|
العدد 6 |
|
التعليم القديم في منطقة القطيف |
|
محمد علي الشرفاء ـ القديح |
سنحاول في هذا المبحث تكثيف الضوء على النقاط التالية:
- التعليم بالطريقة التقليدية خلال فترة ما قبل عام 1356 هـ.
- مراحل التعليم لدى الكتاتيب.
- الأسبوع الدراسي، العطل، الإجازات، المواد الدراسية وطريقة تدريسها.
- مرحلتا التعليم لدى العلماء الافاضل (الحوزات العليمة).
- الكتب المقرر تدريسها، طريقة إجراء الامتحانات.
- التعليم بالطريقة التقليدية خلال فترة ما قبل عام 1356 هـ
|
مدخل |
قبل الدخول في صلب بحثنا حول التعليم غير الرسمي في هذه المنطقة، والذي أطلق عليه اصطلاحاً (التعليم التقليدي) خلال فترة ما قبل عام 1356 هـ، ولكي نكون على بينة تامة حول الهدف في اختيارنا بحث هذا الجانب خلال فترة ما قبل العام المشار إليه بالذات، هو أن التعليم الحديث وكما نراه في وقتنا الحاضر بالشكل الرسمي، لم ينبثق في هذه المنطقة إلا في عام 1356 هـ، وهذا ما تؤكده بعض المصادر الثقافية والتي تقول:
إن أول مدرسة رسمية تم افتتاحها في هذه المنطقة هي المدرسة الأميرية السعودية في الهفوف، افتتحت في عام 1356 هـ.
واعتباراً من هذا التاريخ ومسايرة للتطور والتقدم الثقافي، ورغبة من الحكومة في إيصال التعليم الحديث إلى كافة مدن وقرى المملكة، فقد قامت بافتتاح المدارس وبمختلف مراحلها، حيث وصلت روافد التعليم حالياً إلى مضارب خيام البادية والهجر.
وعلى هذا الأساس إذا ما تتبعنا مسيرة التعليم القديم في هذه المنطقة خلال فترة ما قبل عام 1356 هـ، نجده لم يكن ذا نظام رسمي كما هو مألوف حالياً وفق سلم دراسي متقن، وفي إطار تعليمي (صف + معلم + طالب) ولا يوجد آنذاك جدول دراسي تحدد فيه مواد دراسية معينة يومياً، تتخللها فترات زمنية محددة بين درس وآخر، وإنما كانت طريقة التعليم أشبه ما يسمى اليوم (مدرسة بلا صفوف) إذا جاز هذا التعبير، أو كتاتيب، وهي عبارة عن كوخ أو غرفة أو باحة صغيرة من منزل المعلم.
أو بالأحرى أن نقول إن التعليم في هذه المنطقة كان يسير على النهج القديم المتبع في صدر الإسلام، ولم يتوقف قبول التحاق الطالب على سِنٍ معين، كما هو متبع حالياً في المدارس الرسمية، وإنما يلتحق الطالب بالتعليم حينذاك في أي سِنٍ من سني عمره، وإذا ما واصل دراسته لدى الحوزات العلمية فإنه قد يستمر في تلقي دروسه سنين عديدة، يتوقف ذلك على مواهبه الفكرية والذهنية وقدراته الذاتية ومدى استيعابه.
ويتصدر التعليم للذكور المعلم وللإناث المعلمة، والمعلم ذو شخصية وقارية مهابة من قبل طلابه، مرتدياً عباءة جالساً على حصير مصنوع من خوص النخيل وأمامه عصا، والطلاب ملتفون حوله حلقات أو فرادى، ومن يفوقهم تحصيلاً يسمى (كتيباً) تصغير كاتب، يقوم بمساعدة معلمه في ضبط النظام وتحفيظ المبتدئين القرآن الكريم، ويمثله في غيابه حيث يقوم بالمهام المناطة إليه من معلمه حيال الإشراف على مجموعة الطلاب وإرشادها وتوجيهها (1).
ولا ينفي هذه المدرسة - كما عرفناها - بلا صفوف ولا جدول زمني للحصة وتوزيع للمواد الدراسية المختلفة، بل وفي الطرقات وفي كل مكان.
كما كانت البذرة الأولى والنواة لهذه الاتجاهات، وما هذه الاتجاهات العلمية الحديثة التي تُمارس اليوم في المدارس الرسمية والجامعات بمختلف مراحلها وتخصصاتها، إلا امتداد للتعليم القديم وثمرة من ثماره، والذي كان متمثلاً في الكتاتيب وسواها من حلقات العلم لدى العلماء الأفاضل في المجتمع العربي الإسلامي، فهم الذين أبدعوا في العلم وألفوا الكتب وربوا المفكرين الذين ساهموا فيما بعد في حركة التطور والتقدم في هذا المضمار الحيوي.
وفيما يأتي بحث عن الحركة التعليمية ونهجها القديم في هذه المنطقة (2).
|
مراحل التعليم |
كان التعليم قديماً في هذه المنطقة ينقسم إلى مرحلتين:
المرحلة الأولى: مرحلة الكتاتيب وتنقسم إلى ثلاثة أقسام.
المرحلة الثانية:مرحلة حلقات التعليم لدى العلماء الأفاضل (الحوزات العلمية) وتصل إلى درجة الاجتهاد وتنقسم إلى مرحلتين.
