مجلة الواحة

العدد 6

 

المكتبات الاهلية القديمة

في الاحساء

 

إبراهيم صقر الحسن و صالح علي السليم

 

 

نشأة المكتبات

 

ان من يبحث في تاريخ الاحساء يجد أنها كانت منبعاً للعلم فقد كانت مزدهرة بالعلم والعلماء ونستدل على ذلك بما روى عن البخاري ومسلم من أن الرسول(ص) بشر بوفدها فقال (غدا يأتيكم وفد هم خير أهل المشرق) وحين قدومهم اليه صلى الله عليه وسلم لإعلان اسلامهم وتلقي الدعوة المحمدية بصدر رحب، مؤمنين بالله وبرسوله رحب بهم رسول الله (ص) فقال (مرحباً بالوفد غير خزايا ولا ندامى)(1). وأقاموا عنده ثم توجهوا الى بلدهم بعد أن نهلوا من المعين العذب من هادي البشر. وبعد رجوعهم مباشرة بنوا مسجدهم في قرية (جواثا) وأقاموا فيه ثاني جمعة في الإسلام.

ان هذه النبذة الموجزة عن الاحساء تبين لنا كيف كان العلم منتشراً في تلك المنطقة في ذلك الوقت والى يومنا هذا فما زال مسجد جواثا باقيا كتراث إسلامي عتيد وكمنبر على وجه الأرض يعلن للملأ أنه كان في هذه البلاد علماء ومشائخ تركوا لنا بصماتهم على هذا المنبر العظيم فازدهر العلم بفضلهم من كل ناحية.

وكان لهذا الأثر الكبير في وجود التآليف العلمية وجمع الكتب العلمية وكتابتها خطياً حيث لم يكن يوجد في ذلك الوقت آلة للطبع كما هو الآن. ومن هذا المنطلق كانت المكتبات العلمية في الاحساء موجودة في البيوت العلمية التي كانت متواجدة في تلك البلاد آنذاك بكثرة. كان لكل ذلك ثروة علمية لا تقدر بثمن وهي في الغالب كتب في علم التفسير والحديث والفقه على المذاهب الأربعة وبعض المخطوطات الأدبية ألا أن معظم هذه المكتبات لموت أهلها ولقلة من يحافظ على اقتنائها وتجليدها ضاع الكثير منها أو تلف.

والتاريخ على اختلاف عصوره حافل بالأدلة والقرائن التي تؤكد صحة ايماننا بمكانة الاحساء العلمية سابقا. والحقيقة التي لا يختلف فيها اثنان أن نشأة المكتبات القديمة لا يمكن أن تحدد بزمن معين وذلك لكثرة الفتن والقلاقل التي تعرضت لها منطقة الاحساء ولكن كل ما نستطيع قوله ومن وجهة نظر شخصية بحته ان العلم أو اقتناء الكتب في منطقة الاحساء وجدت بعد ظهور الإسلام بفترة وجيزة. والشيء الملاحظ وذلك من خلال تقليب كتب التاريخ التي كتبت عن المنطقة انها مرت بعصور وصلت فيها الثقافة الى أوجها ومرت بعصور خمول.

يقول الدكتور عبدالله المبارك(2):

من يتأمل التاريخ الأدبي لبلدان شرقي الجزيرة يجد أن هذه البلدان أخرجت للشعر العربي من الشعراء الأقدمين من له ذكر ذائع في تاريخ الأدب كله. بل أن من المؤلفين القدماء من جعل من قبائل هذه الديار سابقين في قول الشعر على غيرهم من قبائل العرب. فعمرو بن قميئة أقدم من قال الشعر وقصد القصيد وهو من شعراء هذه الديار وقد ذكر صاحب الاغاني في أنه أول من قال الشعر في نزار.

ومن شعراء شرقي الجزيرة سعد بن مالك وطرفة بن العبد صاحب المعلقة المشهورة:

لخولة أطلال ببرقة ثهمد

تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد

ومنهم المتلمس والمرقشان (الاكبر والاصغر) والمثقب العبدي

ومن النساء الشاعرات في ذلك العصر (الخرنق) أخت طرفه بن العبد وأكثر شعرها في رثاء زوجها واخيها، كما كان لهذه المنطقة اسواقها الأدبية المعروفة ولها مواسم معلومة ومن أشهرها سوق هجر وسوق المشقر كما اشتهر بها من شعراء السياسة والعقائد عيسى بن عاتك الخطى وأحمد بن مقرب الاحسائي. والى جانب هذا النشاط الشعري أعطت بلاد شرقي الجزيرة ثروة باقية من النشاط العلمي في مجال الدين واللغة.

وآخر ازدهار فني عاشته المنطقة في أواخر الدولة العباسية مثله شاعر من أبناء المنطقة هو على بن المقرب العيوني. ومن قوله:

لا تحسبوا بغضي الأوطان من ملل

لابد للود والبغضاء من سبب

اذا الديار تغشاك الهوان بها

فخلها لضعيف العزم واغترب

والحق أن ابن المقرب يمثل بقيمته الفكرية والنفسية الشعر العربي المتين وهو من الوجهة الفنية يصور التقاليد الموروثة.

وبعده ظهر أحمد بن علي بن مشرف المتوفي سنة 1285هــ ومعظم نظمه في العقيدة والمدائح. ولكن لا يلبث حتى تغير بقيام نهضة احيائية واسعة فقد رأى فريق من المصلحين الاجتماعيين والمثقفين ان تقدم البلاد في شتى الميادين مرهون بأمرين:

أولهما/ بعث القيم الفكرية والفنية الموروثة من مصادرها الأولى.

وثانيهما/ الأخذ من الحضارة الغربية بما يناسب تلك القيم الاصلية ويصادفنا من شعراء النهضة الحديثة عبدالعزيز بن عبداللطيف المبارك وعبدالعزيز بن حمد المبارك وغيرهما.

ونرجع بعد هذه النبذة السريعة عن الازدهار الثقافي والأدبي الذي عايشته المنطقة ومن ثم كان له الأثر المباشر في الاهتمام بالكتب والمكتبات والعناية بها نرجع بعد ذلك لنبين أن معظم هذه المكتبات قد خلت من التراجم وذلك يرجع الى ان العلماء قديماً كانوا يهتمون في الغالب بالعلوم الدينية والعربية.

