|
العدد 6 |
|
المرأة في القطيف (بين عصرين) |
|
سيد حسن العوامي |
إجابة على مجموعة من الأسئلة عن المرأة تتلخص في:
1 - دورها قبل عصر الإنتاج - عصر البترول.
2 - مكانتها فيه.
3 - نظرة الرجل إليها في ذلك العصر.
4 - دورها بعده.
5 - نظرة المجتمع إليها.
6 - وظيفتها الإجتماعية، وأسئلة كثيرة ضمن هذه الدائرة.
في رأينا أن المرأة عندنا - في القطيف، وربما تشاركها المرأة في الأحساء والخليج تعيش نفس الظروف والأوضاع، بل لعلنا لا نبتعد عن الصواب أن نعمم الوضع على نساء المشرق العربي - إنها في مجتمعنا تنقسم حياتها وسلوكها ودورها في المجتمع، وموقف الرجل منها إلى قسمين أو وضعين مختلفين:
القسم الأول: حياتها قبل عصر البترول كنوع يمثل نصف المجتمع. ما هو دورها، ومكانتها، وريادتها، ونظرة الرجل لها، وتعامله معها ؟
القسم الثاني: بعد عصر البترول، هل تغيرت نظرة المجتمع إليها ؟ وهل لها دور فيه ؟ وما هو موقف الرجل منها؟ وهل لذلك سلبيات ومنافع, وأيهما يفوق الآخر؟
وسوف يتم تصنيف المرأة إلى زوجة وبنت، أما الأم فتدخل ضمن نطاق الزوجة، فبالنسبة إلى القسم الأول فإن المرأة فيه لا تحكمها قاعدة عامة، ويمكن تصنيفه إلى:
أ - المرأة في المدينة، وهي تختلف عن أختها في القرية في الوضع الإجتماعي، وتنفرد بمظاهر خاصة.
ب - المرأة في القرية، وهي الأخرى لها وضع اجتماعي تختلف فيه عن المرأة في المدينة.
ج - وضع المرأة الديني، وهذا عامل مشترك في بعض جوانبه عند كليهما بصورة عامة.
د - الحياة الإجتماعية، ودور المرأة فيها في القرية والمدينة، ونظرة الرجل إليها من خلال كونها قروية أو مدنية، وتعامله معها.
فإذا أخذنا جانب البحث عن المرأة في المدينة نجد لها حظوة خاصة لدى الرجل في بعض الجوانب، وامتهاناً لها ولحقوقها وإرادتها من جانب آخر وكأنها كمٌّ مهمل، أو أداة لأغراض الرجل يستفيد منها وقت ما يشاء، وهو أسلوب يحمل في ذاته نوعاً من التناقض وعدم الإنسجام ربما أثر في تكوينه عاملان لكلٍّ منهما منهج ينتهجه الرجل تجاه المرأة:
العامل الأول: هو ما يلتزم به الرجل تجاه المرأة ناظراً فيه الملزِمات الشرعية التي أوجبها الشارع لها.
العامل الثاني: الأعراف والعادات والتقاليد التي تحدَّرت عبر العصور في أنماط من السلوك جعلت من الرجل نوعاً مسيطراً عليها ومتحكِّماً في حياتها، وسلوكها، وإرادتها. وقد يعاملها بما يخالف رأيه المتشرع لأن الوضع العام الذي درجت عليه حياة المجتمعات في علاقتها مع المرأة جعله ينساق - بوعي أولا وعي - بأن يتحكم في مصيرها.
إنها تعيش حياة الرفاهية والنعيم، فهي تلبس أفخر أنواع اللباس، وتسكن منزلاً مؤثًّثا تقوم على نظافته وغسل أوانيه مستخدمات من البلد يتصفن بالأمانة والإخلاص، وتقوم على العناية بها وبناتها ماشطة، وخلاف الماشطة والمستخدمات المقيمات؛ هناك عاملات يتفق معهن على غسيل فرش المنزل، وفرش الأطفال، ولم يكن المنزل داراً ضيقة لا يتسع لأفراد العائلة، أو مبنى لا تتوفر فيه وسائل الصحة والراحة المتاحة آنذاك، بل كانت البيوت ذات أدوار، ومقسمة تقسيماً فنِّيّاً معماريّاً جيِّداً، وغرفها موزَّعة تتقاسمها الأفراد الساكنة فيه، فمنها ما هو إلى رب الأسرة وزوجه، ومنها ما هو له خاصة، ومنها ما هو للأطفال، وما هو للمستخدمات، وما هو للمؤن، وهكذا، وتستجلب له مياه الشرب من عيون عذبة يقوم بإحضارها يوميّاً المستخدم الذي هو الآخر من البلد، وإذا أرادت المرأة الذهاب إلى الإستحمام خارج المنزل - إلى حمام»أبو لوزة«، وقد كان فيه مكان خاص للنساء، أو عين »الحبَّاكة«، أو عين »القصَّاري«، أو عين »الكنيز«، وكانت مخصصة للنساء - فإنها تمتطي المركبة المريحة »الأتان« يقوم بالحفاظ عليها أجير المنزل - وغالباً ما يكون أحد الأعبد - مع ملاحظة أنَّ الفئة العليَّة من نساء المجتمع لا يتحممن إلا في حمام أبو لوزة، أو عين الحباكة وهي قريبة منه.