ولنبدأ حديثنا أولاً بالمرحلة الأولى من التعليم لدى الكتاتيب، ونتعرف على:
الأسبوع الدراسي، المواد التي تدرس فيها، طرق التدريس وأقسامها، ومن ثم نواصل حديثنا عن المرحلة الثانية.
|
المرحلة الأولى |
الأسبوع الدراسي:
كانت الدراسة في هذه المرحلة لدى الكتاتيب يومياً، وتبدأ من يوم السبت الساعة الثامنة صباحاً إلى الرابعة عصراً، وطوال أيام الأسبوع خلا يوم الجمعة، ولدى بعض الكتاتيب يومي الخميس والجمعة، وكانت تتخلل الدراسة اليومية فترتان للراحة، فترة قصيرة صباحاً عند الضحى يذهب خلالها الطلاب لبيوتهم لتناول وجبة الإفطار، والأخرى بعد أذان الظهر للصلاة وتناول وجبة الغذاء، ثم يعودون إلى مكتب معلمهم مستأنفين دراستهم، مع العلم أن أوقات التدريس والفترات التي تتخللها لم تكن محددة بدقة وإنما قد تطول أو تقصر يتوقف ذلك على حسب رؤية المعلم ومسايرته لظروفه وأوقاته اليومية.
|
العطل والإجازات |
أما بالنسبة للعطل و كما أشرنا آنفا هو يوم الجمعة أو يومي الخميس والجمعة لدى بعض الكتاتيب، يضاف إليه أيام الأعياد الدينية والمناسبات الأخرى، أما الإجازات السنوية فلا ذكر لها.
وعادة تنشد في كل عصر يوم الأربعاء قصيدة تسمى (مِسَّاية) (3) بكسر الميم وتشديد وفتح السين، ينشدها المعلم أو نائبه بيتاً بيتاً والطلاب يرددون وراءه البيت الأول فقط وبصوت واحد رفيع رتيب، والقصيدة هذه باللغة الفصيحة وتتضمن مقدمة، وتفصيل أيام الأسبوع، وتوجيهات وإرشادات المعلم لتلاميذه، وفيما ويلي نص القصيدة.
|
تسمى يا معلم بالسعادة بدأنا بالنبي أحمد محمد وحيدرة أبي حسن علي وفاطمة وابنيها جميعا وبالسجاد والباقر وجعفر جواد الفضل والهادي علي وبالحسن الزكي أبي محمد وبالمهدي إمام العصر حقاً فيملأها بخيراتٍ حسان وقال لهم معلمهم بقولٍ |
وآمرنا بأمرك في الرواح رسول الله حي على الفلاح مبيد الشرك في يوم الكفاح هما السبطان أرباب الصلاح وموسى والرضا أهل النجاح به نهدي إلى الحق الصراح أبو المهدي من فيه انشراحي يقوم بإذن خَلاَّقِ البطاح ويدعو الناس حي على الفلاح يحثهم على فعل الصلاح |
تفصيل الأيام:
|
أول نبتدي بالسبت خيرا وفي يوم الأحد حضروا حتى تنالوا وفي الاثنين جِدٌ واجتهادٌ وفي الثلاثاء إملاء ودرس ويوم الأربعاء للخط خطوا (مرابِعُكُم) بها عصراً (هلموا) غداً يوم الخميس أريحوا |
تعالوا في المساء وفي الصباح نجاحكم بلطفٍ وانشراح ودرس ليس فيه من مزاح به كسب المواعظ والفلاح خطوط الدر في جيد الفلاح كُفِيتُم كل سوُءٍ وتراح وجمعتكم خذوها بارتياح |
توجيهات وإرشادات المعلم لتلاميذه:
|
وأوصيكم وصايا فاسمعوها أقيموا للصلاة كل وقت وشتم الأم حَذار ثم حَذَار تطهر من نجاسات وبول
|
وإلا فاستعدوا (للجراح) إذا نادى المؤذن للفلاح كذاك الأب حذار بالصراخ وأحسن للوضوء قبل الصلاة
|
المواد التي تدرس في المرحلة الأولى هي:
حروف الهجاء، القرآن الكريم، الكتابة، الخط، الإملاء، مبادئ الحساب.
|
طريقة التدريس |
كانت طريقة التدريس القديمة لدى الكتاتيب سهلة مبسطة إلى حدٍ ما، تجعل الطالب يقبل عليها بشغف وشوق، وينقسم تدريس الأولاد الذكور في هذه المرحلة إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: تعلم الحروف الألفية (الطيان)، الهجاء والإعراب.
القسم الثاني: تعلم قصار السور من القرآن الكريم.
القسم الثالث: تعلم الكتابة والخط والإملاء، والحساب.
ولنبدأ حديثنا بالقسم الأول:
القسم الأول: تعلم الطيان: تدون فيه حروف الألفية:
يتعلم الطالب في هذا القسم أولاً الطيان، ولنورد تعريفاً مختصراً لكلمة (الطيان): كلمة الطيان مشتقة من الطين الأبيض المستخدم في الكتابة عوضاً عن الحبر لندرته سابقاً، والكلمة هذه وإن كانت لم ترد في معجم اللغة العربية مخففة، إلا أن المعلمين الأقدمين يعنون بها ما يتعلمه الطالب في الكتابة ابتداءً، وكان الطيان عبارة عن كتاب البسملة والأبجدية والألفية (الحروف الهجائية) على قطعةٍ خشبية مهذبة مربعة أو مستطيلة عوضاً عن الورق وذلك لعدم توفره بكثرة في هذه المنطقة خلال تلك الفترة. ولكن من الظاهر أن المسلمين عرفوا صناعة الورق في القرن الأول الهجري، إذ يروي الكتاني في كتابه (ج2 ص242) أن المسلمين عرفوا صناعة الكاغد من الأبريسم والقطن والقنب، ويقول إن يوسف بن عمر اخترع اتخاذ الكاغد من القطن في حدود سنة 88 هـ - 706 م بالحجاز، وموسى بن نصير اتخذه من الكتان والقنب في بلاد المغرب، وهذه خطوة أخرى من شأنها دفع عجلة تقدم العلوم عند المسلمين.