لقد كان المستوى العلمي في تلك الفترة التي تحدثنا عنها على أعلى المستويات التي عرفتها تلك الحقبة من الزمن حيث كان الوعي والتفتح والرغبة في المناقشة والاطلاع والاستفادة والافادة متوفرة في عقلية الاهالي من اجل ذلك الفت كتب كثيرة في ذلك العهد في الفقه ومنها (الانسان والتقويم الهجري) وقد كانت المكتبات في الاحساء يتم توارثها أباً عن جد كما كانت تستعمل كوقف شرعي لا يمكن بيعه والا ما كانت مكتبات قديمة تحوي كتباً ومخطوطات قديمة وقيمة ونادرة لا يكاد يخلو منها بيت علم أو أدب. ويبدو أن الكثير من المواطنين درجوا على حب القراءة وا قتناء الكتب والتباهي بها ولا سيما الفقهية والمخطوطة وهان عليهم دفع الثمن الغالي في سبيلها بسخاء وطيب خاطر.

وقضت العادة أن يوصي كثير من المسافرين الى الخارج بجلب الكتب.

هذا ولقد كانت العناية بهذه المكتبات تتبع من يتولاها فكان يقوم بتبويبها وتنظيمها واضافة ما يمكن اضافته اليها ليحافظ على اصالتها وقدمها وقوتها ومكنونها في التحصيل العلمي.

الى جانب هذا كان هناك من العلماء والمشائخ من هو مقتدر وذو سعة في العيش دفعتهم رغبتهم في التحصيل والاستزادة من مناهل العلم الى تحمل مشقة وعناء السفر التي قد تطول الى أكثر من عدة سنوات ليشتروا الكتب بها وأحياناً مكتبات كاملة وذلك بعد جهد وعناء وبحث في الحصول على مكتبة متنوعة ومتخصصة يكون فيها الهدف والقصد والغاية المرجوة.

ومهما يكن دافع انشاء هذه المكتبات الخاصة فلا بد من الاعتراف بأثرها في رفع مستوى ثقافة العلماء وذويهم وجلسائهم وان كان لنا كلمة فهي الاشادة بفضل هؤلاء الذين وضعوا خزائن كتبهم الخاصة بين أيدي سائر الناس لنشر الدين والعلم في هذه المنطقة.

كانت هذه نبذة مختصرة عن نشأة المكتبات القديمة في الاحساء والتي اتضح من خلالها كيفية مسار العلم في تلك الحقبة من الزمن حيث كان الجميع يقبلون على العلم ينهلون من منبعه. ولهذا كانت نشأة المكتبات واجباً مفروضاً في تلك الفترة التي عاشتها الاحساء. ولم تكن نشأتها بالأمر الصعب لأن البيئة كانت تساعد على ذلك، ووجود الغاية يدفع بالوسيلة ولقد كانت المكتبات بحد ذاتها وسيلة عظيمة لغاية عظيمة لايدرك مفاهيمها ومعانيها الا ذلك الإنسان المتعمق الثاقب للفكر وللحياة الفكرية.

مكانتها العلمية

 

ان النظرة الفاحصة المدققة والثاقبة لكل عمل تعطي لنا مدلولا كبيراً ونتيجة ثمينة نخرج بها وتكون حصيلة نظرتنا لهذا العمل... وكذلك الحال لتاريخ الاحساء.. فالقول الحق ان من يبحث وينظر بعمق ودقة لهذا التاريخ ولهذا المستوى العلمي الذي وصلت اليه هذه البلاد في ذلك الوقت بعلمائها وأدبائها يجد أن حلقات الدراسة والتحصيل لم تكن تتم على هيئة مدارس حكومية منتظمة كما يحدث الآن. فقديماً لم يكن النظام المدرسي معروفاً ولم يكن نظام التعليم أساساً موجوداً. وعلى هذا كانت معظم حلقات الدراسة والبحث تدور في المساجد

وكانت الصبغة التي تسير عليها هذه الحلقات ذات طابع ديني حيث كان التعمق في الدين أمراً واجباً وحتمياً وذلك لمعرفة السبل النيرة والمسالك الواضحة في العقيدة والدين. كما كان في الاحساء مدارس علمية أوقفت لهذا الشأن.

وكانت المكتبات تعد مرجعاً أساسياً وقيماً في تلك الحلقات التي تتم والتي كان كل فرد منهم يدرس موضوعاً معيناً ثم يتدارسونه جميعاً أثناء جلستهم حتى ينتهوا منه.. كما كان الدارس يقرأ حتى يحفظ ويتقن ما قرأه ثم يقرأ على الشيخ ويتتبع الشيخ قراءته ويصحح له اخطاءه ويوضح له ما صعب عليه.

من هنا كانت اهمية المكتبات وقيمتها ومكانتها العلمية كبيرة ذلك أن الدراسة كانت تعتمد على البحث والمناقشة. فكان الدارس يلجأ الى المكتبة في كل ما يريده ويبحث عنه حيث يجد فيها مبتغاه وطلبه من الكتب الدينية والأدبية.

لقد كانت المكتبات كما سبق وان قلنا تحتوي على مجموعة من الكتب القيمة القديمة وعدة مراجع نادرة وقواميس متنوعة عدا المخطوطات القديمة النفيسة... وهذا بالتالي يقودنا الىالقول بأن المكتبات كان لها قديماً المكانة العلمية الكبيرة. وان كان علينا أن نستشهد على ذلك فلا نجد خيراً من بعض التعليقات التي تحويها بعض كتب هذه المكتبات(3) وهي بخط صلاح الدين الأيوبي فهذه التعليقات تمتاز في الصحة من جهة وتمتاز في القدم من جهة أخرى ووجود مثل هذه المخطوطات والتعليقات بأيدي وبخط مصلحين من أمثال صلاح الدين الأيوبي يبين لنا مدى قدم هذه المكتبة وأثرها آنذاك في العلم والأدب لما تحويه من كتب قديمة ومخطوطات بالغة الأهمية.