وكانت تتوفر على عناية من التربية والتعليم حسب مستواه وقواعده آنذاك، ولذلك برزت في مجتمع القطيف نساء عُرفن بقدرتهن وقوة شخصيتهن وتأثيرهن حتى على الرجال، فكان لهنَّ صيتٌ ذائع، ومقام محترم كبير، وتقدير لدى المجتمع كافة - رجالاً ونساء - وكن بحقٍّ موضع إعجاب وإكبار.
أما الجانب السلبي فيتمثل في تسلَّط الرجل على أموالها، فهناك كثير من النساء يملكن أموالاً خاصة ورثنها من ذويهن، لكن بعض الأزواج يتصرف في ريعها وبيعها إذا احتاج - دون الرجوع إليها، وبلا علم منها، بل إن البعضَ ليتزوَّج المرأة لأنها ذات مال، وبنيَّة الإستحواذ على ذلك المال، وطالما عاشت كثيرات منهن يعانين حياة الفقر بعد ذهاب ثروتهن التي بددها الأزواج. هذه هي الصورة العامة، وإلا فهناك رجال بمستوى التعفف والنزاهة إلى حدٍّ يبعث على الإستغراب، فمنهم من تبلغ به الحاجة حدّاً يبيت فيه وعياله دونما طعام، فلا يمس من مال زوجته شيئاً.
إن مجتمع القطيف يضم شرائح تختلف فيما بينها في القيم والعادات والأخلاق والتعامل مع الآخرين اختلافاً لا لقاء معه.
ويتمثل الرأي العام السائد في النظر إلى المرأة على أنها أدنى مستوى من الرجل بدرجات كبيرة، إلى درجة أن بعضهم إذا اضطر لذكر زوجته قدم لها بعبارة: (المرأة حاشاك) أو: المرأة (كرمك الله)، بل ربما اعتبرها متاعاً يستفيد به متى شاء، ولا يحق لها الهمس فضلاً عن الجهر برأيها أو الإعتراض، والأكثر امتهاناً لها هو ما يراه البعض، ويتفوَّه به أنه يرى الزوجة فردة حذاء ينزعها متى شاء يضربها ضرباً مبرحاً، ويهينها، ويستهين بها، ولا يجد البعض حرجاً من أن يقول: (إحنا شفنا - نحن رأينا - الزوجة إذا راحت بيت أبيها رجعها أبوها بالعصا إلى زوجها يفعل فيها ما يشاء).
هذه هي السمة الغالبة، وإلاَّ كما قلنا هناك شرائح ليست قليلة تعامل المرأة من منظار شرعي وإنساني، وهذه الأخلاق إنما جاءت بسبب التراكمات التاريخية التي كانت الشعوب فيها ترى أن: (المرأة شرٌّ لا بدَّ منه)، أو (هي عين الخطايا).
هذا موقف الرجل من المرأة كزوجة، أمَّا موقفه منها كبنت فإنه لا يتسم بالعنف في التربية، ولا يمسها ما يمس الولد من الضرب العنيف الشديد الذي يشبه ما تقوم به السلطات الظالمة من التعذيب مع من تتهمهم بالإجرام، فقد يربط الولد في اسطوانة المنزل مكتَّفاً بالحبال، وينهال عليه أبوه ضرباً موجعاً بالخيزران وهو يصرخ ويستغيث دون مغيث، وقد يقيِّد رجليه ويرفعهما إلى أعلى، ويبدأ بإنزال العقاب الذي يتقزز الرائي منه، وقد يحبسه في غرفة بلا أكل، وهلمَّ جرّاً. بينما البنت في راحة من ذلك كله، إلا أنها في وضع مأساوي من نوع آخر، فهي تعيش في المنزل معزولة عن الآخرين، فحتى النساء لا يحق لها أن تجلس معهن، مهما بلغ عمرها، إلاَّ بعد الزواج بفترة غير قليلة، فهي لا تحضر حفلات الزواج، ولا التهنئة بقدوم المسافرين، ولا حضور التعازي التي تقام بمناسبة وفيات الأهل أو الأقرباء، وإذا حضرت مناسبات الشعائر الدينية فإنها تجلس بمعزل من النساء، وتتحجب عنهن، فلا غرابة أن تعيش الفتاة بعيدة عن الثقافة بجميع ألوانها وفنونها، لا سيما ما يتعلق منها بالحياة الأسرية، وهذا ما يشاركها فيه الولد بسبب جهل الإثنين معاً، فلا أبوهما يعكسان لهما نموذج تلك الثقافة، وليس بمقدورهما الحصول على شيءٍ منها إذ لم تتيسر آنذاك الصحف والمجلات، بل ولا المذياع فضلاً عن التلفاز، وأما كيفية ارتباطها بشريك حياتها فيشاركها الولد أيضاً في عدم أحقيته في اختيار شريكة حياته أو رفض من لا يريد الإرتباط بها.