وأما بالنسبة للحبر فقد كان يتم تجهيزه محلياً من مادة الورس والهليلج والصمغ، مضافاً إليه نوى الخوخ، يحصل على هذه المواد من محلات الحوَّاجين، حيث تسحق وتمزج هذه المواد بالماء.
القلم: هو من أدوات الكتابة. وقد كان يستخدم من أغصان القصب في الغالب، حيث يقطع عود مناسب في السمك يساعد على مسكه باليد، ثم يهذب بالسكين، ويبرى أحد رأسيه بحيث يكون مدبباً، ويشق في وسطه شقاً خفيفاً من موضع البري في أسفله إلى ما فوقه عند قرب نهايته، وهذا الشق يسمح بدخول الحبر فيه، فإذا ما أريد الكتابة به، غمس طرفه المبري في الحبر، ثم كتب به وعرف هذا القلم بقلم القصب، تميزاً له عن الأقلام المستعملة من مواد أخرى.
لقد استخدم الكُتَّاب هذه الأدوات في تدوين كلّ ما يتطلب تدوينه كما استخدم المعلمون السابقون هذه الأدوات والمواد وجعلوها بتلك الطريقة قاعدة على أساسها يتم تعليم الطلاب الابتداء بالحروف أسموها (الطيان) تدون فيه:
أولاً: البسملة.
ثانياً: الأبجدية.
ثالثاً: الألفية، والطالب بتعلم الألفية بثلاث طرق تأخذ كل منها اسماً يشتق من الحركات التي تظهر على الحرف.
فالطريقة الأولى: تسمى الألف لا شيء له.
الطريقة الثانية: تعليم الطالب الحركات التي على الحروف، وهي نوعان:
أ- تعلم النصبة. ب- تعلم النصبتين، وهذا ما سنلاحظه في الموضوع القادم. ولنتعرف فيما يلي على كيفية تعليم ونطق الطالب لهذه القاعدة. والتي تسمى الهجاء وهي قراءة الحروف حرفاً حرفاً، والإعراب قراءة الحركات.
أولاً البسملة :
وهي: بسم الله الرحمن الرحيم، والطالب يتعلم حروف الكلمة حرفاً حرفاً مع إظهار نوع الحركة التي تكون على الحرف، فإذا ما انتهى من الحرف الأول انتقل إلى الحرف الثاني وضمه في النطق مع الحرف الأول، وهكذا حتى نهاية حروف الكلمة، وأخيراً ينطق حروف الكلمة مجتمعة، وكما هو موضح في المقطع التالي:
بِسْمِ: باء، سين، ميم، الباء كسرة (بِ) السين ساكن (بِسْ)، الميم كسرة (بِسْمِ).
الله: ألف، لام، لام، ها، اللام شدة مد (الِلَ) الهاء كسرة هي (اللهِ).
الرحمن: الف، لام، راء،، الراء شدة نصبة (الِرَّ) الحاء ساكن (الرح) الميم ساكن (الرحم) النون كسرة (الرَّحمن).
الرحيم: ألف، لام، راء، الراء شدة نصبه (الرَّ) الحاء كسرة (الرَّحِ) الياء ساكن (الرَّحِي) الميم كسرة (الرحيمِ).
وأخيراً يقرأ الطالب جميع كلمات البسملة تلاوة في سياق واحد (بسم الله الرحمن الرحيم) ويستمر الطالب في طريقته هذه حتى يجيد قراءة البسملة بضبط كل حرف وحسب حركته، بعدها يتعلم الطالب الأبجدية.
ثانياً الأبجدية:
الأبجدية تتكون من ثمانية وعشرين حرفاً وهي كما يلي:
أبجد، هوَّز، حُطي، كلمن، سعفص، قَرَشت، ثخذ، ضظغ.
يتعلم الطالب الأبجدية، بنطق الكلمة أولاً ثم يقرأ حروفها حرفاً حرفاً مع إظهار شكل الحركة التي على الحرف، و يدرج في النطق كل حرف قراءة من الكلمة مع سابقه، حتى آخر حرف في الكلمة، ومن ثم ينطق الكلمة كاملة مختومة بالحرف الأخير فيها، والطريقة هي كما يلي:
أبجَدْ: الف، باء، جيم، دال: الف نصبه (أ) الباء ساكن (أبْ) الجيم نصبه (ابْجَ) الدال ساكن (أبْجَدْ).
هُوَّز: هاء، واو، زاء: الهاء ضمة (هـُ) الواو شدة نصبة (هُوَّ) الزاء ساكن (هُوَّزْ).
حُطِّي: حا، طا، يا: الحاء ضمة (حُ) الطاء شدة كسرة (حُطِّ) الياء كسرة (حُطِّي).
كَلِمَنْ: ك كاف، لام، ميم، نون: الكاف نصبة (كَ) اللام كسرة (كَلِ) الميم نصبة (كَلِمَ) النون ساكن (كَلِمَنْ).
سَعْفَصْ: سين، عين، فاء، صاد: السين نصبة (سَ) العين ساكن (سَعْ) الفاء نصبة (سَعْفَ) الصاد ساكن (سَعْفَصْ).
قَرَشَتْ: قاف، راء، شا، تاء: القاف نصبة (قَ) الراء نصبة (قَرَ) الشين نصبة (قَرَشَ)، التاء ساكن (قَرَشَتْ).
ثَخْذٌ: ثاء، خاء، ذال: الثاء نصبة (ثَ) الخاء ساكن (ثَخْ) الذال ضمتين ذُن (ثَخْذٌ).