ولا نجد أيضاً خيرا من مكتبة آل عبدالقادر نستشهد بها على أن هذه المكتبات كانت لها مكانة علمية بارزة في تلك الفترة بكونها منبعاً لرواد العلم من كل مكان. ففي حياة الملك سعود رحمه الله علم بهذه المكتبة أثناء زيارته التفقدية للمنطقة الشرقية واطلع عليها وجملة من مرافقيه فأرسل بعض المخطوطات مثل (سنن أبي داود) في ذلك الوقت الى الولايات المتحدة الامريكية لتصويرها وأخذ منها صورة وأرسل مع الاصل جائزة قدرها ألف ريال في ذلك الوقت. كما قام وفد من جامعة الدول العربية بزيارة لهذه الكتبة وتصوير ما يقارب 38 مخطوطة ولقد صرح رئيس الوفد الذي قام بهذه الزيارة بان هذه المكتبة تعد من أكبر المكتبات الاهلية الموجودة في المملكة من حيث الجودة والوفرة وهذا بالتالي يحدد مكانة هذه المكتبة العلمية في ذلك الوقت.

الاثر العلمي قديماً وحديثاً

 

قديماً ونظراً للفترة التي عاشتها الاحساء مزدهرة بالعلم والعلماء كان لهذه المكتبات أثر علمي وأدبي ان مكانة تلك المكتبات العلمية قديماً لما تحويه من كتب مطبوعة ومخطوطات أعطيت منزلة خاصة وجعلتها مركزاً علمياً وأدبياً كبيراً لرواد العلم والادب ومن كان أثرها العلمي والأدبي واضحاً في اخراج نخبة من العلماء قديماً وتتلمذ بعض الدارسين على يد هؤلاء العلماء.

فلقد كان الطلاب يفدون قديماً الى هذه المكتبات من مختلف مناطق الخليج وبلاد الرافدين يجذبهم اليها مكانتها العلمية وشهرتها الواسعة، ولقد تخرج من الحلقات العلمية في الاحساء علماء فطاحل من المنطقة ومن الخليج عاد هؤلاء الى بلادهم يحملون العلم وينشرونه، فعلى سبيل المثل نجد منهم الشيخ عبدالعزيز حمادة قاضي الكويت والشيخ عبداللطيف آل سعد قاضي البحرين وغيرهم كثير... كما أن قرى الاحساء نفسها كان يرد منها شباب يرغبون في تلقي العلم والتفرغ له وينزحون عن أهاليهم فترات طويلة وكان منهم على سبيل المثال الشيخ عبدالله بن سعيد من قرية الشقيق والشيخ عبدالوهاب الفضل من قرية الجليلجة والشيخ عبداللطيف بوبشيت من قرية الجفر وكان هؤلاء القادمون الى الاحساء من القرى والبلدان الأخرى يقيمون في المدارس العلمية المعدة للسكن وكان بعضهم يقيم في اربطة المدن للوافدين لطلب العلم وأخرى عليها أوقاف للإنفاق على الطلاب من ذلك رباط تحت ولاية آل أبي بكر.

ولقد تتلمذ على يد بعض المشائخ والعلماء الكثير ممن اقبلوا على هذه البلد لنهل العلم، ومنهم الشيخ يوسف الجناعي (الكويت) الشيخ عبدالرحمن العوضي (الكويت)، و السيد عبدالله احمد الهاشم وأخوه عبدالرحمن (الهفوف) الشيخ على الخطيب رحمه الله والذي كان يعمل قاضياً في المبرز والشيخ حسن والشيخ عبدالمحسن، الشيخ عبدالله حسين العبد القادر، الشيخ أحمد ابن عبداللطيف آل يحي.

كما يمكن أن ندرك أثر هذه المكتبات علمياً وأدبياً من خلال تلك الكتب التي ظهرت علينا في تلك الفترة، ومن هذه الكتب والتي تم تأليفها من قبل علماء ومشائخ تلك المنطقة: كتاب منظومة الشيخ عبد العزيز بن صالح العلجي وهي في الفقه وتزيد على أربعة آلاف بيت وقد طبعت. ورسالة في الفقه المالكي للشيخ عبدالعزيز بن حمد المبارك وكتاب التسهيل في الفقه المالكي للشيخ عبدالعزيز بن حمد المبارك وكتاب التسهيل في الفقه المالكي مقروناً بالدليل لايزال خطياً وهو من تأليف الشيخ عبداللطيف بن مبارك وكتاب تاريخ الاحساء المسمى تحفة المستفيد بتاريخ الاحساء في القديم والجديد للشيخ محمد بن عبدالله آل عبدالقادر. والرسائل التي كان يؤلفها الشيخ أبو بكر «التبصرة».

ولولا وجود مثل هذه المكتبات الغنية بما تحويه والتي بدورها أغنت الفكر وملأت القريحة بشعلة العلم، فكان لنا أثرها عبر هذه الكتب وعبر هؤلاء العلماء. واحقاقاً للحق ان الرغبة الكامنة في نفوس هؤلاء العلماء كانت الدافع الكبير لهذا المستوى العلمي الكبير الذي وصلت اليه منطقة الاحساء وكانت بذلك تمثل تراثاً علمياً وأدبياً طمست آثاره ولا زال له بقايا حاولنا جاهدين عبر هذه السطور ان ننقل مقتطفات منها ومهما قلنا وتحدثنا فسنكون مقصرين في محاولتنا لعرض الصورة الحقيقية الكاملة. تلك الصورة التي تعطي النظرة الشاملة ولكننا مع ذلك لم نترك سبيلاً لم نخض فيه ولا طريقاً الا وسرنا فيه.

كان الحديث الذي اوجزنا سطورنا من خلاله نبذة عن أثر المكتبات العلمي والأدبي في القديم. أما عن الوقت الحاضر أو الحديث فكل ما يمكن قوله ان الاهتمام من قبل الناس في هذه المنطقة قد تقلص عما كان عليه في تلك الفترة وتقلصت بالتالي عدد المكتبات عما كانت عليه قديماً أيضاً. وأصبحت النظرة الإجتماعية للحياة نظرة مادية بعد ان كانت العقول تبحث عن العلم في أماكنه الصعبة.. وطغت الاعمال التجارية والانشائية على معظم الاهالي حتى ان بعضهم انصرف انصرافاً تاماً عن العلم ودراسته.ونظرة بسيطة لواقعنا الحاضر في الاحساء ومستواها الحالي نجد أن هناك عدداً من المكتبات والاسر التي تمتلك هذه المكتبات قد اندثرت... نعم اندثرت لأنها لم تكن في مكان يهيئها لأن تكون محفوظة حتى أن بعض هذه المكتبات، رميت كتبها في الشوارع وهذا شيء يحمل على الاسى لأنه في ذلك الوقت كان هناك من يبحث عن هذه الكتب لشرائها مهما كان ثمنها..... وكثيراً ما نسمع اليوم عن أسر علمية قديمة كانت لديها مكتبات قديمة ولكنها اندثرت واختفت حيث تقلص منها عدد العلماء، علماً بان مجالسهم كانت حلقات دراسة تعج بالوافدين من طلاب العلم، وكان العلم غايتهم والمكتبات وسيلتهم والتدراس طريقتهم.