وكان الأمر مقتصراً على رغبة الأبوين، والخاطبة هي التي تنوب في الإختيار، ومن الأعراف الغريبة أن يتواري والد البنت عن مقابلة الناس أيام إعداد ابنته للزفاف إلى زوجها، وللأسف الشديد فإن عادة فرض الزوج، وعدم أخذ رأي البنت ما تزال موجودة عند البعض حتى الآن، ولا يبعد أن يكون للمحيط العام السائد في أوساط المجتمع دور كبير لتركيز هذه الأعراف في حياة المجتمع وأفراد أسره، وهو المحيط الذي تنعدم فيه الثقافة العامة بأفرعها المختلفة، ويفقد التوعية في فصائله كافة، فلا الكتب في متناول الجميع، ولا صحف ولا مجلات، ولا ندوات، ولا محاضرات، صحيح إن الكتاتيب منتشرة في مدن وقرى القطيف، إلاَّ أن دورها محدود جدّاً لا يتعدَّى فك الحرف - القراءة البسيطة والكتابة - وصحيح أيضاً إن كثرة من الخطباء، وكثيراً جدّاً من مآتم العزاء الحسيني تقام على امتداد أيام السنة في مناسبات المحرم، وشهر رمضان، ووفيات الأئمة من أهل البيت (ع) إلاَّ أن الخطيب هو الآخر لا يعلم عن مجريات الأمور والأحداث، وليس له ارتباط بالعالم، وقراءته مقصورة على المناسبة، وبعض أحاديث الرسول (ص) وأهل بيته عليهم السلام - ولا يزال ثمة نموذج موجود حتى الآن - حنى أنه ليعتمد الأحاديث الضعيفة والأخبار الغريبة.
هذا هو السلوك العام، والتعامل المتعارف عند الأغلبية الساحقة مع البنات والبنين، ولكن كل المجتمعات لا تخلو من شريحة متميزة في ثقافتها، ومعارفها، ونظرتها إلى الحياة، وعلاقتها التربوية مع الأولاد.
وهذا ما قد كان في القطيف عند شريحة كبيرة من المجتمع هم علية القوم الذين يتمتعون بثقافة، ومعرفة ورؤية بعيدة، فلم يضربوا نطاقاً من الحجر على بناتهم، وإنما سمحوا لهن بالخروج - وإن كان محدوداً - وبالتعليم في كتاتيب الرجال (وهذا ما يمكن اعتباره نواة للتعليم المختلط)، ولم يكن ذلك أمراً مرفوضاً، ولا حدثاً طارئاً مستغرباً، بل كان طبيعيّاً جدّاً دون أن يحدث أي تماس أو شيئاً يعارض الأخلاق والشرف أو موجب للريبة، فضلاً عن أي شيء آخر، وإنما يجري في إطار براءة وعفة بين الطرفين حتمتهما الإلتزامات الدينية المترسخة في النفوس بتأثير التربية السليمة، ولعل مما ساعد على ذلك عدم وجود وسائل الإغراء التي تفتح الأعين على الإثارة والإنعطاف نحو تلك الجوانب الغريزية، وتنبيهها، الأمر الذي جعل الطريق مغلقاً أمام هذا المفهوم.
ولا شك أن تلك الأنماط من السلوك في معاملة المرأة، أو التحكم فيها وفي شؤونها، والحد من تحركها وحريتها كلها أمور مخالفة إلى نظم الإسلام وتعاليمه، وموقفه من المرأة، ورؤيته لحقها وحريتها، فلقد كانت المرأة تأتي إلى مسجد رسول الله (ص) وتخاطبه قائلة: (زوِّجني يا رسولَ الله)، فلو أن بنتاً الآن - في هذا الوقت، وليس قبل عصر البترول - تقول لوالدها في بيتها، أمام الأهل: زوِّجني. لرد عليها: (والله قليلة حياء).