ضَظَغْ: ضاد، ظاد، غين: الضاد نصبة (ضَ) الظاد نصبة (ضَظَ) الغين ساكن (ضَظَغْ).
وهكذا يستمر الطالب في تعلم كلمات وحروف الأبجدية وما عليها من حركات وعند نهاية الكلمة الأخيرة يقرؤوها من أولها إلى آخرها وهكذا في كل مرة:
أبجد، هُوز، حُطي، كلمن، سعفص، قرشت، ثخذ، ضظغ.
ونلاحظ أن حروف الأبجدية وكما هو واضح تتكون من ثمانية وعشرين حرفاً.
وفي الواقع أن الحروف الأبجدية العربية الأولى كانت تتألف من اثنين وعشرين حرفاً، كما هي الحال في الأبجدية الفينيقية، ويتضح ذلك من مراجعة الجدول التالي:
|
الحرف الفينيقي |
الحرف العربي |
|
ألف |
ألف |
|
بت |
باء |
|
جميل |
جيم |
|
دالت |
دال |
|
هـ |
هاء |
|
واو |
واو |
|
زين |
زاء |
|
سامك |
سين |
|
عين |
عين |
|
ف |
فاء |
|
صاده |
صاد |
|
حيت |
حاء |
|
تيت |
طاء |
|
يود |
ياء |
|
كاف |
كاف |
|
لاميد |
لام |
|
مم |
ميم |
|
نون |
نون |
|
قوف |
قاف |
|
روس |
راء |
|
شين |
شين |
|
ناو |
ناء |
وقد جاءت تسمية الحروف (بالأبجدية) من أسماء الحروف الأربعة الأولى (أ، ب، ج، د) كما سميت فيما بعد (بالألفباء) من اسم الحرفين الأولين (أ، ب) إن الأبجدية العربية الأولى، كما سبق وذكرنا، وكانت تتألف من اثنين وعشرين حرفاً، فكانت تنقصها حروف هي (ث، خ، ذ، ض، ظ، غ) ولم يأتِ العرب الأوائل على ذكرها لأن الحروف لم تكن معجمة أي (منقوطة) فَحرفُ التاء للتصحيف وذلك في عهد الحجاج بن يوسف الثقفي - على يد نصر بن عاصم الليثي، ويحيى بن يعمر العدواني، ألحقوا (ثخذ، ضظغ) بالأبجدية وأسموها الروادف فتمت بذلك الحروف الأبجدية ثمانية وعشرين حرفاً.
وقد أعطى العرب الحروف الأبجدية قيمة حسابية، كما فعل قبلهم السريانيون والعبرانيون والرومان.
( والحروف تأخذ قيماً تصاعدية تبدأ من 1- 10 ومن ثم من 20 - 100 وأخيراً من 200- 1000) وهي كما نلاحظها فيما يلي:
|
أ |
1 |
س |
60 |
|
ب |
2 |
ع |
70 |
|
ج |
3 |
ف |
80 |
|
د |
4 |
ص |
90 |
|
هـ |
5 |
ق |
100 |
|
و |
6 |
ر |
200 |
|
ز |
7 |
ش |
300 |
|
ح |
8 |
ت |
400 |
|
ط |
9 |
ث |
500 |
|
ي |
10 |
خ |
600 |
|
ك |
20 |
ذ |
700 |
|
ل |
30 |
ض |
800 |
|
م |
40 |
ظ |
900 |
|
ن |
50 |
غ |
1000 |
وقد استخدم - الأدباء - والشعراء الحروف الأبجدية مستغلين قيمتها الحسابية لتأريخ الأحداث والولادة والوفاة، والتحدث بها بين شخص وآخر أثناء المسامرات، وأطلقوا على هذا النوع اسم (حساب الجُمل).
وفي بحث مستوحى من محاضرة للسيد إبراهيمي في الخط العربي وتطوره يقول:
وأما حروف الهجاء، كما درسناها وكما يدرسها صغارنا في المشرق العربي، فهي من ترتيب نصر بن عاصم الليثي، ويحيى بن يعمر العدواني أيام الحجاج بن يوسف الثقفي. وقد أتبعا في ترتيبها الترتيب الأبجدي مع مراعاة تجمع الحروف المتشابهة، فجمعوا إلى الباء شبيهتيها التاء، والثاء، وإلى الجيم الحاء، والخاء، وإلى الدال الذال، وإلى الراء، الزاء، وإلى السين الشين، وإلى الصاد الضاد، وإلى الطاء الظاء، وإلى العين الغين، وإلى الفاء القاف، فكانت الألفياء على النحو التالي:
ا ب ت ث ج ح خ د ذ ر ز ش ص ض ط ظ ع غ ف ق ك ل م ن هـ و ي
وقد زيدت (لا) لأن الألف حرف لا يلفظ لوحده، وأما الحرف الذي نسميه ألفاً فهو الهمزة.
هذا وقد أشرنا القول مسبقاً إلى أن الطالب يتعلم الألفية بثلاثة طرق تأخذ كل منها اسماً يشتق من الشكل الذي يظهر على الحرف، ولنبدأ بالطريقة الأولى:
الطريقة الأولى: الطريقة التركيبية
بعد أن يتقن الطالب (البسملة) و (الأبجدية) يتعلم بعدها الألفية، وبالطريقة التي يسميها علماء التربية (الطريقة التركيبية) حيث يتم تعليم الطالب مواقع النقط على الحروف وكيفية نُطقِها، وهي الطريقة التي تم استحداثها على يد (أبي الأسود الدؤلي) سنة 67 هـ، وقد كان ذلك بحوالي سنتين قبل وفاته في عام 69 هـ، حيث تذكر المصادر التاريخية أن الخط العربي كان في صدر الإسلام خالٍ من الشكل والإعجام، فجاء أبو الأسود الدؤلي ليجعل النقط ضبطاً للحروف، فعلامة الفتحة نقطة فوق الحرف وعلامة الضمة نقطة وسطه، وجعل التنوين نقطتين، ثم جاء نصر بن عاصم، فأعاد النظر في الخط بتوجيه من الحجاج بن يوسف الثقفي، فأشار بنقط الإعجام بعد أن كانت الحروف كلها مهملة، فوضع نقطة تحت الباء ونقطتين تحت الياء وواحدة فوق النون، واثنتين فوق التاء، وثلاث فوق الثاء وهكذا...