وان كان هناك سبب ما يعزى لما وصلت اليه الاحساء من مستوى فهو الاهمال، والاهمال وحده حيث انشغل الناس باعمالهم واصبحت تلك المكتبات بما تضمه من مخطوطات ومطبوعات تعد شيئاً ليس بذات الاهمية التي كانت عليها في ذلك الوقت، ولهذا كان اندثارها وضياعها ليس أمراً صعباً ولو حاولنا في نظرة مقارنة عما كانت عليه بعض المكتبات قد أصبحت اسماً تحمل رمز صاحبها، تحمل اسمه وعلمه، وانتهت بعدما انتهى، وأصبحت أثراً بعد أن كانت روحاً تغذي صاحبها مثل من يرتادها.

ومهما يكن دافع انشاء هذه المكتبات الخاصة فلا بد من الاعتراف بأثرها في رفع مستوى ثقافة ذويها ولا مهرب أيضاً من الاشادة بفضل الذين وضعوا خزائن كتبهم الخاصة بين أيدي سائر الناس وفتحوا لهم أبوابها للتزود منها والنهل من منابعها العلمية والأدبية.

وبعد فلقد راينا من خلال نظرتنا أن معظم محتويات المكتبات مؤلف باللغة العربية، وأن الكتب الدينية والأدبية والإجتماعية تمثل المقام الأول بين سائر الكتب والموضوعات ولو استعرضنا مصادر هذه الكتب وفتشنا عن البلد الذي وردت منه لرأينا أن الحجاز تأتي في المرتبة الاولى ويليها بغداد عاصمة الدولة العباسية.

المكتبات الموجودة في الاحساء

 

مكتبة المبارك:

تعتبر عائلة المبارك من أكبر الأسر العلمية ومن أعرقها بمنطقة الاحساء. ولسنا بحاجة الى الاطناب في التعريف بعائلة المبارك فهي عائلة غنية عن ذلك، فهي الاسرة الكبيرة العريقة التي كانت مجالسها مفتوحة امام كل داعية وامام كل محب للعلم والى كل وافد للتحصيل العلمي، كيف لا وهي من الاسر العلمية المرموقة.

وفي هذا يقول الشيخ يوسف بن راشد المبارك(4) ان الجد الأكبر «أي جد والده» المتوفي سنة 1230 عندما توفي خلف ثروتين ثروة علمية وثروة من الابناء يقدر عددها بستة أولاد وكان أكبرهم الجد عبداللطيف. ولقد وزعت الكتب على الاولاد الستة بالتساوي. والجد عبداللطيف المتوفي سنة 1291هـ .. خلف أيضاً ستة أولاد وثروة علمية كبيرة قسمت على الاولاد الستة وكان اكبرهم والده راشد المبارك ويضيف الشيخ يوسف قائلاً ان منطقة لاحساء تعرضت لكثير من الفتن التي عرضتها مما عرض عدد كبير من الكتب القديمة والمخطوطات للفقدان.

ومن ابرز الذين يملكون مكتبات خاصة في الوقت الحاضر هم فضيلة الشيخ محمد بن إبراهيم المبارك(5) والشيخ يوسف بن راشد المبارك والشيخ محمد بن عبدالله بن عبداللطيف.

وفي عرض بسيط لكل المكتبات الخاصة الموجودة لدى المبارك في الوقت الحاضر يمكن القول انها مكتبات حظيت بعناية من أصحابها وعلمائها وأدبائها الذين كانوا يقدرونها حق قدرها ونجد لزاماً علينا ان نستعرض كل مكتبة على حده لنطّلع على ما فيها من كتب ومخطوطات.

( أ) مكتبة الشيخ يوسف بن راشد المبارك:

يملك الشيخ يوسف المبارك مكتبة خاصة لابأس بمحتوياتها(6)، ولكن اذا ما قورنت بالمكتبات الموجودة في تلك الفترة، نجد أن هذه المكتبة الى جانب مكتبة العبد القادر في الاحساء تحتلان الصدارة. هذا ويقول الشيخ يوسف بن راشد المبارك: لقد توفى والدي وأنا في دولة البحرين مما تسبب في فقدان بعض الكتب كذلك لكثرة اسفاري في انحاء المعمورة تسبب في فقد بعض المخطوطات والكتب القديمة، والحقيقة لم أستطع أن أحدد عدد الكتب الموجودة بالمكتبة الآن لأن المكتبة في مرحلة انتقالية. ولكنه يمكن من خلال مطالعة في محتويات هذه المكتبة أن عدد المخطوطات التي يملكها الشيخ يوسف تقدر بتسع مخطوطات أشهرها جزء لإبن حلكان «وفيات الأعيان» وتحفة المشتاق في اخبار نجد والحجاز والعراق لعبد الرحمن بن بسام. ومخطوطة «شرح رائيه عبدون» ويرجع تاريخ هذه المخطوطة الى 700 سنة خلت..كذلك نسخة من شرح العلامة الجليل خليل وعليها شروح بخط عم جد الشيخ يوسف المبارك.

وكذلك توجد في مكتبته مخطوطة شرح ديوان ابن المقرب الكبير(7) الا ان أولها وآخرها مفقود وتوجد عنده ايضاً كراريس _ قلائد العقبان للفتح ابن خاقان(8) وهي من خط البيتوشى وبه زيادات على النسخة المطبوعة.

أما بشأن المطبوعات سواء منها القديمة أو الحديثة فهي كثيرة. فهي تضم عدداً لا بأس به من كتب التفسير أشهرها تفسير جرير _ وعدد أيضاً لابأس به من كتب التوحيد والتجويد والفقه أشهرها الصحيح للإمام البخاري ثلاثة مجلدات، وفتح المجيد والام _ للإمام الشافعي ويقع في تسعة مجلدات.

أما بالنسبة لكتب التاريخ فمكتبته تضم عدداً لابأس به من أشهرها تاريخ ابن خلدون وتاريخ ابن جرير وتاريخ الاحساء «تحفة المستفيد لمحمد إبن عبدالقادر».