وكثير منا قرأ أو سمع قصة تلك الفتاة التي جاءت إلى رسول الله (ص) تشكو أباها لأنه يريد تزويجها من ابن عمٍّ لها، فقالت: (يا رسول الله إن أبي زوَّجني من ابن أخ له ليرفع خسيسته، وأنا له كارهة). فقال (ص): أجيزي ما صنع أبوك).. فقالت: (لا رغبة لي في ما صنع أبي). فقال (ص): (إذن اذهبي وتَزوَّجي من شئت). ويقول الإمام الصادق (ع): (تستأمر البكر وغيرها، ولا تنكح إلاَّ بأمرها). ويقول عليه السلام: (إذا كانت المرأة مالكةً أمرها تبيع وتشتري، وتعتق، وتشهد، وتعطي من مالها ما شاءت، فإنَّ أمرَها جائز. تتزوج - إن شاءت - بغير إذن وليها، وإن لم تكن كذلك فلا يجوز تزويجها إلاَّ بأمر وليها). ويعلق مورد الخبر الشيخ مجيد الصيمري في كتابه »الزواج في الإسلام« قائلاً: (وقد أراد بالمالكة لأمرها: الثيب وغيرها البكر). وعن أبي يعفور إنه قال للإمام الصادق (ع): (أردت أن أتزوج امرأة، وإن أبواي أرادا غيرها). قال: (تزوج التي هويت، ودع التي هوي أبواك)(1)، ويقول العلامة السيد محمد حسين فضل الله، وهو يتحدث عن الزواج: (هناك فريق كبير من الفقهاء يقول إن البالغة الرشيدة كالبالغ الرشيد ليس لأحد عليها سلطة). وفي موضع آخر يقول: (أما بالنسبة إلى الولاية فإن الفتاة البالغة الرشيدة لا تعتبر تحت ولاية والديها في هذا المجال باعتبار أنها بالغة رشيدة، وليس للأب الولاية على البالغة الرشيدة. نعم هناك حالة إسلامية تقضي بالإحسان إلى الأب، أما بالنسبة إلى المجالات الأخرى، فليس له أن يمنعها من الخروج من البيت، أو من أن تخرج مع خطيبها، وليس له أن يمنعها من أي شيء من الأشياء في هذا المجال، لأنه ليس له عليها ولاية من قريب أو بعيد، نعم هناك تحفظ شرعي في أنها لا تتزوج إلاَّ بإذنه)(2).
|
المرأة في القرية أو الريف |
يعرَّف الريف بأنه:" كل أرض فيها زرع ونخل"، وتختلف المرأة التي تعيش في الريف عندنا عن المرأة التي تعيش في الحواضر والمدن، ذلك لأنها لا تعيش القيود التي يفرضها رب الأسرة في المدينة، وليست محاطة بسياج من العزلة، ولم تكن - سواء زوجة أو بنتاً - لتتقوقع في حياة المنزل. إنها تشارك الرجل في عمله، وفي حقله، وفي نشاطه العملي. إنها تتقاسم معه العمل، ففي الحقل تقوم بجني الفاكهة، وقطف الثمار، والتقاط ما يسقط من النخيل، وجمع ما يقطع منها من سعف أو غيره، وتقوم برعاية الأنعام والدواجن وتربيتها، وبيع منتجاتها، وتذهب إلى الأسواق لتصريف تلك المنتوجات، وابتياع حاجات المنزل، والرطب هو الآخر تشارك المرأة الرجلَ في بيعه وتوصيله إلى البيوت. كما تقوم بصنع ظروف التمر، والقفف، والمراحل، والمراوح، والسجاد المصنوع من خوص النخل، والحصر، والأغذنة، والسميم، والجفران، فهي في حركة العمل ليلاً ونهاراً.
ولم يكن هذا شأن المرأة الزوجة فقط، بل البنت تشاركها العمل - وما زال هذا الوضع قائماً حتى الآن عند بعض منهن - حتى أن المرأة لتلد في الطريق وهي ذاهبة إلى أو راجعة من السوق في تصريف بضاعتها.
والعاملون في البحر - صيد السمك - واستخراج اللؤلؤ - الغوص - هم الآخرون تشاطرهم المرأة العمل في غزل أدوات الصيد وتحضير مستلزماته، وبيع السمك والمحار - الأصداف التي تتخلق فيها اللآلئ.
فالمرأة - زوجةً وبنتاً - خارج حياة المدن تشارك الرجل في أنشطته المادية، والحياة الإجتماعية بما لها من مجال واسع تتحرك فيه دونما حجْرٍ أو رقابة.
