفيما يتعلق باعتراضات المستر بلاودن أمرت بأن أقول إن مذكرته، وكما لاحظ المستر غوشين، إنما هي تعبير مكرر عن وجهات نظر وزارة الخارجية في حكومة الهند، والتي عرضت على الدراسة المستفيضة حين كانت مراسلات العام الماضي ما تزال جارية.فيما يتعلق بالحدود الاقليمية التي يمكن الاعتراف بالسيادة القانونية والتشريعية العثمانية عليها، فقد اتخذ في حينه قرار متعمد يقضي بأنه في حين لا يجوز أن يسمح بالتدخل في شؤون العديد أو في شؤون البحرين، أو في شؤون الساحل الذي يحتله الشيوخ المتصالحون، وسلطان مسقط، فإنه لم يكن هناك من سبب ـ شريطة المحافظة على السلام في البحار ـ يبرر الاعتراض على قيام علاقات بين السلطات التركية في الاحساء وبين القبائل المنتشرة الى الشمال من العديد تكون مقبولة لدى الاطراف المعنية بها.
" من رأي اللورد هارتنغتون بناء على ذلك، أنه يجب الموافقة على اجراءات وتحركات المستر غوشين الا أن سيادته (هارتنغتون) يقترح أن يولي سعادته انتباهاً واهتماماً خاصين الى الفقرة الثانية (2) من مراسلة اللورد سالزبوري "بالغة السريّة" رقم 13 وتاريخ الخامس من يناير الماضي، والتي تشير الى ادعاءات تركية مزعومة يمكن أن يثيرها الاتراك بخصوص مسقط والبحرين، وممتلكات الشيوخ المتصالحين، ثم تعيد هذه المراسلة تأكيد السياسة الخاصة بتلك المناطق والتي طالما أعلنت عنها وصرحت بها حكومة صاحبة الجلالة.
" كما يتضح للورد هارتنغتون أنه سيكون من المستحسن جداً ألا يسمح المستر غوشين لنفسه بأن يقع في متاهات وحبائل أية نقاشات أو مباحثات مع الباب العالي حول المسألة الاقليمية، ولكن في حال تأخر الرد على مذكرته لمدة طويلة أو تسلمه لرد مراوغ ومماطل، أو غير مقنع ولا مرض من حيث اللهجة والصيغة، يجب اسقاط المفاوضات الجارية في القسطنطينية من الحساب، وانهائها واعتبارها في حكم الملغاة، عندها يجب أن يطرح على بساط البحث والدراسة ما اذا كانت السياسة المقترحة في رسالتي المؤرخة في السابع عشر من سبتمبر عام 1879 لا يستدعي الرجوع اليها والعودة الى مضمونها".
* أرسلت نسخة من هذه الرسالة الى السفير البريطاني في القسطنطينية لتوجيهه وارشاده أثناء تفاوضه مع الباب العالي.
في مراسلة لاحقة أرسلت الى وزارة الخارجية (أنظر:سري، يناير عام 1881، رقم 116) اقترح المستر غوشين أنه اذا لم يتمكن من الحصول على عرض مرض بترتيب اتفاق من الباب العالي يمكن أن تصدر تعليمات الى قادة السفن الحربية البريطانية في الخليج الفارسي تقضي بألاّ يسمحوا لحدود الثلاثة أميال أن تعيقهم عن مطاردة القراصنة وأسرهم، خصوصاً وأن السلطة التركية على الساحل غامضة غير محددة المعالم في نقاط كثيرة جداً.
* أرسلت هذه المراسلة الى وزارة شؤون الهند، وقد وافق اللورد هارتنغتون اللورد غرانفيل على رأيه القائل بأنه يجب مطالبة الباب العالي برد على مذكرة المستر غوشين المؤرخة في السابع من يوليو عام 1880 التي تقترح، وكما بينا سابقاً أن يسمح للسفن الحربية البريطانية، شريطة التقيد بحدود مقيّدة معينة، أن تتصرف بحرية داخل المياه الاقليمية لذلك الجزء من الساحل العربي للخليج الفارسي حيث السلطة التركية غير موطدة. وفي حال تأخر وصول رد (من الباب العالي) أو في حال وصول رد ذي صيغة أو لهجة غير مرضية، فإن سيادته يرى أن تؤمر السفن الحربية البريطانية المكلفة بالقضاء على القرصنة في الخيلج بألاّ تسمح لاعتبارات تتصل بالمطالب العثمانية الخاصة بالسيادة القانونية والتشريعية على امتداد الساحل بأن تعيق عملياتها.
صدرت التعليمات الى المستر غوشين بهذا المضمون يوم السادس والعشرين من شهر أكتوبر عام 1880 وطلب منه أن يلح في طلب رد من الباب العالي على المقترحات الواردة في مذكرته التي أرسلها الى عابدين باشا بتاريخ السابع من يوليو 1880.
* (سري، يناير 1881، رقم 116.سري، ديسمبر 1881، الارقام 224 ـ 158): لما فشلت كل الجهود المبذولة للتوصل الى اتفاق سواء مع الباب العالي أو مع باشا بغداد، فقد قررت حكومة صاحبة الجلالة في نهاية المطاف، ألاّ يسمح لحدود الثلاثة أميال بأن تعيق حركة ضباط القوات البحرية البريطانية الموجودة في محطة (جزر) الهند الشرقية على مطاردة مراكب القراصنة داخل المياه الاقليمية التركية.(أنظر:مراسلة وزير شؤون الهند رقم 28 وتاريخ الخامس من شهر أغسطس عام 1881:أنظر المرجع أعلاه، رقم 224).