ان الحقيقة او الفكرة التي نسمع بها ولا نراها من زمان بعيد بالاحرى على حياة المرحوم فضيلة الشيخ محمد بن عبدالقادر في ان الشيخ يوسف يقوم بمحاولة لكتابة تاريخ الاحساء ويقول فضيلته: لقد قمت بكتابة أكثر من نصف هذا البحث وان شاء الله سأحاول قدر المستطاع ان انهيه في أقرب فرصة ممكنة وان اضع يدي في يد الجميع لإكماله واخراجه الى حيز الوجود.

( ب) مكتبة عبدالله عبداللطيف المبارك:

يقول فضيلة الشيخ محمد بن عبدالله المبارك(9):

تأسست هذه المكتبة في عهد الجد رحمه الله وهي مكتبة غنية بالكتب في التفسير والعقائد والحديث والفقه والاداب العربية.. وفيها مخطوطات بعضها كامل وبعضها أجزاء ومنها على سبيل المثال: (كتاب الاستيعاب في ذكر الاصحاب) وكتاب القاموس العربي وهو بخط قديم قويم ومنها كتب في الطب والحكمة الا أنها لا تخلو من خروم..

والواقع أن هذ المكتبة كانت وقفاً يتوارثها الاب عن الجد، وتضم الكثير من كتب الجد الشيخ عبدالله بن عبداللطيف آل مبارك ومن ذلك المخطوطات. كما ان فيها كتباً للجد الشيخ عبداللطيف أيضاً ومنها كتب أخرى استحدثها الشيخ عبدالله وظلت هذه المكتبة وقفاً للقراءة والاستفادة. لقد كانت المكتبة في عهد الشيخ عبدالله معتنى بها جداً ووضعها في دواليب ونظمها على حسب الفهارس وبعد وفاته رحمه الله نقلها الشيخ محمد الى بيته ولازال ينقصها التبويب والتنظيم ومنها ما يحتاج الى تجليد.

والشيخ عبدالله كان عالماً من علماء ومشائخ أهل هذه البلاد فلقد تلقى العلم في مدرسة النعاثل المجاورة لبراحة الشعيبي التي يوجد بها مسجد ودرس أيضاً في مدرسة الرفعة المجاورة لمسجد المويلحية ودرس في مدرسة الراشد قرب براحة العويس... وكان بين حين وآخر يحضر بين يديه رواد العلم ليقرأوا عليه ويستفيدوا من معلوماته وعلى سبيل المثال كان منهم محمد بن سيف المقيم في الوزيه حالياً. هذا ولقد كان الشيخ عبدالله رحمه الله خطيباً مصقعاً واماماً لجامع الإمام فيصل بن تركي ومحدثاً فيه قرابة أربعين عاماً وكان الى جانب ذلك يتعاطى الشعر في المناسبات وله ديوان مخطوط وهذا الديوان يشتمل على اجتماعات ومراثي وملح أدبية.

وفي هذه النظرة السريعة الموجزة يتبين لنا مكانة الشيخ عبدالله العلمية فلقد كان إمامأً جامعاً وعالماً نابغاً ولا غرابة في ان تكون لديه مكتبة تحوي العديد من الكتب والمخطوطات النفيسة النادرة القيمة. ولأن العلماء في تلك الفترة كما سبق وأن قلنا كانوا قديماً يهتمون بالعلوم الدينية والعربية فانها تخلو من التراجم للغات أخرى.

والنظرة الاحصائية تبين لنا ان عدد الكتب في هذه المكتبة ما يقارب الالفين كتاب عدا المخطوطات القديمة النادرة والتي لا تقدر بثمن والذي منها ما هو في العلوم الدينية وما هو في الطب على جميع اقسامه.

فمن الظلم حقاً أن تظل مكتبة قديمة ثمينة وفي الاخر نسمع عنها أنها رميت في الشارع كما حدث في بعض المكتبات وذلك بسبب دمارها وعفاء الزمان عليها.. فلو بحثنا وراء الحقيقة لوجدنا ان مكتبة الشيخ عبدالله بن عبدالليف المبارك غير معتنى بها كما كانت قديما فالكتب والمخطوطات مكدسة فوق بعضها البعض وعليها وشاح أبيض من غبار الزمان بعد أن طال عليها الانتظار. وهذا شيء يؤسف له في الواقع فحبذا لو تمت الاستفادة من هذه المكتبة بطريقة أو أخرى بدلاً أن تظل مكدسة هكذا يعثو فيها الزمان بغباره..

مكتبة العبد القادر:

تعتبر هذه المكتبة نهاية لجميع كتب آل عبدالقادر، لأنها تعتبر مكتبة مشيخة عبدالقادر. ولقد تحولت اليهم فكانت هي الجامعة لمكتبتهم واحتوت على جميع ما لديهم من مخطوطات قديمة نادرة تمتاز في القدم من جهة ومن الصحة من جهة أخرى.

ولعل ما يميز هذه المكتبة عن غيرها من المكتبات القديمة في المملكة ويضعها في مركز الاهمية من بين الجميع(10) انها تحتوي على تعليقات نادرة بخط صلاح الدين الايوبي.. كما انها كانت محط الانظار لكل من يراها ويطلع عليها وكانت تعد من أهم مناهل العلم في المملكة حيث تم اختيارها كواحدة من أهم ثلاث مكتبات في المملكة كماً ونوعاً.

ففي عهد الملك سعود رحمه الله اطلع عليها أثناء تفقده للمنطقة الشرقية واخذ معه مخطوطه. (سنن ابي داود) لتصويرها في الولايات المتحدة الامريكية وارسل لهم صورة مع النسخة الاصلية ومعها جائزة ألف ريال في ذلك الوقت.. كما قام وفد من جامعة الدول العربية بزيارة لهذه المكتبة حيث اطلعوا عليها وصوروا ما يقارب 38 مخطوطة من المخطوطات التي توجد في هذه المكتبة.

ان هذه النبذة التاريخية المختصرة تبين لنا مدى المكانة التي كانت تتمتع بها هذه المكتبة قديماً وأثرها العلمي في المنطقة وبالتالي في المملكة، اضافة الى ذلك ما كان تحوي من كتب ومخطوطات فهي تحتوي على أمهات من الكتب تفسير لكبار المفسرين كالبقرى والبحر والمحيط للتوحيدي وتفسير ابن كثير وتفسير الطبري وغيرهم. وأمهات الكتب في الفقه للشافعية والحنابلة وكلها مطبوعة ومتداولة.