هذا من جانب انطلاق المرأة، ومشاركتها الحياة مع الرجل، لكن ما هي نظرته إليها ؟
هل على أساس المنظور الإسلامي: (النساء شقائق الرجال). (ولهن مثل الذي عليهن). (خيركم خيركم لنسائه) ؟ هنا يختلف المنظور، وتتحكم فيه العادات والأعراف والتقاليد التي تحدرت من عصور الجهل والإستبداد، والنظرة الفوقية كما أشرنا إليه.
إن الرجل في الريف ينظر إلى المرأة على أنها أداة عمل، لا تخرج عن طاعته، ولا يحق لها الإعتراض على إرادته، وضمن ذلك الإطار يتم تزويج البنت، وليس لها أن تعترض على من ليست لها رغبة في الزواج منه: (ما عندنا بنت تعصي). هذه المقولة التي طالما رددها الآباء وأولياء الأمور، وكثيراً ما يفرض الآباء على بناتهم التزوج من أبناء عمومتهن أوَّلاً بأول، وعلى الأولاد كذلك.
وكما قلنا فإنه - للأسف الشديد - ما زالت هذه الفكرة العدوانية - فكرة الفرض على البنت شخصاً معيَّناً أو رفض شخص ترغب إليه - ما زالت قائمة، عند فئة غير قليلة في الريف و المدينة، وهناك قضايا ساخنة بين الآباء والبنات، بعضها انتهى بتغلب إرادة البنت عقيب خلافات، ومشادات عنيفة أدت بعض حالاتها إلى رفعها من قبل البنت إلى السلطة، وبعضها لا يزال عالقاً.
|
وضع المرأة الديني |
لا يكاد يختلف وضع المرأة في القطيف في الجانب الديني عن بعضهن البعض سواء كانت المرأة تحيا مرفهة أو عاطلة أو عاملة، بنتاً متحركة أو محكوماً عليها الجلوس بين الجدران، فالجميع يؤدين فروض العبادات، والحج والزيارة، ويتبادلن العزاء في الفواتح، وما إلى ذلك مما له علاقة واجبة أو مندوبة بتعاليم الدين.
حتى في ما ليس له مساس بجانب الإعتقاد بالغيبيات، وما يطرأ عليها من دخولٍ لعناصر الزيادة، كاللجوء إلى الرقى، وما يقوم به البعض من دعوى الإشفاء، وإبعاد الشياطين بواسطة وسائل معروفة. حتى هذه الجوانب يشترك فيها الأكثرية من الجانبين.
وهذه الطقوس لا تنفرد بها القطيف، بل ولا البلاد العربية والإسلامية إنما العالم بأسره نجد اعتماد شرائح كبيرة من مجتمعاته تؤمن بالجوانب الغيبية وتأثير القوى الخارجة عن رؤية الإنسان وقدرته. تأثيرها في حياته ومجرى سلوكه، لا سيما إذا مرض وعجزت عن شفائه الجهات المتخصصة، أو تعرض لحالات نفسية حادة، ودائماً نقرأ كتباً، ونسمع عن مؤسسات تقوم على هذا الجانب.
وليست قراءة الكف والفنجان والطالع وأشباهها إلاَّ تعبيراً عن الإيمان بذلك الشعور والإعتقاد بما له من تأثير على نفس الإنسان وبالتالي انعكاسه على صحته. ولو أردنا أن نبحث أصل هذا الفكر، وهل حقّاً نجد له شيئاً من الجذور الدينية والتاريخية، وهل له آثار إيجابية لانعدم ذلك، ولكنَّ كثيراً من الناس لا يؤمن به، ولا يعده إلاَّ شعوذة وخرافات وأساطير تلجأ إليها الشعوب للتخفيف من آلامها لما تعانيه من ظلم وجور على امتداد عصور التاريخ، والحقيقة التي نراها هي بين الإيمان المطلق دون حدود والنكران المطلق دون نظر إلى الموروث الإعتقادي، والوقائع والقضايا التي برهنت صحة الفكرة، ففي الجانب الإعتقادي هناك أخبار عن الإستشفاء بالقرآن، وبالدعاء ونحوهما، وفي الجانب العملي قضايا وقضايا تم شفاؤها بمثل هذه الطرق مرضها كان عصيّاً.