وهذا حسبما هو واضح في الحروف والطريقة التالية التي يتم للمعلم بواسطتها تعليم حروف الألفية، والتي كانت تسمى (الف لا شيء له):
ا: الف: لا شيء له (أي خلوه من النقط).
ب: الباء: نقطة من تحت.
ت: التاء: نقطتان من فوق.
ث: الثاء: ثلاث نقط من فوق.
ج: الجيم: نقطة من تحت.
ح: الحاء: لا شيء له.
خ: الخاء: نقطة من فوق.
د: الدال: لا شيء له.
ذ: الذال: نقطة من فوق.
ر: الراء: لا شيء له.
ز: الزاء: نقطة من فوق.
وهكذا دواليك يتم تعليم الطالب بقية حروف الألفية ومعرفة ونطق كل حرف وما فوقه أو تحته من نقط أو عدمها، وهذه الطريقة في تعليم الطالب الألفية يسميها المعلمون الأقدمون (الألف لا شيء له) والتسمية هذه أخذت من أول حرف فيها.
الطريقة الثانية: تعليم الطالب الحركات التي على الحرف
بعد تعلم الطالب حروف الألفية ومعرفته لما عليها وتحتها من نقط وعدمها يتعلم الطالب الحركات التي على تلك الحروف، وهي الحركات التي تم وضعها على يد الخليل بن أحمد الفراهيدي المتوفى سنة 170 هـ. لقد كان الفراهيدي من أوسع الناس علماً وإطلاعاً باللغة العربية في عصره، فتمكن من إدخال التحديث الجديد من علم ودراسة وخبرة.. ولقد أدخل الفراهيدي ثماني علامات جديدة على إعراب اللغة العربية هي: الفتحة (تَ) والكسرة (تِ) والضمة (تُ) والسكون (تْ) والشدة (تّ) والمدة (آ) أو المد.
وإذا كان الحرف المعجم منوناً كررت العلامة فتكتب مرتين فوق الحرف أو تحته، فتحتان، (تً) كسرتان (تٍ) ضمتان (تٌ) ولقد اشتقت هذه العلامات والرموز الجديدة من بعض الحروف الهجائية، فالفتحة والكسرة هي خط مائل فوق أو تحت الحرف، أما الضمة فيرمز إليها بحرف (واو) مصغر، والشدة مأخوذة من لفظ (تشديد) من حرف السين ويرمز إليه بهذا الشكل (سـ) ويرمز للسكون برأس الخاء ((فوق الحرف)) بدون نقط.
فالمعلمون الأقدمون يعلمون الطلاب هذه العلامات وكيف يتم نطقها على كل حرف وبصيغتين وكما نوهنا سابقاً: أ- النصبة. ب- النصبتين.
أ- تعليم الطالب النصبة:
النصبة تسمية تعني تعليم الطالب الحركات المفردة الثلاث (الفتحة و الضمة و الكسرة) وقد اختصر تسميتها على علامة (الفتحة) وهي جزء من كل فيتم تعليم الطالب لها على النحو التالي:
اَ، اُ، اِ: الف نصبة (اَ) الف ضمة (اُ) الف كسرة (اِ) ومن ثم ينطق العلامات الثلاث على الحرف معاً وفي سياق واحد، وكما هي موضحة عليه (آ أو اِي).
بَ، بُ، بِ: باء نصبة (بَ) باء ضمة (بُ) باء كسرة (بِ) بابوبي.
تَ، تُ، تِ: تاء نصبة (تَ) تاء ضمة (تُ) تاء كسرة (تُ) تاتوتي.
وهكذا في بقية حروف النصبة.
ب- تعلم الطالب النصبتين:
اسم النصبتين اشتق من علامة الفتحتين، وهي جزء من العلامات المذكورة وعليها درج هذا الاسم وبه عرفت العموم باسم (النصبتين) وطريقة تعليم النصبتين هي كما يلي:
اً، اٌ، اٍ: الف نصبتين (اً) الف ضمتين (اٌ) الف كسرتين (اٍ) والطالب ينطق الحرف بعلاماته التنويه الثلاث في سياق واحد هكذا (آن وآوُون وإِن).
بً، بٌ، بٍ: باء نصبتين (بً) باء ضمتين (بٌ) باء كسرتين (بٍ) - (بان وابُون وابن).
تً، تٌ، تٍ: تاء نصبتين (تً) تاء ضمتين (تٌ) تاء كسرتين (تٍ) - (تان واتون واتون واتن).
وهكذا يتم تعليم الطالب هذه الحركات على الحروف وبالصيغتين المتقدمتين (النصبة والنصبتين) أي الحركة المفردة والمثناة، وليس مهماً أن يكون النطق بمعنى أو بدونه، المهم هو جعل لسان الطالب المبتدئ فصيحاً طليقاً قادراً على النطق السليم.
وهذه الطرق كلها وبجميع صيغها المتقدمة تسمى (القاعدة البغدادية)، أما معلمو هذه المنطقة فيسمونها (الطيان والإعراب) وقد سبق لنا تعريفها وشرحها.