وفي استعراض بسيط لما تحويه المكتبة من كتب في مختلف الاقسام يقول الشيخ إبراهيم العبد القادر(11) تجد ان قسم التاريخ يحتوي على مجموعة كبير من الكتب القديمة لمختلف العصور الأمر الذي مكن فضيلة الشيخ محمد ابن عبدالقادر من كتابة «تحفة المستفيد في تاريخ الاحساء القديم». الى جانب المراجع التاريخية التي كانت تحويها المكتبة ويظهر ذلك جلياً في كتاب تاريخ الاحساء «تحفة المستفيد» للشيخ محمد آل عبدالقادر.

وبالنسبة لقسم الجغرافيا فالذين كتبوا في الجغرافيا من المؤلفين القدامى من أمثال ياقوت الحموي فقد تم الاستشهاد عليه في كتاب الاحساء (البلدان).

وفي الناحية الادبية كانت المكتبة تحوي على دواوين للشعر ومختارات مثل «نزهة الابصار» ومختارات الشيخ علي بن ثاني وهي في الحقيقة جمعت فاوعت اروع ما كان لكل شاعر اشتهر بها أو كانت سبباً في شهرته.

وفي الناحية العلمية وعلوم الطب فلا يوجد فيها غير كتاب زاد الميعاد للشيخ ابن قيم وهو يحتوي على هدى النبي(ص) في الطب النبوي أما بالنسبة لابن سيناء وغيره فلم نعثر لهم على كتب في مكتبات الاحساء القديمة على الاطلاق.

وعلى هذا يمكن أن يعتبر ما وجزناه وصفا اجماليا مستعرضا عن المكتبة والكتب المتنوعة فيها ويتبين من خلال ذلك انها تمتاز بصبغة دينية وتاريخية بالاضافة الى كتب الادب ودواوين الشعر وكان الشعر في الاحساء تعاطاه علماء الدين الا انه كان يأبى أحدهم ان يقال هذاشاعر لأن الشعر في مفهومهم كان يستخدم في غير الاغراض المحبوبة كذم أو مدح ولقد ذمه الله في القرآن في قوله تعالى:

{ والشعراء يتبعهم الغاوون} ولهذا كانوا يتعاطون الشعر فيما بينهم في المراثي والمساجلة بين الاخوة ويدل على ذلك قول الشيخ عبدالله بن علي آل عبدالقادر:

والله لولا ان يقولوا شاعر

سرحت طرفي في رياض مديحهم

والشعر يزري بالفتى الرباني

وتركته يجري بغير عناني

وكان كثيراً ما يشهد بقول:

ولولا الشعر بالعلماء يزري

للكنت اليوم أشعر من لبيد

والواقع أن المكتبة لازالت تحوي على مجموعة صالحة من شعره ولكنه لم يتم اخراجه في ديوان حتى يومنا هذا... وكان في أمله أيضاً أن يشترك مع الشيخ ابراهيم بن عبدالله العبد القادر في جمع كثير من الكلمات الاجنبية في اللهجة العامية ووضعها في كتاب يدعي «القول الصحيح فيما وافق العامية في الفصيح» ولقد دونت هذه الأمثال الشعبية على يد الشيخ إبراهيم وتم وضع الشروح والاستشهادات من أمثال عربية وشعر عربي ومن ذلك.. قول المثل العامي «اللى ماله خلق ماله جديد» وتم الاستشهاد عليه بقول الشاعر:

اذا لبست جديداً فالبسن خلقا

فلا جديد لمن لم يلبس الخلقا

وكذلك المثل العامي القائل «ادب وليدك كان تبغيه يشفيك».. وتم الاستشهاد عليه بقول الشاعر:

ومن لم يؤدبه أبوه وأمه

تؤدبه روعات الأذى والزلازل

وغيرها كثير من الامثال الشعبية.

وهناك عزم لطبع هذه المجموعة عندما يتم شرحها كاملاً وتوضيحها يتبين من هذا الوصف الاجمالي للمطبوعات الموجودة في مكتبة العبد القادر. أنها مكتبة ثمينة بما تحويه من مطبوعات.

أما القسم الثاني من المكتبة والذي يختص بالمخطوطات فان مكتبة آل عبدالقادر تعد من أكبر المكتبات امتلاكاً للمخطوطات العربية في العلوم الدينية... كالفقه والتفسير والحديث وعلوم التجويد وكذلك في الادب العربي واللغة وفي علم النحو والصرف وفي علم الفرائض وبالنسبة للعلوم الدينية فمنها ما هو على مذهب الإمام مالك وما هو على مذهب الإمام أحمد والشافعي وهذه المخطوطات من حيث المواضيع الفقهية واللغوية فريدة ومن حيث جودة الخط والكتابة فمنها ما هو بالخط العربي والخط المغربي لا يختلف عن الخط العربي الا أنه غاية في الجودة غير أن الزمن عبث بها لقدمها فمنها ما هو مفقود أولها ومنها ما هو مفقود آخرها ومنها ما هو سليم لم تصله يد القدم ولم تعبث به.

وفي الحقيقة انه لم يتم الاستفادة منها على الوجه الاكمل فهي حتى يومنا هذا يسمع بها ولا ترى ولا يمكن الاطلاع عليها..حتى أن أهالي منطقة الاحساء أنفسهم باتوا في شك في أن تكون هناك مكتبة لآل عبدالقادر. والواقع أن المكتبة اذا لم يفد منها ولم تكن معروضة للاطلاع والافادة فلا خير منها حيث يجب أن لا تكون محصورة في فئة معينة ولا نعتقد اننا بحاجة الى تكرار توضيح سبب ذلك فلقد سبق وان بينا فيما سبق ان تلك المكتبات التي كانت موجودة في تلك الفترة والتي لا زال معظمها موجودا والبعض اندثر تعد تراثاً علمية وأدبياً لمنطقة الاحساء.

وان كانت لنا كلمة أخيرة فهي اننا نتمنى يوماً ما أن نسمع عن هذه المكتبة وقد عرضت للاطلاع.. والاستفادة.. فمن المؤسف حقاً أن تبقى هذه المكتبة بالذات مطوية في دواليبها ولا يستفاد منها.