غير أن الأفراد أو المؤسسات التي تقوم بهذا العلاج سواء بالرقى أو التنويم أو غيرهما، وفي سبيل الحصول على قدر كبير من المال، أو رغبة في إدخال الطمأنينة أكثر في نفوس الناس عامة والمرضى خاصة صاروا يخترعون أساليب موغلة في الخيال، وبعيدة عن روح الحقيقة، ويلبسون الفكرة ألبسة تثير فضول المريض وتلهفه إلى الشفاء، ويقومون بحركات وأعمالاً بهلوانية تقريباً من رقص وبخور وطبول وعزف وجلوس في مكان مظلم، وهلم جرا، ومثل هذه الفعال يأباها العقل السليم، والفكر المستنير بنور العلم والعقيدة.
|
الحياة الإجتماعية ودور المرأة فيها |
من خلال ما تقدم يظهر لنا أنه ليس للمرأة في القطيف دور اجتماعي مميز لكلتا الفئتين منهن سوى ما يتعلق بدور الأمومة والتربية، ومثل هذا لا يشكل علامة فارقة تعطي المرأة دوراً اجتماعيّاً له منظوره الخاص، وأثره في المجتمع، لأن دور الأمومة والتربية لا خيار لها فيه لالتصاقه بتكوينها، بل ربما يؤخذ عليها التقصير فيه بسبب قصورها عن إدراك أهميته، ولا نبعد عن الصواب أن نقول بأن تأخر الوعي في القطيف - سابقاً - أحد أسبابه الرئيسية عدم فهم المرأة - والرجل أيضاً - إلى أصول التربية، فليس إلاّ العنف وسيلة إليها، ووجود أسر أو أفراد يتميزون بحسن التربية ليس دليلاً على العموم، وغير ذلك ليس لها من النشاطات إلا من تمتهن القراءة والتعليم في الكتاتيب بأسلوب بدائي رتيب.
|
عصر ما بعد البترول |
في حياة الشعوب - بما هي طبيعة الحياة وسنة الكون - نقلات وتطورات، وخروج من حالة إلى أخرى، وارتسام عادات مكان عادات، وأحياناً يكون التحول جذريّاً يمس نفسية المجتمع وأخلاقياته حنى أدبياته الشعبية » الفلكلور « وكلمات نطقه إلاَّ الأمثلة فإنها قد تبقى تساير الأزمان.
والمرأة في القطيف - تبعاً للتطور الذي حصل _ أخذت نصيبها بقسط وافر، ولا نستطيع أن نفرق بين المرأة من حيث التصنيف السكني، لأن التطور جاء بسبب تحول الحياة من زراعية إلى عهد الحياة الصناعية نتيجة اكتشاف البترول عام 1354هـ، وهذا التحول لم يقتصر على حياة المدن، بل شمل كل القطيف - ريفاً ومدينة وقرية - حيث التحق بأعمال أرامكو ومشتقاتها مختلف أبناء البلد من أهل القطيف، فكان أن بدأت المفاهيم الجديدة تأخذ طريقها إلى الناس رويداً رويداً في طرائق معاشهم، وفي عاداتهم، ولباسهم، وفي نظرهم إلى الحياة، لا سيما وقد تراجع الإعتماد على الحقول ومشتقاتها كغذاء رئيسي، وكمصدر ثروة للبلاد.
وجاء التعليم - شاملاً العنصر النسائي وإن كان بوقت متأخر - وشاركت المرأة - البنت - فيه، لذلك لا يصح أن يكون الفارق هو عامل المدينة والريف، وإنما بين المرأة الأم والمرأة البنت، بين جيل الأمس وجيل اليوم. من هذا التصنيف يمكننا أن نقول إن المرأة بنت الجيل السابق لا تزال تعيش نفس النمط السابق في الأفكار والسلوك، والخضوع إلى الرجل والفهم إلى الحياة، وهي من قبيل من فاته قطار التغيير، أو كما قال الشاعر:
|
والشيخ إن قوَّمته من زيغه كذلك الغصن يسيرٌ عطفه |
يُقِم التثقيف فيه ما التوى لدناً، شديدٌ غمزه إذا عشا |
أمَّا البنت فقد تغير مفهومها للحياة، ولم تعد تلك التي تجتر آلامها بين جدران أربعة، وتعيش الجهل المطبق، أو تلك التي تحمل سلة الفاكهة على رأسها لتبيعها في السوق - وإن كان هذا في رأينا ليس بعيب لأنه عمل: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون). والرسول (ص) لما نظر إلى يد ذلك العامل وقد مجلت من العمل؛ أخذها وقبلها، وفي رواية: قبلها وقال: (هذه يد لا تمسها النار). ومما ينسب إلى الإمام علي (ع) قوله:
|
كدّ كدّ العبد إن أحـ لا تقل ذا مكسبٌ يز |
ـببت أن تصبحَ حرّا ـري فقصد الناس أزرى |
وفي الحديث إنَّ الله يكره العبد فاغراً فاه يقول رب ارزقني، فيقال له: (هلاَّ سعيت في الأرض؟)، و(لأن يأخذ أحدكم حبلاً فيحتطب به ويبيعه خير من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه).