القسم الثاني: تعليم الطالب قصار السور من القرآن الكريم: (سريداً)
يتعلم الطالب في هذا القسم من المرحلة الأولى قصار السور من القرآن الكريم، ابتداءً من جزء عمًّ (ومن سورة الفاتحة).
يبدأ المعلم بقراءة السورة آية آية بدلاً من كلمة كلمة ودون تهجية الحروف والطالب يردد وراءه الآية وكلما حفظ آية نقله السياق إلى الآية التي تليها فيقرأ الطالب الآية الأولى والثانية معاً فإذا حفظها نقله إلى الثالثة فيحفظها ومن ثم يقرأ الآيات الثلاث معاً، وهكذا حتى يتم للطالب حفظ السورة بكاملها، وينقله إلى مابعدها حتى نهاية الجزء، ثم ينقله إلى الجزء الذي يليه وحتى نهاية القرآن، والطريقة هذه تسمى عند المعلمين الأقدمين طريقة تعليم الطالب القرآن (سريداً).
هذا ومن ثم يخصص المعلم للطالب في كل يوم وقتاً في الصباح والمساء يقرأ في كل منهما جزءاً من القرآن وبترتيل وبطريقة عكسية لما ابتدأ به تعليمه حيث يبدأ من سورة البقرة (ألم)، فيقرأ الطالب على معلمه يومياً جزءاً في الصباح ومثله في المساء، وهذه تعتبر مراجعة يومية ما دام الطالب مواصلاً دراسته لدى معلمه.
القسم الثالث وهو الأخير في المرحلة الأولى:
يتعلم الطالب في هذا القسم، الخط، والكتابة، والإملاء، ومبادئ الحساب. تعطى هذه المواد للطلاب الذين حفظوا القرآن الكريم.
|
طريقة تدريس هذه المواد |
1- الخط والكتابة:
يقوم المعلم بكتابة بيت من الشعر بخط النسخ الواضح، يأخذه الطالب فيقرؤه أولاً على معلمه فإذا أجاد قراءته طلب منه معلمه نسخه عدة مرات وفي كل مرة يناوله معلمه ليطلع عليه، ومن ثم يكتب بيتاً آخر من نفس القصيدة وهكذا حتى آخر القصيدة، بعد هذا يطلب المعلم من الطالب قراءة القصيدة كاملة، وفي النهاية يطلب منه حفظ القصيدة بكاملها وعن ظهر قلب (غيباً) والقصد من ذلك: أولاً هو تحسين خط الطالب تدريجياً، وثانياً: تفتح مواهب ومدارك الطالب.
2- الإملاء ومبادئ الحساب:
بعد أن تتوسع مدارك الطالب يملي عليه معلمه مقاطع مختارة من مواضيع نثرية، وقصائد، كما يتعلم الطالب في هذا القسم أرقام الحساب والجمع والطرح والضرب والقسمة، إضافة إلى تعليم الطالب بعض الأعداد الكسرية التي تدخل في الحساب القديم.
لقد كانت الأرقام الحسابية الأكثر تداولاً قبل الإسلام (وبعده) هي الأرقام الهندية، إلا أنها ذات أشكال عديدة، وغير موحدة ولا منسقة.
وقد أولى العرب العلوم الرياضية اهتماماً خاصاً، وأبدعوا فيها بحقائق علمية جوهرية منسقة ومبسطة، وصحيح أن العرب بعد الإسلام اقتبسوا الأرقام عن الهند، إلا أنهم تخيروا منها أحسنها وهَذَّبُوها ونسقوها ووحدوها ومن ثم فرضوها في وضعها الجديد على الهند التي تركت فيما بعد كل ما عداها، كما فرضوها على العالم أجمع وإلى الأبد..
هذا وليس الإبداع الذي قام به العرب هو فقط تهذيب الأرقام الهندية وتوليدها ونشرها على العالم أجمع، بل الإبداع كان أيضاً في إيجاد طريقة جديدة لاستعمالها هي طريقة الإحصاء العشري.
وكذلك الإبداع في ابتكار المسلمين مفهوم الصفر الذي سهل العمليات الحسابية تسهيلاً لا حدود له وعَرَّفوه بأنه المكان الخالي من أي شيء.. ولكن هذا المفهوم يعني في الحقيقة الشيء الكثير.. فالفرق مثلاً بين رقم أربعة وأربعين هو الصفر.. وفي رأي الرياضيين أن الصفر هو أعظم اختراع توصلت إليه البشرية إذ لولا الصفر لاستحال إيجاد الكمية الموجبة والكمية السالبة في علم الكهرباء، والموجب والسالب في علم الجبر، والذي يؤكد أن المسلمين هم الذين ابتدعوا الصفر هو استعماله لأول مرة سنة 873 م بينما لم يستعمله الهنود إلا في عام 879 م..
وهكذا ختم العرب نبوءة الأرقام، وجعلوها عشرة أرقام بما فيها الصفر، وواقع البيان في أن الأرقام المستعملة اليوم في جميع أنحاء المعمورة سواء بهذا الشكل 1،2،3،4،5،6،7،8،9،0، أو بهذا الشكل 0، 9، 8، 7، 6، 5، 4، 3، 2، 1 هي كلها عربية الأصل.
ولم يستطع أحد بعدهم حتى اليوم، ونظن أنه لن يستطيع أحد حتى الآن أن يضيف عليها رقماً جديداً أو يشعر بالحاجة إلى إضافة شيء جديد فوق ما أضافه العرب، بل أن للغة الفرنسية التي دخلت عليها الأرقام العربية العشرة في القرن العاشر الميلادي سمتها جميعاً باسم الصفر، ويلفظ الصفر العربي، تسمية للكل باسم البعض، وإعجاباً بهذا الاختراع الأخير، وقالوا فيها شيفر بتحريف الصاد العربية إلى الشين الفرنسية..