مكتبة العكاس:

ان الحديث عن مكتبة العكاس يخوض بنا في غمار ذكريات قديمة عن المكتبات القديمة في الاحساء وأثرها في العلم ولكنه في الواقع وللظروف التي كانت تمر بها عائلة العكاس في الفترة التي كنا نقوم فيها باعداد البحث لم نحصل على معلومات كافية عن هذه المكتبة ولكن وعبر هذه المعلومات القليلة والقليلة جداً والتي حصلنا عليها سنحاول صياغتها وبلورتها في قالب سهل في محاولة لتغطية هذه المكتبة من حيث المعلومات.. فأول ما يمكن أن يقال عن هذه المكتبة انها مكتبة دينية وذلك لما تحويه من كتب ومخطوطات والتي يبلغ عددها ما يقارب الالفين كتاب كلها في العلوم الدينية كالتفسير والفقه والتوحيد وعلوم التجويد وقد يعزى ذلك الى ان اقتصار آل عكاس على دراسة العلوم الدينية وما يوصل الى فهمها مثل كتب الفقه ومبادىء العربية ولأن الاهتمام في ذلك الوقت كان ينحصر في العلوم الدينية.

ولقد كان الشيخ عبدالعزيز يجتمع مع أخيه بعدد من الطلاب الباحثين عن العلم على شكل حلقة يتدارسون فيها العلم. وكانوا قديماً يقرأون المختصر في الاجرومية (بن جروم) ويتدارسونه وغير ذلك كان مطولاً مثل الالفية فلا يهتمون بها..

ولعل أشهر الكتب الموجودة في هذه المكتبة كتاب «بلوغ الارب في معرفة أحوال العرب» «الجاهلي» وهو كتاب في سبع مجلدات يبحث في أحوال العرب في الجاهلية والإسلام.

ونتيجة لهذا فقد تتلمذ على يد الشيخ عبدالله أبي بكر والشيخ احمد.

وخلاصة القول أننا لسنا في موضوع يعطينا الحق في أن نبدي براي حول هذه المكتبة لأننا وكما سبق القول ان هذه المكتبة كانت تحت ظروف لا نستطيع الحكم عليها ولكن ومهما يكن فالواقع الذي رأيناه ونراه أن هذه المكتبة كانت ترزح تحت ستار من الخفية فالكثير لم يكن ليعلم عنها شيئاً بسبب انحصارها داخل الاسرة ولسنا نعلم سبباً لذلك في حين ان مثل هذه المكتبة خاصة وانها تمتاز بالصفة دينية ما يجعلها في المقام الأول وهي بالتالي ترتبط بالمجتمع وحاجاته الدينية اليومية.

مكتبة حسين بوسفر:

في الواقع ان هذه المكتبة والحديث عنها، يختلف تماماً عن الحديث عن أي مكتبة أخرى فهذه المكتبة ليست قديمة كقدم المكتبات الأخرى والتي سبق وان تم استعراضها عبر بحثنا هذا.

وهذه المكتبة تعد من أحدى المكتبات الخاصة بالاحساء وهي مكتبة حديثة العلم بالنسبة لغيرها وان كان لنا هناك من دافع يدفعنا الى الكتابة عن هذه المكتبة فلأن صاحبها شغف بالعلم والدراسة وكانت الرغبة القوية والدافع الذي دفعه لتلقي العلم بعيداً عن بلدة حيث تلقى العلم والمعرفة في البحرين ولأن صاحب هذه المكتبة من مواليد الرعيل الأول من أبناء هذا القرن الامر الذي اتاح له الفرصة للدراسة على مشايخ القرن الماضي والقرن الحاضر.. كما ان لكثرة اسفاره لمناطق الخليج أتاح له فرصة الاطلاع على كتب قيمة ونادرة والذي في نفس الوقت اتاح له اقتناء بعضها ومن خلال النظرة الأولى يتضح لنا ان المكتبة متخصصة في علم التاريخ الا أن ذلك لا يمنع من انها تحتوي على امهات الكتب في اللغة والادب والدين... وللإستاذ حسين بوسفر محاولات في الكتابة التاريخية ولكن وللأسف لم تزل تلك المحاولات في عداد اللامرئيات... ومن خلا حديثنا معه اتضح لنا عزمه على الكتابة لتاريخ هذه المنطقة واخراجه لحيز الوجود ولكن متى؟ الله أعلم.. ومن خلال ذلك كله اتضح لنا ظاهرة غريبة ألا وهي وجود النية لبعض المكتبيين في المنطقة لكتابة تاريخ هذه المنطقة.. لكن سرعان ما يدب الملل والكسل في نفوسهم حيال كتابتهم الأبواب الأولى من كتابة هذا التاريخ ولا ندري ما هو السبب في ذلك؟!.

قد يكون السبب في ذلك قلة المصادر والمراجع التاريخية وان كان هناك بعض الكتب التي تحدثت عن المنطقة باشارات عابرة قد لا تكفي بطلب الباحث والدارس.

وفي الحقيقة انه لشيء يبعث على الفخر والاعتزاز ان نجد رجلاً من أبناء القرى تتوفر لديه تلك الرغبة التي تدفعه الى ان يقتني مكتبة خاصة به. وهذا يقودنا الى القول انه ليس الوحيد من أبناء القرى بل هناك الكثير وفي قرى مختلفة حاولنا الاتصال بهم ولكن لغياب البعض منهم ولظروف البعض الأخرى لم نستطع أن نحظى بأية معلومات عن هذه المكتبات الموجودة لديهم..

ورجوعاً بنا مرة ثانية الى مكتبة الاستاذ حسين في استعراض مجمل عنها فهي مكتبة متخصصة كما سبق وان قلنا حيث تضم هذه المكتبة الكثير من المراجع التاريخية والكتب القيمة والتي من أشهرها كتاب «الكامل لإبن الأثير» وكتاب «دائرة المعارف الإسلامية» وكتاب «مسالك الابصار». كما أنها تحوي على ما يزيد على خمسين كتاباً ومرجعاً في الكتب الدينية. وفي الناحية الأدبية فيمكن القول ان هذه المكتبة تضم الكثير من المراجع الأدبية والكتب اللغوية والتي من أشهرها كتاب الأغاني للأصفهاني وكتاب العقد الفريد وأخرى في اللغة من أهمها كتاب «بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب» وكتاب لسان العرب لإبن منظور.