على كل حال، لقد التحقت البنت بالتعليم من جميع فئات المجتمع وشرائحه، وتخرجت طبيبة، ومهندسة، وصيدلانية، وباحثة اجتماعية، وطبيبة نفس، ومعلمة، وأصبح لها دورها في الصحافة، والندوات، والجمعيات، والمحاضرات. إنها بحق مفخرة جيلنا، وعماد مستقبلنا، ولم تعد تلك البنت التي لا تملك إرادة، ولا تقوى على معارضة.
من ضمن المسائل التي طُرحت:
1 - ما هي سلبيات الإنفتاح لا سيما بالنسبة إلى المرأة، وما هي إيجابياته؟
2 - الإنحراف الجنسي عوامله وأسبابه.
3 - ظاهرة كثرة الطلاق.
4 - العنوسة.
5 - المستخدمات الأجنبيات: فوائدها وأضرارها.
6 - الشباب بين الماضي والحاضر.
إن الإجابة على مثل هذه القضايا ليست من السهولة بمكان. إنها تحتاج - من ضمن ما تحتاج - إلى استبيان بأخذ الرأي من أفراد من المجتمع من مختلِف شرائحه الإجتماعية، والقيام ببحث ميداني للخروج بنتيجة هي أقرب إلى الحقيقة منها إلى الشطحات في الأسباب والنتائج، لكن التجارب والقضايا التي تمر بالإنسان الضالع في مساق الشؤون المحلية، وبحكم الخبرة الطويلة، والعمل في الحقل الإجتماعي، وطبيعة العمل في المحاماة، كل ذلك كونَّ لدينا حصيلة من المعرفة والإحاطة تمكننا من تقديم تصور قريب من الحقيقة.
من وجهة نظرنا لا نجد مقارنة في البين بين الإيجاب والسلب، إذ القياس مع الفارق فاسد. كيف نقارن بين الظلمة والنور ؟ أو بين العلم والجهالة ؟ بين الإرادة واللا إرادة؟ وإذا كانت هناك انحرافات جنسية، أو أخلاقية فليس سببها العلم، وإنما تواصل العالم وتقارب الشعوب، وتوفر الأسباب المثيرة، والمغريات التي تنجذب إليها الطباع والميول والغرائز، وتوفر أسبابها، مع وجود حالات القهر والكبت والحرمان التي هي بحدها تدفع المرء لما لا يحب فعله. هذه العوامل وغيرها سبب مباشر، والإنسان مثلما يبحث عن الطعام؛ يبحث عن غيره ليشبع مجموع غرائزه.
ومع ذلك لو بحثنا هذه الظاهرة لوجدناها بالنسبة إلى غيرنا أقل نسبة، وصدورها كثيراً ممن لم ينهلن من منهل العلم، وممن لم يثقفن أو يحصلن على تربية سليمة، ويجب ألاَّ نغفل أموراً هي عامل السبب في وجود الظاهرة، والأمور هي:
أوَّلاً - الفارق الكبير بين جيل الآباء وجيل الأبناء. جيل الآباء جيل أمي جاهل - ولا عبرة بالنسبة القليلة المتعلمة - وجيل الأبناء جيل انفتح على الحياة، وتعلم، وقرأ، وسافر، واحتك بغيره في الداخل والخارج، وتشرب ببعض الآراء والثقافات؛ فالبون شاسع بينه وبين آبائه، ولذلك فإنَّ الآباء في منعطف لا يلتقون فيه مع أبنائهم الذين يعيشون في منعطف آخر.
ثانيا - إن مظاهر الثراء التي طرأت على حياة الناس منذ بداية وجود شركة الزيت أحدث نقلة نوعية كبيرة لا سيما وأنها جاءت بعد فقر بلغ أقصاه في القطيف، وبالذات بين عامي 40 - 1360 هـ. هذه النقلة تجسدت في التقدم بأنماط المسكن والمطعم والملبس، واستتبعت مظاهر من الترف وحياة النعيم بما لها من بذخ في الحضر والسفر، وجاءت المشاريع، ثم جاءت قفزة الأراضي والسهام (أو الأسهم ؟)، فأضافت إلى الثروة أخرى، وتزيَّد الناس في البذل والبذخ دونما نظر إلى مقتبل المتغيرات، والأكثرية المطلقة من أهل القطيف لم يحسبوا إلى المستقبل أيَّ حساب، وما زال التداول بالمثل سائداً: (كلْ ما في الجيب يأتك ما في الغيب)، (رزق اليوم أخذناه، ورزق باكر على الله).