ويعود الفضل في تناول الأرقام وشيوعها إلى الإمام محمد بن موسى الخوارزمي من رجال عصر المأمون، وهو أول من ألف في الحساب والجبر من رياضي العرب، وقد كان كتابه في الحساب الأول من نوعه حيث الترتيب والتبويب والمادة، وقد نقل إلى اللاتينية تحت اسم ((الغورتمي)) هو أول كتاب دخل أوروبا وبقي زمناً طويلاً مرجعَ علمائها، بل ومن العجيب أن يظل علم الحساب عدة قرون معروفاً في أوربا باسم ((الغورمي)) نسبة إلى الخوارزمي.
هذا وبعد أن تُنبَه مواهب الطالب لدى هؤلاء المعلمين وتنطلق طاقاته الفكرية، يأخذ في شق طريقه ويتسلّق درجات سلم الحياة العلمية والثقافية والأدبية أكثر فأكثر، ويبحث عن المزيد من العلم والمعرفة فيجدها لدى العلماء الأفاضل وفي الأندية الأدبية، وفي بطون الكتب وغيرها من وسائل التثقيف الذاتي، وقد يواصل الطالب تعليمه بحضور الحوزات العلمية لدى العلماء الأفاضل، وهذا ما سنواصل بحثه في موضوع لاحق.
|
طريقة تدريس الإناث: |
أما طريقة تدريس البنات في هذه المرحلة فهي شبيهة تماماً بطريقة تدريس الأولاد الذكور، بالنسبة لسهولتها وبساطتها ولكن المواد التي كانت تدرس فيها تقتصر على حروف الهجاء والقرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، وسيرة الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وبعض المواضيع في الأخلاق الإسلامية.
ويتصدر تدريس البنات المعلمة، وقد يكون مكان تدريس المعلمة مختلطاً من الأولاد الذكور والبنات دون سن البلوغ، ومتى ما قرب سِن البلوغ لأيٍ من الذكور نقله ولي أمره مباشرة من مكتب المعلمة إلى مكتب المعلم ليكمل دراسته مع أقرانه، وهذا ما يلاحظ في مكاتب المعلمين في هذه المنطقة.
|
الأجر الذي يتقاضاه المعلم والمعلمة |
وعن الأجر الذي يتقاضاه المعلم مقابل ما يقوم به من جهد فإن كل طالب يدفع أجراً أسبوعياً يسمى (مربعانية)، كما يتقاضى المعلم من الطالب أجوراً أخرى لا تتجاوز ما يعادل حالياً مائة ريال إذا اجتاز الطالب كل سورة معينة من سور القرآن الكريم، والسور المعينة هي:
الحمد (الفاتحة) وسورة البينة وسورة الجن وسورة الرحمن، وسورة ياسين (يس) وسورة كهيعص، (مريم) وسورة براءة (التوبة) وسورة المائدة.
والمعلمة بمثابة المعلم في تقاضيها أجور تدريسها.
وفي الحقيقة قد لا يستطيع المرء أن يقطع بالقول أن المبالغ ((المقتطعة والتي من العادة أن تدفع بعدما يحقق الطالب اجتيازه السور المذكورة آنفاً)) كانت رمزية إذا ما ألَّمَ بمستوى المعيشة حينذاك ووقف على مصادر الدخل المحدودة، لكن من ينوي المقارنة غير الواردة بالطبع بين اليوم والأمس فإنه لا شك سوف يقول برمزية ذلك المبلغ الزهيد، خاصة وأن المشتغلين بمهنة الكتاتيب كالمعلم مثلاً لا يمكنه العمل في أية مهنة أخرى، بل يكون وفقاً على هذه المهنة بسبب ضرورة وجودهِ في الصباح والمساء مع طلابه، وكذلك المعلمة فهي إما أن تكون زوجة وربة بيت أو تكون مطلقة أو أرملة، ومزاولتها لمهنة التعليم تأتي كمصدر للإرتزاق.
ولكن مع بدء التعليم الحديث النظامي، وكما هو واضح حالياً أخذ أهالي دول الخليج العربية بما فيها أهالي هذه المنطقة يتجاوزون مبدأ تدريس أبنائهم لدى الكتاتيب التي أخذ انتشارها يتقلص وبشكل ملفت للنظر، وإن بقي في بعض مناطق هذه الدول حالياً شيء منها فهو قليل جداً وهو في طريقه إلى الاندثار تماماً، حيث التعليم الحديث الرسمي قد وصل إلى جميع قرى ومدن هذه المنطقة، وامتدت روافده إلى مضارب خيام البادية والهجر.
|
مرحلتا التعليم لدى العلماء |
أشرنا في الموضوع المتقدم إلى واقع التعليم في هذه المنطقة وقلنا إنه لم يكن ذا طابع رسمي، وإنما أشبه ما يسمى اليوم (مدرسة بلا صفوف) وهي مكاتب التعليم (الكتاتيب) المنتشرة سابقاً في هذه المنطقة.
هذا وقد وجِدَ إلى جانب أولئك الكتاتيب حلقات من الدراسات العلمية يرعاها رجال الدين ذوو المكانة الروحية السامية في المجتمع، وإذ لا يمكن لأحد أن ينكر ما لهؤلاء الشخصيات من فضل، فالعالم هو الإنسان الذي يجب أن يحترم ويُقدر لأنه بذل نفسه وجل وقته وجهده لخدمة المجتمع. وضحى في سبيل رفاهية غيره، فهو كالشمعة التي تحترق لتضيء للآخرين، وإن العلماء هم ورثة الأنبياء.