والواقع وكما سبق القول ان هذه المكتبة مهما كان صغر حجمها فهي تعطي دلالة على واقع صاحبها الذي اتاح ولا زال يتيح الفرص للعديد من الطلبة للأطلاع عليها والاستفادة منها.

المكتبات المندثرة

 

يلاحظ القارىء من خلال صفحات هذا البحث أن هذه المكتبات التي استعرضناها هي كل المكتبات الخاصة الموجودة في منطقة الاحساء. والواقع غير ذلك فما تم استعراضه قد لا يعد أكثر من نصف هذه المكتبات، وان كانت لها اهميتها ومكانتها العلمية، ألا انها تعتبر عدداً من اعداد كثيرة لم تسمح لنا الظروف ان نستجلي هذه المكتبات، وذلك بسبب اندثارها ولقد تطرقنا في اكثر من باب الى أسباب اندثار تلك المكتبات، وقلنا أنها بسبب عدم وجودها في مكان يهيئها أن تكون محفوظة.

وعلى أية حال فقد يعزي سبب ذلك أيضاً الى اندثار الكثير من الاسر العلمية التي كانت موجودة آنذاك.. اندثرت تلك الأسر واندثر معها علمها وأدبها وتراثها... ومن هذه الاسر التي لم نعد نسمع بها واندثرت مكتباتهم بل ان البعض من هذه الاسر تم رمي كتب مكتباتهم في الشارع بعد أن فسدت وعثت للأسباب الذي ذكرناها سابقاً منها أسرة الملا، والعفالق، والموسى، الغنام، العمير، ابن الرومي، ابن شمس، السالم، الكثير، العرفج، العيثان، المطاوعة، المطلق، المصطفى، العبيد الله، العبد اللطيف.

والواقع أننا في نفس الوقت الذي نأسف فيه على ضياع هذه المكتبات واندثارها وضياع تراث علمي وأدبي لنرجو أن يحافظ على هذه المكتبات الموجودة والمتبقية لنا وان يستفاد منها ووضعها في كل مكان يهيئها لأن تكون محفوظة.


المصادر :

 

1 _ كتاب «زاد المعاد» لإبن القيم الجوزي.

2 _ كتاب «الشعر المعاصر في شرقي الجزيرة» د. عبدالله المبارك.

3 _ كتاب «الادب المعاصر في شرقي الجزيرة» د. عبدالله المبارك.

4 _ كتاب «الحركة الأدبية في المملكة» د. بكري شيخ أمين.

المقابلات الشخصية:

 

1 _ الشيخ يوسف المبارك.

2 _ الشيخ محمد بن عبدالله المبارك.

3 _ الشيخ عبداللطيف العكاس.

4 _ الشيخ إبراهيم بن عبدالمحسن العبد القادر.

5 _ الاستاذ حسين بوسفر.

6 _ الشيخ إبراهيم المبارك.

7 _ استفتاء مع بعض مشائخة المبارك.

8 _ استفتاء مع بعض أهالي قرية الجفر.

9 _ استفتاء مع بعض أهالي قرية العيون.

10 _ استفتاء مع بعض أهالي قرية الشقيق.

11 _ استفتاء مع بعض أهالي مدينة الهفوف.

الهوامش :

 

( 1) زاد المعاد لابن قيم الجوزية ص29 ج3 المطبعة المصرية.

( 2) الادب العربي المعاصر في الجزيرة العربية ط2 ص9 1396هــ.

( 3) ككتاب سنن أبي داوود الذي توجد عليه بعض التلعيقات بخط أحد أبناء صلاح الدين.

( 4) ولد بالبحرين وتتلمذ على يد والده وأعمامه ولقد عرف بحبه للاسفار للبحث والاطلاع. ولقد عمل بالتدريس في بداية حياته لعلم الاجتماعيات وبعد ذلك عمل كمدير للمكتبة القطرية بالاحساء، ثم انتقل لدولة أبو ظبي وعمل كمدير للمكتبة والآثار ويعتبر الشيخ يوسف المبارك علامة بارز يشار اليه في شتى فروع العلم.

( 5) إمام وخطيب مسجد الصالحية بمدينية الهفوف

( 6) من حيث الندرة والقيمة العلمية والقدم.

(7) شرح ديوان ابن المقرب القديم لا توجد منه الا ثلاث صور محفوظة فقط في: الأولى في البحرين عند عيسى بن علي الخليفة والثانية بمكة المكرمة في مكتبة صادق كردي ونسخة عند فضيلة الشيخ يوسف.

( 8) مؤرخ اندلسى.

( 9) ولد بمدينة الاحساء وتتلمذ في بداية حياته على ييد اعماله واخواله ثم اكمل تعليمه في مدرسة الكويت بعد ذلك تدرج في تعليمه حتى حصل على شهادة البكالوريس من كلية اللغة العربية بالرياض وهو يعمل مفتشاً ادارياً بادارة التعليم بمنطقة الاحساء. وهو امام وخطيب جامع الإمام فيصل بن تركي بمدينة الهفوف بعد وفاة والده الشيخ عبدالله رحمه الله.

( 10) انها تحتوي على مجموعة قيمة ونادرة من المخطوطات القديمة التي يرجع تاريخ بعضها الى سنة 660هـ ككتاب سنن أبي داود الذي توجد عليه.

كما انهاتحتوي على مجموعة كبيرة من كتب التاريخ والفقه والتوحيد والآدب. الشيء الآخر أن مكتبة العبد القادر كان لها الفضل الآكبر في نبوغ شخصيات كبيرة في مجال الفقه والادب ومعظمهم زاولة القضاء في هذه المنطقة وخارجها كفضيلة الشيخ يوسف الجناعي والشيخ عبدالرحمن الضوضي ولقد زاول القضاء بدولة الكويت والشيخ على الخطيب والشيخ عبد المحسن وعبدالله وحسن العبد القادر ولقد زاولوا القضاء في مدينة المبرز بالاحساء والشيخ أحمد بن عبداللطيف اليحيى قاضي بمدينة صفوى في المنطقة الشرقية.

( 11) كاتب عدل بمحكمة المبز وقد ولد بمدينة المبرز وتتلمذ على يد والده وأعمامه ولقد عرف بحبه المقراءة والاطلاع وهو شاعر قدير له بعض القصائد الإجتماعية ولديه مكتبة خاصة ولكنها تعتبر حديثة وبها مجموعة لابأس بها في علوم الدين والادب.