وبدأ الإنحسار يأخذ طريقه، وتسللت الثروة من جيوب أصحابها بأرقام مثيرة في الأسفار، وفي الأعراس، في غيرهما، وتوقفت المشاريع، واستحدثت الضرائب، وأغلقت أبواب من العمل كثيرة، وقد ألف الجميع تلك الحياة، واللبيب الحصيف يعرف كيف يفلسف الظاهرة، فهي لم تبرز كظاهرة إلاَّ قريباً.
أمَّا ظاهرة الطلاق فتحتاج إلى بحث مستفيض ليس هذا محله، لكنها بموجز القول تقع في صورتين:
صورة ما قبل الدخول، وصورة الزواج الذي مضت عليه أعوام أنجب الزوجان فيها لهما الأولاد.
الطلاق في الصورة الأولى بسبب التعرف البسيط الذي يقع بين الخطيبين، إما بواسطة الهاتف، أو بواسطة قريبة أو قريب من أحدهما، وبعواطف الشباب التي تطغى بادئ ذي بدء عند أحدهما أو كليهما، وربما تصنَّع أحدهما أو كلاهما في مظاهر حبه - لا سيما من جانب الأولاد - فيصار إلى الإتفاق على الزواج، ويتم العقد، وبعد مرور فترة قليلة يظهر كل واحد على حقيقته فيكتشفه الآخر، وتبدو عند أحدهما أو كليهما معاً أخلاقيات وغيرها لا يستسيغها الآخر، فتحدث المشادَّة والخلاف الذي ينتهي بالفراق قبل الدخول.
أما أسباب الصورة الثانية فإن تغير أنماط الحياة، وتحول المفاهيم، واستجابة الذكور إلى ذلك التغيير، ولو بصورة سطحية أو تقليدية - وانحياز كثيرين منهم إلى ارتشاف معين اللذة بطريق وآخر، وتخلف النساء عن مسايرة ذلك، وعدم قدرتهن على التكيف مع حياة الأزواج؛ كل ذلك أحدث هزة عنيفة في حياتها أدَّت - وما زالت - بالعديد من الأسر إلى سلوك طريق الطلاق، ولم يفكرا فيما تركا من أطفال - ذكوراً وإناثاً - عرضة للضياع، وضيق المعيشة، وفقدان التربية، والتوجيه حتى أن البعض منهم ليثير العطف مما يلاقيه من القهر والمرض والحاجة. هل يتصور أن بنتاً عمرها أحد عشر عاماً وزنها ستة كيلو غرامات، وليست مريضة ؟ وإنما طلق والدها والدتها ولم يقبل الأب وجود ابنته عنده، كما لم يقبلها جدها - والد أمها - عنده في منزله لأن زوجته ليست والدة لأمها حتى أن أمها بمنزل والدها أقامت خادمة فيه إلى أن فاضت روح البنت وصعدت إلى بارئها تشكو الظلم الكبير
وأمَّا العنوسة فلها في رأينا أسباب كثيرة، أحدها أن عدد الإناث يفوق عدد الذكور، ومنها رغبة الجنسين في مواصلة التعليم، الأمر الذي يجعل الفتاة تتعدى العمر الإعتيادي الذي درج عليه المجتمع في الزواج والتزويج، فيحصل انصراف من الشاب عن تلك الفتاة التي تعدت قسماً كبيراً من شبابها ليبحث عن أخرى أكثر حيوية وطراوة، كما أنها من جانبها يحصل لها شيء من الإنصراف بسبب التوجه في الدراسة، ومن ثم البحث عن العمل.
وهناك عاملان آخران مهمان هما دراسة كثيرين من أبناء البلد في الخارج الأمر الذي يعرفهم في الإرتباط بإحدى بنات ذلك المجتمع الذي يدرسون فيه - وقد حصل عدد غير قليل من الزواج خارج الوطن، والعامل الآخر هو عدم توافق الأفكار والأخلاق والعادات بين النوعين - الشباب والشابات - حيث البون واسع بين انطلاقة هذا وكثرة أسفاره، واحتكاكه بالآخرين، وإطلاعه على كثير من العادات والأخلاق، والممارسات عند الشعوب الأخرى، وبين انغلاق تلك الفتاة المسكينة التي تعيش ضمن مجتمع مغلق، ولعل ارتفاع المهور، ومصاريف الزواج وملحقاته هنا له دور آخر في بحث كثير من الشباب عن الزواج من الخارج، ومن هنا ندرك كيف يحدث الإنحراف إذا ما أضفنا إليه العوامل السابقة، وقد قلنا إنه بالمقارنة مع المناطق الأخرى تعد نسبته ضئيلة.
|
الهوامش : |
(1) كتاب: من مكارم الأخلاق.
(2) تأملات إسلامية.