لقد حفلت هذه المنطقة بعدد كبير من الشخصيات العلمية الكبيرة الذي أصبح مشعلاً وضاءً فيها، وهذه الكوكبة قد تلقت دراستها العلمية والدينية والثقافية الكبيرة في العراق التي ترتبط مع المنطقة منذ القدم بوشائج الروح والعقيدة والثقافة، لقد نذر هؤلاء العلماء أنفسهم لتدريس ونشر ما اغترفوه من مناهل العلوم المختلفة من مقدمات في الفقه والأصول والحديث، وتفسير القرآن، والدراسات الأخرى في علم الكلام والفلسفة والمنطق والأدب..
لقد عقد هؤلاء العلماء، ولا يزالون إلى اليوم يعقدون حلقات خطبهم وتدريسهم في المساجد، وفي منازلهم الخاصة كما كان متبعاً منذ صدر الإسلام، ولنبدأ حديثنا بالمرحلة الأولى من مرحلتي التعليم لدى هؤلاء العلماء الأفاضل.
المرحلة الأولى
الكتب المقررة تدريسها في هذه المرحلة هي كالتالي:
1- علم النحو ويشمل الكتب التالية: الأجرومية لابن إجروم، القطر لابن هاشم، ألفيةُ بن مالك مع شرحها، المغني لابن هشام.
2- علم الصرف ويشمل: كتاب النظام للنيسابوري، وكتاب التصريح للرضي.
3- علم المعاني ويشمل: كتاب المعاني والبيان والبديع، وكتاب المطول للتفتازاني.
4- علم الكلام ويشمل: علم الكلام الباب الحادي عشر من كتاب المقدمات للمقداد الحلي، وكتاب شرح تجريد الاعتقاد للعلامة الحلي.
5- المنطق والبلاغة ويشمل الكتب التالية: المعاني، البيان، البديع للتفتازاني، منطق الشيخ محمد رضا المظفر، حاشية ملا عبدالله والشمسية.
6- علم الأصول: أصول الفقه للشيخ محمد رضا المظفر، والمعالم للشيخ حسن بن الشهيد الثاني العاملي، الكِفاية بجزأيها الأول والثاني، كتاب الرسائل للشيخ الأنصاري.
7- علم الفقه: شرائع الإسلام للمحقق الحلي، واللمعة للشهيد الأول والثاني، المكاسب للشيخ الأنصاري.
8- كتب الحكمة والكلام: منظومة السبزواري، والأسفار لصدر الدين الشيرازي، وشرح التجويد للعلامة الحلي.
9- علم الدراية ويشمل: كتاب معرفة الرجال للكشي، ورجال علي إبراهيم القُمي، ورجال المامقاني.
10 - علم الحديث ويشمل: الكتب الأربعة وهي: من لا يحضره الفقيه لابن القمي، وكتاب الكافي للكليني، وكتاب التهذيب، وكتاب الاستبصار وكلامها للطوسي.
11- إضافة إلى علم الطب والفلسفة، وعلم الفلك والرياضيات، ومن ضمن الكتب التي يدخل تدريسها في هذه العلوم: كتاب خلاصة الحساب، وكتاب تشريح الأفلاك وكلاهما للبهائي.
وبعد إتقان الطالب لهذه الكتب يصبح من الفضلاء الممتازين في الحوزات العلمية، ويكون مهيئاً لحضور البحث العلمي الخارجي، وهي المرحلة الثانية.
المرحلة الثانية
بعد أن ينهي الطالب دراسته في المرحلة الأولى، لم يبق أمامه إلا حضور البحث الخارجي، وفيه يتحلق الطلاب حول العلماء المجتهدين، فيلقي الشيخ المحاضر عليهم بعض المحاضرات أو يثير مشكلة فقهية أو أصولية (أو علمية) وهنا تدور المناقشة حول كيفية الاستلال والبرهنة العلمية عن طريق المحاورة (القوية) أمام مجموعة من الأساتذة المحاضرين ومجموعة زملائه الطلبة، فإذا وجد الأستاذ المحاضر وتأكد تماماً أنَّ في بعض الطلاب قدرة على استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة القرآنية والعقلية أو النقلية واستيعابه لجوانب الموضوع وبصورة مفصلة ودقيقة، منحه شهادة الاجتهاد في أحد العلوم التي كرس الطالب رغبته التخصص فيها، وتارة يقدم الطالب بحثاً في بعض المسائل الفقهية فإذا وجد الأستاذ في الطالب مَلَكةً وقدرة على الفهم والاستنباط بعد المناقشة الدقيقة والموسعة واثبات النتيجة والتسليم والاقتناع بها، منحه الإجازة وهي في حد ذاتها تشبه إجازة الدكتوراه في الجامعات..
وقد يستغرق الطالب في تلقي دروسه لدى العلماء الأفاضل سنين عديدةٍ من سني عمره.
|
الهوامش : |
( 1) من المتعارف عليه قديماً أن الطلاب الذين يدرسون لدى الكتاتيب تطلق عليهم تسمية أوليدات جمع أوليد، تصغير ولد.
( 2) يضاف إلى مراجع ومصادر هذا البحث، مقابلة شخصية أجريتها مع السيد علي بن السيد محمد الخضراوي، في صباح يوم الجمعة الموافق (6/4/1416 هـ) وهو من مواليد بلدة القديح عام 1342 هـ وأحد معلمي الجيل القديم (الكتاتيب).
( 3) اشتق اسم هذه القصيدة من وقت إلقائها وهو مساء كل يوم أربعاء (عصراً)حيث بعد إلقائها ينصرف التلاميذ إلى بيوتهم ويعودون إلى مكتب معلمهم صباح يوم السبت.